أخبار عاجلة

سيدنا محمد رسول الحرية [2 /2]

يوم أحد أذَّن الزبير في الناس أن النبي حي لم يمت، ووقف يقاتل دون الرسول تحت قيادة الإمام علي بن أبي طالب، وجعل الآخرون من أجسادهم دروعًا لحمايته، واقتحم أبي بن خلف الصفوف على فرسه وطلب أن يبارز الرسول، وكان قديمًا يقول له في مكة: إني أعده لأقتلك من عليه..

الأستاذ صلاح البيلي

يوم أحد أذَّن الزبير في الناس أن النبي حي لم يمت، ووقف يقاتل دون الرسول تحت قيادة الإمام علي بن أبي طالب، وجعل الآخرون من أجسادهم دروعًا لحمايته، واقتحم أبي بن خلف الصفوف على فرسه وطلب أن يبارز الرسول، وكان قديمًا يقول له في مكة: إني أعده لأقتلك من عليه، وكان الرسول يرد عليه: (بل أقتلك أنا بإذن الله)، وطلب أبو عبيدة بن الجراح وعمر والزبير أن يبارزوا أبي بن خلف بدلًا من الرسول فرفض وصمم على أن يبارزه بنفسه على الرغم مما به من جراحات، وبارزه الرسول وبضربة واحدة ألقى به من على ظهر فرسه، فصاح (أبي) في ذعر : (قتلتني)، وانجلت المعركة عن سبعين شهيدًا من المسلمين، من بينهم جثة شقيق حسان بن ثابت، وكان عمر بن الخطاب قد طلب منه أن يهجو هند بنت عتبة بقصيدة فارتجل حسان قصيدة في هجائها.

واقترب الرسول من جثمان حمزة المبقور بطنه، وقد جُدعت أنفه وأذناه ومُثل بجثته، فقال عليه الصلاة والسلام: (لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلًا منهم)، وقال من حوله يواسونه: والله لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، وقال الرسول وهو ينظر لجثة حمزة: (لن أصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا قط أغيظ إليَّ من هذا). وحين رجع إلى المدينة سمع نواح النساء يبكين قتلاهم فقال: (ولكن حمزة لا بواكي له)، فأمر الأنصار نساءهن بأن يبكين حمزة!

إن الرسول كان قد أطلق الأسرى من قريش بعد (بدر)، وها هم عادوا لحربه، ومنهم من وقف خطيبًا عليه يلهب الحماس ضده، وكان عمر قد قال للنبي: اقتل هذا الرجل أو ذاك فلا يقوم أحد عليك خطيبًا، وكان أحد أسرى (بدر) قد وقع أسيرًا في (أحد) فقال له الرسول: (والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدًا مرتين، إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين)، ثم أمر الزبير بن العوام بقتله، ولاذ أسير آخر بعثمان بن عفان فأخذ له الأمان، وأوصى الرسول بالعفو عنه على أن يرحل بعد ثلاثة أيام، وتمر الأيام والرجل مختبئ في المدينة فيأمر الرسول الرجال بقتله.

ويعلق عبد الرحمن الشرقاوي على ذلك بقوله: النوايا الطيبة لا يجب أن تفتح بيتك أمام اللصوص، وينبغي أن تكون فضائلك هي الأسوار المنيعة التي تحميك لا نقاط الضعف فيك. فالشرير دائمًا يتسول الحماية في ظل الفضيلة عندما يعجز عن قهر القيم الفاضلة.

وبعد أن ضمد الرسول جراح أصحابه، ونزل في الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون وليسوا بقتلى، ونزل الأمر الإلهي بتحريم الخمر ولحم الخنزير، وبذلك تراجعت القيمة الاقتصادية لبني النضير، يهود المدينة الذين كانوا يتاجرون في الخمر ويقدمون بناتهم للمتعة الحرام بمقابل مالي، وبعد أن زوج الرسول كل نساء الشهداء بقيت (هند بنت أمية) المعروفة بـ (أم سلمة) رفضت الزواج، وممن رفضته أبو بكر وعمر، وقبلت الرسول، وكانت حكيمة جميلة، ومنع اليهود الماء عن المسلمين فاشترى عثمان بئر اليهودي بثلاثة أضعاف ثمنها، واشترى نصفها فقط ووهبها مجانًا للمسلمين، فاضطر اليهودي لبيع النصف الآخر بأبخس ثمن.

وحين قتل المسلمون اثنين من عرب نجد، وأراد الرسول دفع دية القتيلين ذهب ومعه أبو بكر وعمر إلى يهود بني النضير لطلب المال بحسب المعاهدة بينهما، فقالوا: (نعم)، ثم احتالوا لقتل الرسول وصاحبيه من أعلى حصونهم، فزحف الرسول إليهم بالجيش وحاصر حصونهم وقطع النحيل وأحرقه؛ حتى خرجوا بنسائهم وأطفالهم وهربوا من المدينة كما هرب يهود بني قينقاع من قبل، وغنم المسلمون حصونهم ودورهم.

ثم وجد الرسول في غزو بني المصطلق أبلغ رد على (أحد) وقريش؛ لأنهم كانوا حلفاء قريش، فانطلق الرسول بالجيش وهزموا بني المصطلق وأسروا منهم مائتين ومنهم (برة بنت الحارث) ابنة زعيم بني المصطلق، فوقعت في أسر مسلم فقير فكاتبها على أن تفدي نفسها، ولم يكن معها مال فذهبت تشكو إلى الرسول، فقال لها: (هل لك في خير من ذلك؟)، فقالت: ما هو؟ قال J: (أقض عنك كتابك وأتزوجك)، قالت: نعم، قال: قد فعلت. فدفع عنها ما كاتبها عليه آسرها الفقير، ودعاها إلى الإسلام وتزوجها، فأسلم أبوها الحارث ومعظم الأسرى، ووجدوا في نسب الرسول شرفًا لهم.

وأوقع عبد الله بن أبي بين الأنصار الحقد بسبب تقسيم غنائم بني المصطلق، وواجهه الرسول وتحداه وانفض عنه داعموه وتخاذل وأنكر ما قاله، وهم ولده بقتله ولكن الرسول قال له: (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا)، وكلما أراد عمر قتله لنفاقه كان الرسول يقول له: (وتتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه)! ومع ذلك أثار عبد الله بن أبي قصة حادثة (الإفك) وأشاع بين الناس أن عائشة وصفوان تأخرا عن الركب لعلة الخيانة، ولزمت عائشة بيت أبيها باكية، وردد (مسطح) ربيب أبي بكر نفس القول، ونزل قرآن من السماء لتبرئة السيدة عائشة والرسول يتلوه على الناس: )إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (النور: 11 – 19).

وبكت عائشة 1 من الفرح وأخذت تقول: (والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى.. لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر)، وندم أهل الفتنة، ووضع حسان بن ثابت قصيدة في فضائل عائشة، وأمر الرسول الناس بالتوقف عن الكلام فقد عفا عمن أشاع ذلك، وطالبهم بالاستعداد للأحزاب التي تستعد بالزحف على المدينة للقضاء على الدعوة في ضربة واحدة.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (36)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …