الحكمة الثامنة والسبعون بعد المائة
الأوْطانُ خمْسَةٌ: وطنُ (ألسْتُ برَبِّكُم)، ووطنُ بطنِ أمّكَ، ووطـنُ الـدنـيـا، ووطـنُ البَرزَخِ، ووطـنُ الدارِ الآخرةِ، مـا تــركَ من الجهَالة شيئًا من سَألَ اللهَ أن يَنال شيْئًا يخُصُّ وطنًا خِلافَ المَوْجود فيه.
الأستاذ سميح محمود قنديل
يبين الإمام رضي الله عنه فى هذه الحكمة، أن الأوطان التى يعيش فيها الإنسان وطنًا بعد آخر من البداية إلى النهاية، هى خمسة أوطان، مؤكدًا أن على العبد أن يرضى بما أقامه الله فيه؛ حتى يدخله بفضله حضرة تجليه، وعليه أن لا يسأل الله أن ينال شيئًا يخص وطنًا خلاف الموجود فيه، ثم يبين بالتفصيل حقائق هذه الأوطان، ونقدمها باختصار شديد.
وطن (ألسْتُ برَبِّكُم)
أولًا: وطن (ألسْتُ برَبِّكُم) يمثل بداية النشأة الروحانية للإنسان، وهو أول أوطان الحقيقة الإنسانية، حيث واثق الله فيه بني آدم من أولهم إلى آخرهم، وقد أشار الله سبحانه إلى هذا اليوم فى قوله: )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا(، فقضى سبحانه بسابق علمه فيهم، وقال لهم: )أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ* أو تقولوا إنمَا أشْرَك آباؤنَا من قبْل وكنَّا ذريَّةً من بعْدِهم أفتُهلكُنَا بما فعَل المُبْطِلون(، فأشهد اللهُ الذرية جمعاء جمال وجهه، وأسمعهم لذيذ خطابه؛ ولما قال سبحانه: )أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ(، أقرت الحقائق الروحانية بربوبيته، وقالوا: )بَلَى شَهِدْنَا(، قالوها جميعًا، فأهل الجنة الذين سبقت لهم الحسنى من رب العالمين قالوا: )بَلَى( طوعًا، لصفاء جواهرهم، أما الآخرون فقد قالوا: )بَلَى( كرهًا، وقد بيَّن الله ذلك بقوله: )وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(، فأهل السعادة يسجدون لله عن حب ونور قلبي وصفاء روحي، أما غيرهم فقالوها كرهًا؛ لأن حقائقهم بعيدة عن نور الإيمان وحقائق الإحسان، ولولا عناية الله بأهل الإيمان ما قالوها طوعًا.
وطن بطن الأم
ثانيًا: وطن بطن الأم: وهو يمثل بداية النشأة الكونية للإنسان، وهو وطن: (التصوير) كما يعرفه الإمام، 0 نسبة إلى قوله تعالى: )هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ( لآب عمران: 6)، وهو أيضًا وطن التشريف بالنسبة للإنسان، فقد سخر له جسم الأم ليصله غذاؤه بلا كد ولا تعب؛ ويرى الإمام 0 أنه كما أن للإنسان في البدء أطوارًا سبعة، فإن له أيضًا في الختم أطوارًا سبعة، يقول عنها: أطوار الإنسان السبعة ختمًا: كان الإنسان طينًا، ثم كان نطفة، ثم كان علقةً، فمضغةً، فعظامًا، فكُسيت العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر: )فتبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخَالِقين(.
الوطن الأوسط: الدنيا
ثالثًا: وطن الدنيا: هو الوطن الثالث الذي يتوسط أوطان الإنسان، فأهل الإيمان يعلمون يقينًا أن وطن الدنيا ليس هو الوطن الأول، وليس هو الأخير، وأن الرُجعى إلى الله والمنتهى إليه سبحانه، وأن مرحلة الدنيا هي المرحلة الوسطى، وعلى قدر ما يُوفَّق فيها العبد لصالح العمل وعمل الصالح – بمفهومه الواسع – تكن منزلته عند ربه في المراحل التي تليها، وهي مع قصرها إلا أن المستقبل اللانهائي يتوقف عليها، وهي المرحلة التي بعث الله تعالى فيها أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
والدنيا بالنسبة للإنسان: هي مدة بقاء النفس في الجسد، إلى وقت افتراقها الذى يسمى: الموت، وتبدأ مرحلة الدنيا بالنسبة للإنسان من لحظة خروجه من رحم أمه، حيث يخرج كما وصفه القرآن: )واللهُ أخْرَجَكُم من بطُونِ أمهَاتِكُم لا تعْلمُون شيْئًا(، ثم أعطاه الله بعد إخراجه وسائل المعرفة الحسية والمعنوية، فقال تعالى: )وجعَلَ لكُم السَّمْعَ والأبْصَارَ والأفئِدَة لعَلكُم تشْكُرُون(، فإذا خرج الطفل من بطن أمه نجده يستقبل الدنيا صارخًا باكيًا، وصحيح أن للبكاء فوائد صحية بمجرد الولادة، ولكنه يلفتنا إلى معنى آخر، أن حقيقة الإنسان تعلم أنها خرجت من وطن الراحة والتشريف: (الرحم)، إلى وطن الشقاء والتكليف: (الدنيا)، فينفعل الإنسان باكيًا، مع أن من حوله يفرحون، وعلى العكس من ذلك فى لحظات النهاية، نجد من حوله يبكون ويتلقون التعازي، أما حقيقته الروحانية فتكون فرحة مستبشرة بلقاء الله.
ويسمى الإمام 0 وطن الدنيا: وطن التكليف، أى: افعل ولا تفعل، ولأن الإنسان أتى إلى الدنيا لا يعلم عنها شيئًا، لذلك أوجد له فترة زمنية محددة حتى يتأهل فيها للدنيا ولمرحلة اكتمال عقله، فلا يكلف الشرع طفلًا ولا صبيًّا، فيوجهنا النبي o إلي تدريب الصبيان على الصلاة للتعود عليها وعلى ارتياد المساجد، كما فى قوله o: (علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر)، والتكليف الحقيقي الذي يُثابُ المرء فيه ويعاقب لا يكون إلا عند بلوغ الحُلم، والتكليف لا يقصد به مجرد الطقوس التعبدية المعروفة فقط، ولكن التكليف يشمل جوانب العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والأخلاق.
ويرى الإمام 0 أن حياة الإنسان فى وطن الدنيا تأخذ أشكالًا أربعة:
أ- الحياة الإبليسية: هي التي تظهر في الهمم والإرادات، فإذا ظهرت في إنسان فاجتنبه، وإن أثَّرت همته وإرادته في العالم، فإن الله تعالي قد يستدرج من يشاء بما يشاء، وقد ينطق بالحكمة ذو الحياة الإبليسية؛ لأنه يستمد من سافلين النأي، قال تعالى: )لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ( [الطلاق: 7]، فلا تغتر به.
ب- الحياة الجسمانية: هى التي تظهر بالحظ والشهوة، وإذا ظهرت الحياة الجسمانية في الإنسان، فلا تعبأ بحسناته، قال تعالى: )وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا( [الفرقان: 23].
ج- الحياة الروحانية: تظهر بالحال والمقال، فمتى قامت الحجة على أن الإنسان في حياة روحانية فلا تؤاخذه بسيئاته، قال تعالى: )أولئِك الذين نتقبَّل عَنْهم أحْسَن ما عَملوا ونتجَاوَز عن سَيئاتِهم في أصْحَاب الجَنة وعْدَ الصِّدق الذي كَانُوا يَوعَدُون(.
د- الحياة القدسية: تظهر بالإشارات في أخفى الخفا من أنوار مجلى الذات، ومتى شهدت في رجل تلك الحياة فصَفِّ له قلبك، وأمسك عنه لسانك، وإن أنكرت أحواله وأعماله بحسب مقامك، وإن لم تستطع أن تسلم له فاجتنبه، فإن من حُرم الذوق والتسليم ربما وقع في الاعتراض، فأصبح غير راض عن الله، ومن حُرم الرضا عن الله حُرم النفع بما حصَّل.
وطن البرزخ ووطن الدار الآخرة
رابعًا: وطن البرزخ: البرزخ هو: ما بين الدنيا والآخرة، من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ، ووطن البرزخ كما يصفه الإمام 0 هو وطن الانتقال، وهو يعنى انتقال الإنسان إلى عالم البرزخ الذى هو أول منزل من منازل الآخرة، وهو المرحلة بين عالمي الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: )وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(، والبرزخ الذي تعنيه هذه الآية الشريفة، ليس انتقال الأبدان إلى القبر الذي هو وعاء للأبدان، فقد لا يدفن فيه البدن، فقد يُحرق البدن أو يَغرق، ولكن يقصد به انتقال حقيقة الإنسان (الحقيقة الروحانية) التي هو بها إنسان، لتكون في العالم البرزخي، والعالم البرزخي هو عالم كعالم الأرحام وعالم الدنيا، له قوانينه التي تحكمه، وتحيا فيه حقيقة الإنسان حياة من نوع خاص، لها مقتضيات معينة، وتبدأ هذه الحياة بمجرد الموت.
خامسًا: وطن الدار الآخرة: وهو كما يسميه الإمام 0: وطن الجزاء، أو: النشأة الثانية، ثم يقرب الحقائق للعقول: مبينًا أن العقول تستمد معلوماتها من الحواس، والحواس لا تدرك ما وراء الجدار، فكيف تدرك الغيب المصون؟، ولكن العلماء الربانيين قربوا الحقائق للعقول بالأمثلة المحسوسة، فالإنسان فى بطن أمه بعد أن نُفخت فيه الروح، وصار يحس ويتحرك، لو وُهبت له قوة الإدراك، وأُخبر عن الدنيا وأحوالها، هل كان يصدق بما فى الدنيا من أرض وسماء، وهواء وبحار وأفلاك، وحروب وخصومات؟.
الجواب: لا يصدق؛ لأنه يرى من المستحيل وجود مكان غير ما هو فيه، ولكن إنكاره لتلك الحقائق لا يجعلها مفقودة، وتسليمه بها لا يجعله يستحضرها إلا إذا كانت مشهودة.
ثم يؤكد الإمام 0 على وجوب الاعتقاد فى الإعادة، يعنى إعادة الأجسام مرة أخرى للبعث، موضحًا الأدلة النقلية والعقلية على ذلك، ويرد على من أنكر البعث بالروح والجسد، ويشرح كيفية البعث كما وردت فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأقوال الأئمة 4، مع بيان لأقسام الناس يوم القيامة.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية