في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، إشارة للرُّوح أن تتمثل وسعة علمه سبحانه وحيطته بجميع العالم من المادة وما فوقها…
فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي
بطلان ادعاء اليهود أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس
عند ابن عجيبة في تفسيره لتلك الآية: يقول الحقّ Y: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لبني إسرائيل الذين ادعوا أن الجنة خاصة بهم: ﴿إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: في غيبه، ﴿خَالِصَةً﴾ لكم ﴿مِّن دُونِ﴾ سائر ﴿النَّاسِ﴾، أو من دون المسلمين، ﴿فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ﴾ لتقعوا إليها؛ إذ لا مانع من دخولها إلا بقاء النفس في هذا العالم، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في اختصاصكم بها، فإن العبد إذا تحقق أنه صائر إليها اشتاق إلى الموت الذي يوصل إليها، كما قال عمار رضي الله عنه عند موته:
الآنَ ألاقِي الأحِبَّهْ
مُحَمَّدًا وحِزْبَــــــهْ
وقال حذيفة 0 حين احتضر: “جَاءَ حَبِيبٌ عَلَى فَاقَة، لاَ أَفْلَحَ مَنْ نَدِم”؛
أي: على التمني، أو: على الدنيا.
وقد بيّن الرازي في تفسيره أن الله تعالى احتج على فساد قولهم بقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ﴾ [البقرة: 94].
وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة.
ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور سيدنا محمد o ومنازعته معهم بالجدال والقتال.
ومن كان في النعم القليلة المنغصة، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لا بد وأن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة فإنه لا بد وأن يكون راغبًا في الموت؛ لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت، وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون مطلوبًا، فوجب أن يكون هذا الإنسان راضيًا بالموت متمنيًا له.
فثبت أن الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت.
ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت؛ بل: لن يتمنوه أبدًا، وحينئذ يلزم قطعًا بطلان ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس.
في هذه الآية ميزان صحيح
توزن به الأعمال والأحوال
وفي إشارة لابن عجيبة: في هذه الآية ميزان صحيح توزن به الأعمال والأحوال، ويتميز به المدعون من الأبطال.
فكل عمل يهدمه الموت فهو مدخول…
وكل حال يهزمه الموت فهو معلول…
وكل من فرّ من الموت؛ فهو في دعواه المحبة كذاب…
فمن ادعى الخصوصية على الناس يُختبر بهذه الآية.
أقسام الناس في حب البقاء في الدنيا
والناس في حب البقاء في الدنيا على أربعة أقسام:
– رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لَذَّاته ونيل شهواته، قد طرح أخراه، وأكبَّ على دنياه، واتخذ إلهه هواه، فأصمه ذلك وأعماه، إن ذُكر له الموت فرّ عنه وشرد، وإن وعِظَ أنِف وعَنَدَ، عمره ينقص، وحرصه يزيد، وجسمه يبلى، وأمله جديد، وحتفه قريب، ومطلبه بعيد.
فهذا إن لم تكن له عناية أزلية، وسابقة أولية فيمسك عليه الإيمان، ويختم له بالإسلام؛ وإلا فقد هلك.
– ورجل قد أزيل عن عينه قذاها، وأبصر نفسه وهواها، وزجرها ونهاها، قد شمر ليتلافى ما فات، ونظر فيما هو آت، وتأهب لحلول الممات، والانتقال إلى محلة الأموات، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه، أو يرى طلائعه، وليس يكره الموت لذاته، ولا لأنه هَادِم لَذَّاتِهِ، لكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد، ويكره أن تطوى صحيفة عَمَلِهِ قبل بلوغ أمله، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار.
فهذا ما أفضل حياته؛ وأطيب مماته، لا يدخل تحت قوله o: [مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كره اللَّهُ لِقَاءَه].
– ورجل آخر قد عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وشهد ما شهد من كمال الربوبية، وجمال حضرة الألوهية، فملأت عينه وقلبه، وأطاشت عقله ولبّه، فهو يحن إلى ذلك المشهد، ويستعجل إنجاز ذلك الموعد، قد علم أن الحياة الدنيوية حجابٌ بينه وبين محبوبه، وسترٌ مُسدل بينه وبين مطلوبه.
فهذا من المحبين العشاق، قد حنّ إلى الوصال والتلاق، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، فما أحسن حياته ولقاءه!.
– ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك، وربما زاد على ما هنالك، لكنه فوّض الأمر إلى خالقه، وسلَّم الأمر لبارئه، فلم يرض إلا ما رضي له، ولم يرد إلا ما أريد به، وما اختار إلا ما حكم به فيه، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه، وإن أخذه فهو بغيته ومناه.
فهذا من العارفين المقربين، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه، آمين.
يجب علينا دوام مراقبة الله I
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ﴾ [البقرة: 95]؛ هذه الآية خبر عن الله تعالى، يبين لنا أنه يجب علينا دوام مراقبته بمعنى الاسم العليم، فإنا إذا راقبناه I بمعنى هذا الاسم تحققنا أنه يعلم حركاتنا وسكناتنا ومشيئاتنا، ففررنا مما يغضبه علينا من الأقوال والأعمال والأحوال والهمم واللمم؛ إلى محابه ومراضيه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، إشارة للرُّوح أن تتمثل وسعة علمه سبحانه وحيطته بجميع العالم من المادة وما فوقها.
وقوله: ﴿بِالظَّالِمينَ﴾ المراد بالظالمين هم الذين ظلموا أنفسهم بترك التعقل عن الحق والفهم من العلماء الربانيين الراسخين في العلم؛ إلى الاعتماد على من تنجست نفوسهم بقاذورات المادة، وانطمست بصائرهم عن النظر إلى ما فوقها، ليعملوا لنيل السعادة الباقية حيث الصفاء والبهاء في جوار الأخيار؛ في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
شتان بين مَن حظه شهوة بطنه وفرجه؛ وبين مَن قصده شهود وجه ربه
وفي سياق تفسيره لهذه الآية ضرب الإمام المجدِّد مثلًا يبيِّن لنا حال مَن سجنوا في سجن المادة فلم يروا غيرها؛ فاستعبدتهم من دون الله، ومَن نفذت نفوسهم الطاهرة من أقطار المادة إلى الجمال المطلق في الحياة الرُّوحانية:
كبهيم سائم في غيضة نضرة، لا يهتم إلا بطعام وشراب وملبس، وكل شهوته أن يملأ بطنه من نجم الأرض أو يعلو أنثاه…
وبين حكيم صيغت نفسه من أصفى الجواهر النورانية، له في كل نفَس من أنفاسه مشهد أنس بربه، وإشراف على عجائب قدرته، وغرائب حكمته، فلا تقع عين بصيرته إلا على جليِّ الآيات في تلك المكوَّنات.
وشتان بين مَن حظه: شهوة بطنه وفرجه؛ وبين مَن قصده: شهود وجه ربه.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية