أخبار عاجلة

في شهر رمضان.. كيف حفظ الصيام مقاصد الشريعة الإسلامية؟

معلومٌ أن قواعد الإسلام هى: الحب فى الله والبغض فى الله، وأركانه خمسة هى: الشهادتان والصلاة والصيام والزكاة والحج، ومقاصده خمسة هى: حفظ الدين والعقل والنفس والنسب والمال.. ومن عظمة الصيام أنه يحقق هذه المقاصد الخمسة كما يلى..

الدكتور عبدالحليم العزمي

الأمين العام للاتحاد العالمي للطرق الصوفية

في شهر رمضان.. كيف حفظ الصيام مقاصد الشريعة الإسلامية؟

معلومٌ أن قواعد الإسلام هى: الحب فى الله والبغض فى الله، وأركانه خمسة هى: الشهادتان والصلاة والصيام والزكاة والحج، ومقاصده خمسة هى: حفظ الدين والعقل والنفس والنسب والمال.. ومن عظمة الصيام أنه يحقق هذه المقاصد الخمسة كما يلى:

1- حفظ الدين

الصيام يحفظ الدينَ؛ لأنه ركنٌ من أركان الإسلام الخمسة، ولأنه يُعَوِّدُ المسلم دائمًا أن يكونَ فى مَحَابِّ الله ومراضِيهِ بعيدًا عن معصِيَتِهِ وغضَبِهِ، فالصائم يتعود على الاهتمام بالوقت والدقة فى المواعيد حيث يتحَرَّى وقت الإمساك ووقت الإفطار، يدقِّقُ فى ذلك حتى لا يبطل صومه، وتكرار ذلك لمدة شهر يُكسب الصائم هذا الجانب التربوىَّ المُهِمَّ، فيحافظُ بعد شهرِ رمضانَ على كل الطاعات فى توازن تامٍّ بين الخالقِ والخَلْقِ والنَّفْسِ.

كما يعوِّدُهُ الحذر التَّام من الوقوع فى المعصية والمخالفَةِ؛ لأن إفطار يومٍ بغير عُذْرٍ شرعىٍّ لا يعوض بشىء، مصداقًا لقوله J: (من أَفْطَرَ يومًا فى رمضانَ من غيرِ رخصةٍ ولا مرضٍ لم يُجزه صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وإن صَامَهُ)[i].

والصيام يحفظ دينَ العبدِ؛ لأنه يكسبه صِفَة الإخلاص فى العمل، وهو سر القَبُولِ من الله تعالى، حيث يقول: )أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ( (الزمر: 3). وقال J: (أَخْلِصْ دينَكَ يَكْفِيكَ القَلِيلُ من العَمَلِ)[ii]. ومن غَيْرَةِ الله تعالى على الصيام لم يُعْبَدْ به غيرُ اللهِ، فهناك من سَجَدَ ورَكَعَ لغيرِ اللهِ، وهناك من أَنْفَقَ مالَهُ لغيرِ اللهِ، وهناك من حَجَّ البَيْتَ وهو يعبُدُ الأَصْنَامَ، أما الصَّوْمُ فهو العبادَةُ الوحيدَةُ التى لم يُعْبَدْ بها غير الله.. يقول الإمام أبو العزائم 0 مُعَلِّقًا على قوله تعالى: (إلَّا الصوم فإنه لى وأنا أَجْزِي به):

وَالصِّيَامُ لَهُ وَفِيهِ مَبْدَأٌ
لَمْ يَصُمْ أَحَدٌ لِّغَيْرِ اللهِ مِن
كُلُّ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ أَشْرَكُوا
فَهْوَ للهِ الْعَلِىِّ جَزَاؤُهُ

حَيْثُ كَانَ السِّرُّ غَيْبًا غَيْرَ بَادِ
مَبْدَإِ التَّكْوِينِ فِى كُلِّ الْعِبَادِ
غَيْرَهُ فِيهَا سِوَى الصَّوْمِ الْمُفَادِ
مَشْهَدُ الْوَجْهِ لَدَى يَوْمِ الْمَعَادِ[iii]

وسر تسمية الشهر وتعيينه بشهر رمضان هو حفظ الدِّينِ الإسلامىِّ من التغيير والتبديل والاختلاف الذى وقع فيه اليهودُ والنصارَى؛ لأنه لو قال: )كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ( ولم يعيِّنْ ويحدِّدْ ميعادَ الصِّيَامِ لذهبَ كلُّ جماعةٍ برأى واختيارٍ، وصامت كلُّ طائفةٍ بحسب ما تهوى وتختار، وتفرقت الكلمَةُ وانشَقَّتْ عصا الوَحْدَةِ الإسلامِيَّةِ التى جاء الدِّينُ لها، ونادَى فى كل قواعده بها، فكان الصوم فى شهر رمضان لترسيخ معنى الجماعة؛ لأنهم يصومون فى شهرٍ واحدٍ على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، فتميَّزَ الصِّيَامُ بذلك عن غيره من العبادات؛ لأن الصلاة لا يؤدِّيها المسلمون جميعًا فى وقت واحدٍ ولا فى مكانٍ واحدٍ؛ لاختلاف فروق التوقيت، والزكاة لها نصاب ربما لم يبلغه الكثير من المسلمين، والحج لمن استطاع.. أما الصوم فهو فريضةٌ محددةُ الوقتِ ولا تتقيَّدُ بمكانٍ واحدٍ، وفيه إشعارٌ بوحدةِ الدِّينِ وحِفْظِهِ.

وإذا حفظ الدين بالصيام، الذي فُرض قبل غزوة بدر الكبرى، كان التَّوَجُّهُ الإيمانِىُّ الصادقُ فى ساحات الجهادِ هو رأسُ مالِ المُجَاهِدِ، وبالتَّالِى يتحقَّقُ النَّصْرُ بقوَّةِ الإيمانِ وإخلاصِ النَّوَايَا قال تعالى: )وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ( (الروم: 47).

2- حفظ العقل

أمر الصِّيَامُ بترك كلِّ مكانٍ يشغل الصائم عن ربه بذكرى سيئة أو أثر من شر من الآثار القبيحة؛ لأن للمكان تأثيرًا على الإنسان، إما أن يُذَكِّرَ الإنسان ربَّه كالمساجد، وإما أن يُذَكِّرَهُ بإجرامِ المجرمين وعصيانِ العاصين كالمَوَاخِرِ والحاناتِ وما شابَهَهَا.

وحكمةُ تَرْكِ الغافلين صَوْنُ وتصفيةُ الذِّهْنِ والعَقْلِ، والمحافظَةُ على الذِّكْرِ، والاشتغالُ بالأقوالِ السدِيدَةِ والأعمالِ المفيدَةِ.

والفِكْرُ هو وزيرُ العقلِ ودليلُ النَّفْسِ الحائِرَةِ، فإن فَسَدَ الفكر فسدت مَمْلَكَةُ العَقْلِ وخابَ فى آيات الكتاب من النَّقْلِ، وصوم الفكر هو تركُهُ التدبير فى شهوات الكائنات، ونوالُ ما فيها من رغباتٍ، واشتغالُهُ بما يحيطُ به من الآيات؛ لأن الفِكْرَ سراجٌ نورانىٌّ وظيفته التَّدَبُّرُ والتأمُّلُ بما فى هذا الوجود من آياتٍ تدلُّ على وجود ربِّ الأرض والسماوات.. ذلك لأنَّ الصوم يربطُ المسلمَ بالكونِ وما فيه من أقمارٍ ونجومٍ حيث يتحرَّى أولَ الشهرِ وآخره قال J: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)([iv]). وصوم العقل هو عدم الوقوف عند المادِّيَّاتِ وتأثيرها، وتجاوزُ الأسباب بعد الأخذ بها والصعود منها إلى المصدر الذى يديرها ويدبِّرُها، فيلاحظ أن ما فى الوجود من العوالم الكونيَّةِ والإنسانيَّةِ لم يقم بالطبيعة ولا بالعلَّةِ والصُّدْفَةِ، وإنما قامَ بحيٍّ قيُّومٍ، وهو أقربُ لها منها، فينتقل من عِقَالِ الكون إلى نور المُكَوِّنِ، وينفذُ من أقطارِ الظُّلُمَاتِ، ومن سور الأرض والسماوات، إلى فسيحِ أنوارِ الآياتِ، ومنها إلى جَنَّةِ التَّجَلِّيَاتِ.

يقول العارف بالله 0:

صَوْمُ فِكْرِى وَصَوْمُ عَقْلِى جَمَالٌ

بَعْدَ تَـــــــــرْكِ الآيَاتِ وَالْمَعْقُولِ

يَتَجَلَّى الْحَبِيبُ لِـــــــــى بَعْدَ هَذَا

فَتُدَكُّ الأَرْكَانُ بِالتَّبْدِيـــــــــــــــلِ

كُنْتُ كَوْنًا فَصِـــرْتُ نُورًا مُّبِينًا

وَسِرَاجًا يُرَى لِكُلِّ قَبِيلِـــــــــــى

آهِ يَا صَوْمُ فِيكَ كُـــــــلُّ عَجِيبٍ

وَلَكَ اللهُ لَا  تَلُمْ يَا عَــــــــزُولِى

وارتباط نزول القرآن فى شهر رمضانَ وفرضُ الصِّيَامِ كان لحكمةٍ، وهى أن القرآنَ أعظمُ آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ والصِّيَامَ أعظمُ مظاهرِ العُبُودِيَّةِ، قال تعالى: )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ( (البقرة: 185). والفرقانُ؛ هو نورٌ يُمْنَحُ للإنسانِ فى عقلِهِ وفكرِهِ وتصويرِهِ، وإلهامٌ من الله فى قلبه يفرِّقُ به بين الحقِّ والباطل، فمن صام رمضان صيامًا حقًّا وعَمِلَ بوصَايَا القرآنِ منحَهُ اللهُ هذا الفرقان؛ سرُّ قوله تعالى: )يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا( (الأنفال: 29). هناك ارتباطٌ وثيقٌ بين الأجسامِ والمبانى، والأرواح والمعانى، فمتى رَقَّت بالصِّيَامِ الأشباحُ؛ استنارت برِقَّتِهَا العقولُ والأرواحُ. فإذا حُفِظَ العقل بالصيام، استطاع المجاهدُ أن يفرِّقَ بين الصواب والخطإِ، ويضعَ الخُطَّةَ الحكيمةَ، فيكونَ النَّصْرُ حليفَهُ.

3- حفظ النفس

جاء فى الخبر: (لمَّا خلق الله العقل قال له: يا عقلُ أَقْبِلْ، فأَقْبَلَ، قال: يا عقلُ أَدْبِرْ، فأَدْبَرَ. قال: يا عقلُ من أنا؟ قال: أنت رَبِّى وأنا عبدُكَ، قال: يا عقلُ أنت أكرمُ الخَلْقِ لدَىَّ. ولما خلق الله النفسَ قال لها: يا نفسُ من أنا؟ قالت: أنت أنت وأنا أنا. فقال: صوِّمُوهَا أو جوِّعُوهَا، ثم قال لها: يا نفسُ من أنا؟ قالت: أنت ربِّى وأنا عبدُكَ).

فالصيامُ هو المدرسةُ التَّرْبَوِيَّة للنفسِ البشريَّةِ، وهو سيفُ الجهادِ الأكبر (جهاد النفس)؛ لأن الإنسان مُرَكَّبٌ من حقيقتين متصلتين: جسمٍ وروحٍ، فالجسمُ بطبعه وسفله يميلُ إلى الشهواتِ والمعاصى، والروح بحسب طهارتها تميلُ إلى الخيراتِ والتَّقْوَى والطاعاتِ. والحربُ بين الحقيقَتَيْنِ سجالٌ، والميدانُ هو القلبُ، فإذا قوى الجسمُ واحتلَّ العرشَ ساءت المملكَةُ الإنسانيَّةُ، وتلاشت التقوى الربَّانِيَّةُ، وإذا قَوِيَتِ الرُّوحُ على الجسم واحتلَّتِ العرشَ سادت الطاعاتُ وظهرت القُرُبَاتُ.

لتلك الحكمةِ العَلِيَّةِ أرادت العزَّةُ الإلهيَّةُ أن تأمرَ الجسمَ بالصِّيَامِ، والروحَ بالعلمِ والقرآنِ؛ حتى يضعُفَ الجسمُ بتركِ مألوفاتِهِ، وتقوى الروحُ بغذائِهَا القرآنىِّ وشرابِهَا الرُّوحَانِىِّ، ومتى قويت على الجسم احتلَّتْ عرشَ المملكةِ وسادَتِ التَّقْوَى وصَلُحَتِ النفسُ.

وصيامُ النفوسِ أمرٌ عجيبٌ وغريبٌ، وتفصيله محيِّرٌ، ولا يُتَلَقَّى إلا من أفواه الأَئِمَّةِ الوَرَثَةِ المُجَدِّدِينَ:

1- صوم النفس الجمادية:

هو تركها الكسل المُخِلَّ بحكمة العمل قال تعالى: )وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ( (التوبة: 105). وكان النبىُّ J يتعوذُ من أوصافِ الجمادِ بقوله: (اللَّهُمَّ إنى أعوذُ بك من العجز والكسلِ)([v]). ويحفزُ أُمَّتَهُ على المسارعة والتَّنَافُسِ فى فعلِ الخيراتِ بقوله J: (أتاكُمْ رمضانُ شهرُ بركةٍ يغشاكم الله فيه فيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ، ويحُطُّ الخطايا، ويستجيبُ الدعَاءَ، وينظرُ إلى تنافسكم فيه ويباهى بكم ملائكتَهُ، فأَرُوا ربَّكُمْ من أَنْفُسِكُمْ خيرًا، فإن الشَّقِىَّ من حُرِمَ فيه رحمةَ اللهِ U)([vi]).

2- صوم النفس النباتية:

هو ترك أعمالِ المُتْرَفِينَ واتِّبَاعِ الوَسَطِ، بعدَمِ الاشتغالِ بتسمينِ الجسمِ والوقوفِ عند نحافَتِهِ وغِلْظَتِهِ، قال J: (أفضلُ الناسِ من قَلَّ مطعمه وضَحِكُهُ، ورَضِىَ بما يَسْتُرُ به عَوْرَتَهُ)([vii]).

3- صوم النفس الحيوانية:

هو ترك الطمع والجشع الحيوانى، والحرص على المتاعِ الفانى، وإلى ذلك أشارَ النبىُّ J: (فإن قاتَلَهُ أحدٌ أو شاتَمَهُ فليقلْ إنى صائمٌ إنى صائمٌ)([viii]). فيكتسبُ صفة الحلم على الجاهلين وهى من صفات عبادِ الرَّحْمَنِ )وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا( (الفرقان: 63).

4- صوم النفس الشهوانية:

هو ترك الانهماك فى الملذَّاتِ، والعكوفِ على الشَّهواتِ من النساءِ والبنينَ وكلِّ متاع من أموال ومبانٍ وحرثٍ وخلاعةٍ وسماعٍ وضيعٍ، لحِفْظِ شَرَفِهَا، ونوالِ الشَّهَوَاتِ الباقيةِ والملذَّاتِ الدَّائِمَةِ فى جنَّاتِ النَّعِيمِ.

5- صوم النفس السَّبُعية الوحشية:

هو ترك الاعتداء على المال والنفس، وتركِ البطش بالضعفاء، والافتراءِ على الأتقياء، وأن تستعمل قوَّتَهَا وجرأَتَهَا فى تطهير الأرض والبلاد من الظالمين، وتَخْذُلَ الكافرينَ والمعتدينَ، كما استعملَ الشِّدَّةَ فى ذلك سيدُ المرسلينَ، وأصحابُهُ من الأنصارِ والمهاجرينَ، فصيامُهَا يكون عن الإثْمِ والعدوانِ، ويكون بالتعاون على البِرِّ والتَّقْوَى.

6- صوم النفس الملَكية:

هو عدم الاغترار بمداومة التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، والفناء عن عبادتها، وقد قالت حال اللَّبْسِ: )وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ( (البقرة: 30). فتدخل حصن التوحيد الخالص، حتى تشهد سر الأسماء والصِّفَاتِ، وتشرب من رحيقٍ صافٍ شراب لا حول ولا قوة إلا بالله، فتتحقَّقَ بالواحِدِيَّةِ، وترى آثار الوحدانيَّةِ، فتعمل جميع الأعمال، ولا تُحْجَبَ بها عن الكبيرِ المتعالِ.

7- صوم النفس اللوامة:

هو ترك التَّقْرِيعِ والتَّشنيع واللَّوْمِ للغير، مع توجيه ذلك إلى النفس؛ لأنها إذا اشتغلت بالإعراضِ والاعتراضِ بُلِيَتْ بالمفاسدِ والأمراضِ فهَلَكَتْ مع الهالكينَ، قال J: (من اغْتَابَ فقد خَرَقَ صومَهُ) ([ix]). وقال الإمام أبو العزائم: (عيون الرأس إن فتحت رأت عيوب الغير، وعيون القلب إن فتحت رأت عيوب النفس؛ فداوتها، فرأت الجمال الإلهي).

8- صوم النَّفس الأمَّارة بالسُّوء:

هو ترك الإصرار على السيئات والأَوْزَارِ، فلا تُكِنُّ السوء ولا تُصِرُّ عليه، ولا تَطْغَى على إنسانٍ ولا تضره، ولا تبغى الفسادَ فى الأرض، قال J: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإن كان يومُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فلا يَرْفُثُ ولا يَصْخَبُ ولا يَجْهَلُ)([x]).

هذا هو أثرُ الصيام على النَّفْسِ، ومعلوم أن الجهادَ نوعانِ: أكبرُ وهو جهاد النفس، وأصغرُ وهو جهادُ العدُوِّ.

والإنسان لا يستطيعُ الخروجَ لجهادِ العدُوِّ إلا إذا جاهد نفسه، وهذه هى حكمة فرض الصيام قبل الخروجِ لغزوةِ بدرٍ الكُبْرَى.

4- حفظ النسب

معلومٌ أن الأنساب ثلاثة هى: النسب الإلهى، والنسب الدينى، والنسب الدُّنْيَوِىُّ.. والصيام يحفظ هذه الأنساب الثلاثة.

1- فالنسب الإلهى عرَّفه الإمام أبو العزائم 0 بأنه قسمان([xi]): نسبٌ يقبل به الله عليك، وهو تحقُّقُكَ بحقِيقَتِكَ، وانكشافُ معانيك لك حتى لا تنسى من أنت نَفَسًا ولا طَرْفَةً، فتكون دائم الاضطرارِ والتَّوَكُّلِ عليه، والتَّفْويضِ لجَنَابِهِ العَلِىِّ، والفقرِ لذاتِهِ الأَحَدِيَّةِ.

والقِسْمُ الثَّانِى: نسبٌ تُقْبِلُ به على الله، وهو التَّخَلُّقُ بأخلاقِهِ الإلهيَّةِ فى المضايِقِ التى تدفَعُكَ بقُوَّةٍ إلى التَّخَلُّقِ بالأخْلاقِ الحيوانيَّةِ، أو الأخلاق الإبليسيَّةِ وهذا يتحقَّقُ فى الصيام حيث يكون عفوك عن مَقْدِرَةٍ، وإحسانك ولو إلى المُسِىءِ، وصلتك ولو للقاطعينَ، وإكرامُكَ ولو للمهينِ.

2- أما النسب الدينى فهو نسب الإسلام، الذى يتحقَّقُ أيضًا فى الصيام؛ حيث يتزَيَّنُ الصائمُ بأغلبِ تعاليمِ الإسلامِ حرصًا على طاعة الله تعالى واجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ.. فمن رأى الصائم شَهِدَ له بأنه مسلمٌ حقيقىٌّ؛ لأنه ارتبط بكتاب الله تعالى وتأسَّى برسولِهِ J ورَحِمَ إخوانَهَ، ودافَعَ عن ثغورِ الإسلامِ بالنفس والنفيس، فالصيام يجعلُ المُجَاهِدَ يضحِّى بكلِّ ما يَمْلِكُ فى سبيلِ رفعةِ دينِ الإسلامِ، وقَهْرِ أعدائِهِ.

3- والنسب الأخيرُ هو النسب الدُّنْيَوِىُّ، ويحفظه الصِّيَامُ أيضًا؛ لأنه يَأْمُرُ المسلم بألا يَقْرُبَ زوجتَهُ الحلالَ وهو صائِمٌ من طلوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ويَسُنُّ المصطفى J الاعتكافَ فى العَشْرِ الأَوَاخِرِ حتى يَنْقَطِعَ بالكُلِّيَّةِ لَيْلًا ونهارًا عن زوجته الحلالِ، فإذا كان ذلك بالنِّسْبَةِ للحلالِ فمن بابِ أولى أن يَبْتَعِدَ عن الحرام؛ حيث تَعَوَّدَ على العِفَّةِ وهو صائمٌ، وبالتَّالى تُحْفَظُ الأنساب، ويَأْمَنُ المُجَاهِدُ على عِرْضِهِ إذا خَرَجَ للجهادِ.

5- حفظ المال

حَفِظَ الصِّيَامُ المال بأن حرَّمَ الاعتداءَ على المالِ والنَّفْسِ، وحثَّ على التعاون على البرِّ والتَّقْوَى وطاعةِ الرَّحْمَنِ، فنجدُ السَّارِقَ يُقْلِعُ عن السَّرِقَةِ فى شهرِ رمضانَ، وكذلك المُرْتَشِى، وآكلِ أموالِ الناس بالباطل فيُحْفَظُ المالُ وتَعُمُّ البركَةُ.. وارتبطَ الصِّيَامُ بصَدَقَةِ الفِطْرِ؛ حيث ورد أن الصيام مُعَلَّقٌ بين السَّمَاءِ والأرض لا يُرْفَعُ إلا بزكاةِ الفطر، والزَّكَاةُ حِصْنٌ للمالِ وحِفْظٌ له، كما أَخْبَرَ بذلك J بقوله: (حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بالزَّكَاةِ)([xii]). وقال: (مَا نَقَصَ مَالٌ من صَدَقَةِ)([xiii]).

وفضل الصيام يجعل البخلاء يخرجون عن تَبَلُّدِهِمْ ويشاركون فى الإنفاقِ اقتداءً برسول الله J، كما ورد فى الصحيح: (كان رسول الله J أَجْوَدَ الناس، وكان أَجْوَدَ ما يكون فى رمضانَ حين يلقاهُ جبريلُ، وكان جبريلُ يلقاه كل ليلةٍ فى رمضان فيُدَارِسَهُ القرآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ J حين يلقاهُ جبريلُ أَجْوَدُ بالخيرِ من الرِّيحِ المُرْسَلَةِ)([xiv]).

وقد رَغَّبَJ  فى الإنفاق فى شهر رمضان ليُحْفَظَ المالُ بقوله: (من فَطَّرَ صائمًا كان مغفرةً لذنوبه وعتقَ رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن يَنْقُصَ من أجره شىء). قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يملك ما يُفَطِّرُ به صائمًا، فقال J- مبينًا أن الأمر ليس بكَثْرَةِ الإنفاقِ وإنما هو علاجٌ للنفوس البخيلة-: (إن الله يعطى هذا الأجر لمن فَطَّرَ صائمًا على تَمْرَةٍ أو مَذْقَةِ لبنٍ أو شربة ماء)([xv]).

فإذا حُفِظَ المال بالصيام، أَمِنَ المُجَاهِدُ على ماله وهو خارجٌ للقاء العدُوِّ.

أسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الرباني، الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

=================

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

([i]) ينظر: صحيح البخارى 3/32 باب (29): إذا جامع فى رمضان.

([ii]) ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابورى 4/447 ح7925، ط. دار الحرمين – القاهرة 1417ﻫ، والمتجر الرابح للحافظ الدمياطى ص969 ح2060.

([iii]) ينظر: صيام أهل المدينة المنورة للإمام أبي العزائم، ص15 – 16.

([iv]) ينظر: صحيح البخارى 3/27 ح1909، وصحيح مسلم 3/122.

([v]) ينظر: صحيح البخارى 8/79 ح 6367.

([vi]) ينظر: مجمع الزوائد للهيثمى 3/344 ح4783، والمتجر الرابح للحافظ الدمياطى ص346 ح703.

([vii]) ينظر: إحياء علوم الدين (ربع المهلكات) كتاب كسر الشهوتين، بيان فضيلة الجوع وذم الشبع 3/78.

([viii]) ينظر: صحيح البخارى 3/24 ح1894، وصحيح مسلم 3/157.

([ix]) جاء فى فيض القدير للمناوى 4/305 حديث 5127، وفى التيسير بشرح الجامع الصغير 2/201، وفى قوت القلوب 2/37، وكنز العمال للمتقى الهندى 8/507 ح23863، والكامل الكبير للسيوطى 6/107 ح13716.

([x]) رواه البخارى في صحيحه 2/670 ح1795 باب فضل الصوم، ومسلم في صحيحه 3/157 ح2761 باب فضل الصوم.

([xi]) ينظر: شراب الأرواح من فضل الفتاح، للإمام أبى العزائم، ص60 – 61، ط4. 1417ﻫ – 1996م، دار الكتاب الصوفى – القاهرة.

([xii]) ينظر: المتجر الرابح ص261-262 ح522 ذاكرًا: أخرجه أبو داود فى كتاب المراسيل.

([xiii]) ينظر: سنن الترمذى 4/562 ح 2325. بنص: (ما نقص مال عبد من صدقة….) انتهى، ومسند الإمام أحمد 29/561 ح 18031. بنص: (ما نقص مال عبد صدقة….) انتهى، والمعجم الكبير للطبرانى 22/341 ح 855. بنص الترمذى، والمعجم الأوسط للطبرانى 2/374 ح 2270. ط. دار الحرمين – القاهرة، 1415ﻫ.

([xiv]) ينظر: صحيح البخارى 3/26 ح1902.

([xv]) ينظر: المتجر الرابح ص362، فصل: ثواب من فطر صائمًا.

 

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …