أخبار عاجلة

الميثاق.. وابتلاء الله لعبيده (3)

على مذهب أهل السنة: فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى، وأما على مذهب المعتزلة: فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

بقية: قصة الذين اعتدوا في السبت

يقول الشيخ العقاد: وليس قول الله: )كُونُواْ قِرَدَةً( كلامًا بحرف وصوت؛ تنزه الرب عن ذلك، ولكن توجه الإرادة والقدرة المعبر عنها بقوله: )كُونُواْ(، ولما كان الإنسان لا يفهم الكلام إلا بالأحرف والأصوات؛ فقد خاطبهم الحق بها على قدر استعدادهم.

وأورد ابن عجيبة في تفسيره: )وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ( ما جرى للذين )اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ( في زمن داود A، وذلك في قرية يقال لها: “أيْلة”، كانت على شاطئ البحر، وقد نُهوا عن الاصطياد يوم السبت، فكانت الحيتان تخرج يوم السبت شُرَّعًا فتُخْرِج خراطيمها للبر، فإذا كان يوم الأحد دخلت في البحر، فحفروا حياضًا وشرعوا إليها جداول، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد، فلمَّا لَمْ يُعاقبوا على ذلك أحلُّوا يوم السبت، فانقسمت القرية على ثلاث فرق: قوم نهوا، وقوم سكتوا، وقوم اصطادوا، فمُسِخ من اصطاد قردة وخنازير؛ الشُّبان قردة، والشيوخ خنازير، فبقوا ثلاثة أيام وماتوا.

ويتساءل الرازي في تفسيره لتلك الآية: فإن قيل: لما كان الله نهاهم عن الاصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال: )تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم( (الأعراف: 163) وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الإضلال؟!.

قلنا: أما على مذهب أهل السنة: فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى، وأما على مذهب المعتزلة: فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب.

النكال والموعظة

أما في معنى قوله تعالى: )فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ( (البقرة: 66) فالجعل معلوم – وهو تنويع الحقيقة وصفًا وهيئةً -، والنكال: العقوبة الشديدة.

والضمير في قوله: )جعَلْنَاهَا( الذي هو الهاء والألف يعود على المسخة التي مسخها الله إياهم.

وإن جاز أن يعود الضمير على الحيتان، وإن لم يتقدم لها ذكر إلا كناية.

فجائز أن يعود على القرية.

وجائز أن يعود على القردة الذين كانوا أناسي.

وجائز أن يعود على الأمة التي اعتدت في السبت.

والذي يناسب التنزيل أن يعود على العقوبة التي هي مسخهم.

ومعنى )نَكَالًا( أي: عقوبة وعبرة بحيث حين يراها الموجود الآن ينكُل عن الجريمة فلا يعملها، وتكون عبرة وموعظة )لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا(: الموجود المعاصر، )وَمَا خَلْفَهَا(: مَن يأتون بعد ذلك، أي: يقوا أنفسهم شر العقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وقيل: إن النكال هو العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية، وأصله من المنع والحبس، ومنه النكول عن اليمين وهو: الامتناع منها، ويقال للقيد: النِّكْل، وللجام الثقيل أيضًا: نِكْل؛ لما فيهما من المنع والحبس.

وفي قوله تعالى: )وَمَا خَلْفَهَا( يخوف الله مَن في عصر الرسالة – من بني إسرائيل وغيرهم – ولم يشهد الاعتداء في السبت أن ينزل بهم هذا النكال.

وإن جاز غير ذلك: كأن يعود الضمير فيما بين يديها وما خلفها إلى المعاصي التي عملوها قبل وبعد حتى نكل الله بهم.

)وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ( (البقرة: 66) يعني عبرة وتذكرة للمتقين، وهم المسلمون، وإن جاز أن يكون لكل تقي ممن اتبع الرسل السابقين عليهم الصلاة والسلام، والموعظة لغة: هي الذكرى والعبرة.

وقيل في قوله تعالى: )وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ( ففيه وجهان:

أحدهما: أن مَن عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلًا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم.

وأما تخصيصه المتقين: فلأنهم إذا اختصوا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك؛ صلح أن يخصوا به؛ لأنه ليس بمنفعة لغيرهم.

الثاني: أن يكون معنى قوله: )وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ( أن يعظ المتقون بعضهم بعضًا، أي: جعلناها نكالًا وليعظ به بعض المتقين بعضًا، فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين، والله أعلم.

الله تعالى قد يبتلي العبد فيمتحن إيمانه وخوفه:

ويبين الشيخ العقاد أنه يُعلم من تلك الآية أن الله تعالى قد يبتلي العبد فيسهل له رزقًا حرامًا فيمتحن إيمانه وخوفه، كما يسَّر صيد السمك يوم السبت وهو حرام، وأبعده عنهم يوم الأحد وهو حلال…

ويُعلم من هذه الآية أيضًا أن المسخ محسوس وقع بالفعل في قوم سيدنا موسى A، ولكن الله أكرم الأمة المحمدية بمنع المسخ المحسوس؛ وبقي المسخ المعنوي:

– فمنهم من تمسخ صورته النفسية على هيئة كلب إذا تكالب على الدنيا.

– وعلى هيئة قرد إذا كان يحاكي أعمال الخلق وتقليدهم ليستهزئ بهم ويغرر الناس بعمله.

– ويحاكي الثعلب إذا كان مخادعًا.

– وعلى صورة الوحش إذا كان منتقمًا يفترس أخاه ويغتاله.

– وهكذا جميع الحيوانات، حفظنا الله من ذلك

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (25)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …