أخبار عاجلة

الإنسان خليفة الله في الأرض (20)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود مما خلقه في الأرض والسماء وما فيهما، خلقه الله ليعمر به ملكه وملكوته، وجعله خليفة عنه في أرضه، والخليفة في الأرض هو سيد مَن في الأرض ومَن في السماء، وجعل له ملك الأرض مقرًّا للإقامة ومستقرًّا له بعد موته، ثم ينشئه النشأة الثانية، فيمنحه الملك الكبير.

لذلك ابتلاه الله تعالى بأن سخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وصرَّفه تصريف الربوبية في المُلْك، فكل ما في المُلْك والمَلَكُوت مسخَّر له بإذنه تعالى.

السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

نسب طاهر ونور ساطع

هيأ اللهُ تعالى لتشريفِ حبـيبِـــه الكونَ أجْمَع:

بعد تلك الحيرة التي عاشها العالم في ظلام دامس وجاهلية عمياء، شاء المولى سبحانه أن تشرق الأرض بنور المصطفى J.

ولم يكن ميلاده الشريف J فجأة ولا على غير علم أو استعداد

من سكان الأرض أو عمار السماء، لا؛ بل هيأ الله تعالى لتشريف حبيبه الكونَ أجمع، فكانت بعد بشارات الأنبياء والرسل D؛ أخبار الكهان والرهبان بما وجدوه من أوصافه الشريفة في الكتب السماوية، وما كان جليًّا في آبائه وأجداده من العز والشرف والرعاية الإلهية من لدن سيدنا آدم A إلى والديه الأكرمَين، ثم بشارات الحمل به، وآيات مولده وما بعدها، والتي اشتركت فيها نواميس الطبيعة في الأرض والسماء، فنبهت إلى مقدمه الشريف J، مما جعل ناقوس الأمان يدق بالبشرى لكل منتظر للمخلِّص من الظلمات، وجعل ناقوس الخطر يدق فيحذر أهل الظلم والطغيان بمجيء السيد الماحي للظلام J.

إشارة إلى عناية الله تعالى بالمصطفى J:

فكانت خير بشارة وأوضح برهان يشير إلى إشراق شمسه J؛ نسبه الطاهر من لدن سيدنا آدم A؛ حتى آبائه الأقرب فالأقرب، كما دل عليه قول الله تعالى: )الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَاجِدِينَ( (الشعراء: 218، 219)؛ إشارة إلى عناية الله تعالى به الذي يراه؛ حتى في أصلاب آبائه وأجداده.

قال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدم ونوح وإبراهيم؛ حتى أخرجه نبيًّا. “القرطبي”.

وقال عطاء عن ابن عباس: أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي؛ حتى أخرجك في هذه الأمة. “البغوي”.

النسب المحمديّ خير الأنساب:

وفي هذا يقول الإمام المجدِّد السيد محمد ماضي أبو العزائم: “اقتضت حكمته العلية انتقاله J لكمال الخصوصية من ظهور الأفراد إلى البطون المصونة النقية، فكان J في ظهور آدم حقيقة الأنوار، ثم تنقل J إلى أئمة الأخيار، السادة الأطهار؛ حتى أبرزه الله شمسًا أضاءت الآفاق، فأظهرت أنوار الخلَّاق”.

يشير إلى ذلك النور الذي ظهر في جبهة سيدنا آدم A – وهو نور المصطفى J والذي أشرنا إليه من قبل -، ذلك النور الذي تنقل عبر القرون في آبائه وأجداده J؛ حتى ظهر في والديه جليًّا للعيان، ذلك التسلسل النوراني جعل ذلك النسب خير الأنساب، وآباءه وأجداده خير الآباء والأجداد.

ولبيان ذلك قال الله تعالى: )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( (التوبة: 128)، وقد أخرَجَ ابن مَرْدَوَيْه؛ عَن أنَس 0 قالَ: قَرَأ رَسول الله J )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ( فَقالَ الإمام عَليّ بن أبي طالب A: يا رَسولَ الله ما مَعنى من أنفسكم؟؛ قالَ: (نَسَبًا وصهرًا وحَسَبًا، لَيسَ فيَّ ولا في آبائي من لَدن آدَمَ سِفاح، كلنا نكاح). “فتح القدير للشوكاني”.

وعَن العَباس بن عَبد المطلب 0 قالَ: قالَ رَسول الله J: (إن اللهَ حينَ خَلَقَ الخَلقَ جَعَلَني من خَير خَلقه، ثم حينَ فَرقَهم جَعَلَني في خَير الفَريقَين، ثم حينَ خَلَقَ القَبائلَ جَعَلَني من خَير قَبيلَة، وحينَ خَلَقَ الأنفسَ جَعَلَني من خَير أنفسهم، ثم حينَ خَلَقَ البيوتَ جَعَلَني من خَير بيوتهم، فَأنا خَيرهم بَيتًا وخَيرهم نَفْسًا).

وعن ابن عباس 5 قال: قال رسول الله J: (ما وَلَدَني مِن سفاحِ أهلِ الجاهليةِ شيء، ما وَلَدَني إلَّا نكاحٌ كنكاحِ الإسلامِ). “أحمَد، والترمذي وحَسنَه، وابن مَردَوَيه، وأبو نعَيم والبَيهَقي”.

وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله J يقول: (إنَّ اللهَ اصطفى كِنانة مِن ولدِ إسماعيل، واصطفى قريشًا مِن كِنانة، واصطفى مِن قريش بني هاشم، واصطفاني مِن بني هاشم).

وقوله J: (إنِّي مِن نِكَاحٍ ولستُ مِن سِفاحٍ)، معناه أن نسبه J إلى آدم A لم يكن النسل فيه إلا من نكاح.

وقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن وعبد الله بن قسيط المكي: (مِنْ أنفَسكم) بفتح الفاء من النفاسة، أي: من أشرفكم وأفضلكم، وروي عن النبي J وعن السيدة فاطمة B: أي: جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم. “القرطبي والبغوي والمحرر الوجيز لابن عطية”.

الله تعـالـى حـفـظ نـبـيـه مـحـمدًا في الأصلاب الطاهرة والأرحام الطيبة:

وقد جعلت تلك النصوص بعض المفسرين يقفون حيارى عند قول الله تعالى: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ( (الأنعام: 74)، إذ كيف يكون أحد أجداد المصطفى كافرًا؟!.

كيف يكون أبو سيدنا إبراهيم A كافرًا وهو ضمن النسب الشريف للمصطفى؟!.

واختلط الأمر على البقية فقالوا: إن آزر أب لسيدنا إبراهيم، وقيل: إن آزر اسم صنم.

والحقيقة أن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب يطلقون عن العم: أب، والخال: والد؛ كما هو معروف حتى في وقتنا المعاصر.

وقد حسم الإمام المجدِّد السيد محمد ماضي أبو العزائم ذلك الاختلاف عند تأويل هذه الآية فقال: “وهناك اختلاف بين أهل التأويل وعلماء التاريخ فى مسألة أبوة آزر، فمنهم مَن قال: إنه أبوه حقًّا، ومنهم من قال: إنه عمه.

وأنا أميل إلى القول الأخير اعتمادًا على إشارة الله في قوله تعالى: (لِأَبِيهِ آزَرَ)؛ بإضافة الاسم إلى الأبوة.

وقد جرت عادة العرب أن ينسبوا الولد إلى بنوة أعمامه ويقيدوها بذكر الأسماء فيقول الولد: أبي محمد، وأبي إسماعيل، وأبي صالح، أما إذا كان الأب الحقيقي فيقول: هذا أبي؛ ولا يذكر اسمه.

ومثال ذلك في سورة يوسف: )إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ( (يوسف: 4)، وفي آية أخرى: )اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي( (يوسف: 93) دون ذكر الاسم؛ لأنه أبوه الحقيقي.

وحتى في مسألة الإخوة يفرق بين الأخ الشقيق وغير الشقيق كما قال تعالى في قصة يوسف: )قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي( (يوسف: 90) وسكت ولم يسمّه؛ لأنه أخوه الحقيقي الوحيد، ولو كان أخًا غير شقيق أو له إخوة غيره لقال: هذا أخي فلان – تمييزًا له -.

وحيث إن الله ميّز أبا إبراهيم بآزر فهذا دليل على أنه ليس أباه الحقيقي.

وهذا يتفق مع ما ورد عن الصادق الأمين J من أن الله تعالى حفظ نبيه محمدًا في الأصلاب الطاهرة والأرحام الطيبة التي لا تشوبها شائبة، وآزر هذا كان صنميًّا متعنتًا بل وكان عدوًّا لله”. “أسرار القرآن الجزء السابع، للإمام أبي العزائم”.

وذكر فخر الدين الرازي في تفسيره: “أن والدَ سيدنا إبراهيمَ A كانَ تَارَح، وآزَر كانَ عَمًّا لَه، والعَم قَد يطلَق عَلَيه اسم الأب، كَما حَكى الله تَعالى عَن أولاد يَعقوبَ أنهم قالوا: )نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ( (البقرة: ١٣٣)، ومَعلوم أن إسماعيلَ كانَ عَمًّا ليَعقوبَ، وقَد أطلَقوا عَلَيه لَفظَ الأب؛ فَكَذا هَهنا”. “تفسير الرازي للفخر الرازي”.

فآزر هذا ليس أبًا لسيدنا إبراهيم A، أما أبوه فهو تَارَح، وقد توفي تَارَح وكان سيدنا إبراهيم في سنه الصغير فكفله آزر، فكان الأدب النبوي يتجلى في سيدنا إبراهيم مع عمه – أو جده لأمه على بعض الروايات -، فبالرغم من كفره إلا أنه يخاطبه بلغة الأبوة فيقول: )يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ( (مريم: 44)، )يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا( (مريم: 45) حتى وصل الأمر إلى أنه استغفر له، وما كان استغفاره له إلا لأنه وعده كما قال تعالى: )قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا( (مريم: 47).

والأصل في إثارة تلك المسألة كما ذكر الفخر الرازي: “أن اليَهودَ والنصارى والمشركينَ كانوا في غايَة الحرص عَلى تَكذيب الرسول عَلَيه الصلاة والسلام وإظهار بغضه”.

ومن ذلك أنهم احتجوا على كذب القرآن أنه ذكر أن أباه آزر رغم عدم اختلاف النسابين أن أباه تَارَح، ومن جهة أخرى للنيل من شخصية الأنبياء في جواز تخلل نسب الأطهار أحد الكفار، وهذا محال.

فأبدًا… لم يكن من آباء ولا أجداد سيدنا المصطفى كافر ولا مشرك، بل ما تشعبت شعبتان إلا كان J في خيرهما.

 

 

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

أفيقوا قبل أن يعبد أبناؤكم إبليس وأنتم لا تشعرون!!

فوجئ الجميع بحفل لمغنية الرَّاب الأسترالية، إيغي أزاليا في الرياض، بسبب المحتوى الذي قدمته على …