ترى كثيرًا من الناس إذا ذكر لهم الأولياء المتقدمون أقروهم وصدقوهم، وإذا ذكر لهم أولياء أهل زمانهم أنكروهم وجحدوهم، مع كونهم يستنصرون بأهل زمانهم في الجملة، ويستغيثون بأهل النَّوْبَة، فهذه نزعة يهودية، آمنوا ببعض وكفروا ببعض…
فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي
الناس في إثبات الخصوصية ونفيها
في إشارة عند ابن عجيبة: ترى كثيرًا من الناس إذا ذكر لهم الأولياء المتقدمون أقروهم وصدقوهم، وإذا ذكر لهم أولياء أهل زمانهم أنكروهم وجحدوهم، مع كونهم يستنصرون بأهل زمانهم في الجملة، ويستغيثون بأهل النَّوْبَة، فهذه نزعة يهودية، آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
والناس في إثبات الخصوصية ونفيها على ثلاثة أقسام:
قسم أثبتوها للمتقدمين، ونفوها عن المتأخرين، وهم أقبح العوام.
وقسم أقروها قديمًا وحديثًا، وقالوا: إنهم أخفياء في زمانهم، فحرمهم الله بركتهم.
وقوم أقروا الخصوصية في أهل زمانهم، وعرفوهم وظفروا بهم وعظموهم، وهم السعداء الذين أراد الله أن يوصلهم إليه ويقربهم إلى حضرته.
وفي الحِكم: “سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه”، وبالله التوفيق.
اليهود باعوا الحق بالباطل الذي ادَّعوه
قول الله تعالى: )بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ( [البقرة: 90] ذمٌّ بعد ذمٍّ من الله تعالى ليهود بني إسرائيل.
فإن معنى بِئْس: ساء، والمراد هنا والله أعلم: ساء وقبح الشيء الذي باعوا به أنفسهم؛ وهو كفرهم بالله وجحودهم رسول الله o.
وهنا إشارة: وهي أنهم باعوا ما جاء به رسول الله o بالباطل الذي ادعوه، وإنما قال الله: )اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ( أي: باعوا به أنفسهم؛ لأنهم أهلكوها وأوجبوا عليها الخلود في الحطمة، أعاذنا الله.
وإن كان البيع والشراء حصلا في كفرانهم بما جاء به رسول الله o؛ وفي حرصهم على باطلهم عنادًا وطغيانًا.
)بَغْيًا( يعني تعديًا لحدود الله بالظلم والكبرياء مع علمهم اليقيني أن رسول آخر الزمان يكون من ولد إسماعيل بالنص الصريح في التوراة والإنجيل.
وقد أشار الإمام أبو العزائم في تفسيره لهذه الآية إلى مزيد بيان فيما يتصل بذلك أورده في كتابه: “وسائل إظهار الحق”؛ فراجعه إن شئت.
وقد جمع الله تعالى في اليهود معاصي إبليس فمن دونه من أعداء الله تعالى، فإنهم لما بعث رسول الله o من العرب حسدوه وحسدوا العرب أيضًا، وكذبوا كتاب الله في أيديهم، وأنكروا ما كانوا يستفتحون به على المشركين.
وبدلوا صفات رسول الله o في التوراة، وقالوا: إن نبيّ آخر الزمان من ولد إسحاق لا من ولد إسماعيل، وحظروا على الله تعالى أن يتفضل على غير أولاد إسحاق، حاكمين عليه سبحانه بالعجز بغيًا منهم وعنادًا بعد العلم وهو شر الكفر بدليل قوله تعالى: )أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ(، والله تعالى ذو الفضل العظيم، وهو سبحانه يؤتي فضله من يشاء.
فكانوا في كل تلك القبائح والأباطيل شرًّا من كل اليهود الذين كذبوا الرسل وقتلوهم، فكانوا – لعنهم الله تعالى – شر الأشرار جميعًا.
ولتلك الضلالات التي أرداهم الله بها وحفظ العرب منها بعد أن نشروها بينهم أخبرنا الله تعالى عنهم بما هو عدل منه بقوله سبحانه: )فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ(، أي: رجعوا بكفرهم برسول الله o بغضب من الله عظيم على غضب مكرر قبل رسول الله o.
)وَلِلْكَافِرِينَ( منهم – وهم مَن ماتوا على الكفر مِن غير أن يؤمنوا برسول الله o – )عَذَابٌ مُّهِينٌ( أي: آلام شديدة وذل، وذلك العذاب مهين؛ يعني أن ذلك العذاب مهين لهم يذلهم ويخزيهم ويهينهم إهانة يتمنى الواحد منهم أن يكون ترابًا.
وقد بين الشيخ العقاد في تفسيره أن هؤلاء نالهم ذم من حضرة الحق ومن جميع أهل الحق؛ لأنهم باعوا أنفسهم بيعًا أهلكها وأوجب لها عارًا وخزيًا في الدنيا وتاريخًا أسودًا، وكل من اطلع عليه يلعنهم، وأوجب لهم الخلود في شديد العذاب في الآخرة.
وعلة كفرهم: تنزل الفضل الإلهيّ على مَن اختار الله مِن عباده الصادقين، وهو رسول الله o، فإنهم حسدوه على تنزل القرآن عليه وهو أميّ، وهم علماء يدرسون الكتب ويقرأون التاريخ.
وفضل الله لا يتوقف على شيء من ذلك، فإنه مطلق التصرف يقول للشيء كن فيكون.
وقد يمنح الله تعالى بعض عباده الذين لم يدرسوا الكتب والتاريخ مزايا خلقية وأنوارًا قلبية ليبرهن على أنه يختص برحمته من يشاء، فلا يجوز للمتعلم أن يحسده أو ينقص قيمته، فالله هو الوهاب، وقد ابتلى البعض بالبعض، حفظنا الله من الحسد والعدوان.
وقوله: )فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ( يعني: رجعوا بخيبة مكررة وهو غضب الله، والغضب هنا معناه إرادة الانتقام من المخالف والكافر، وأصل الغضب: ثوران النفس لطلب الانتقام من الخصم؛ والله منزه عن ذلك، ولكن المراد به هو لازم الغضب وهو: الانتقام، والغضب الأول وهو عبادتهم للعجل وقتلهم الأنبياء بغير حق، والغضب الثاني تكذيبهم للمسيح ولرسول الله o.
للكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان
يقول ابن عجيبة في إشارة له: اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك طريق الإيمان وأنكر على أهله؛ يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان، وأنكر على أهله.
وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به مَن ترك السلوك لمقام الإحسان، غير أن عذاب أهل الكفر: حسي بدني، وعذاب أهل الحجاب: معنوي قلبي.
فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية: بئسما اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية على قلوب أوليائه بغيًا وحسدًا، أو جهلًا وسوء ظن، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباءوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. “من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرًّا على الكبائر وهو لا يشعر” كما قال الشاذلي 0، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله، وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان، وهما شجرة الذل والهوان.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية