أخبار عاجلة

حكمة الإسراء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين

سماحة مولانا الإمام المجدد حجة الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم – قدس الله سِرَّكُمْ، ونفعنا الله بكم، وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع – مع هلال شهر رجب الفرد يكثر الحديث عن الإسراء؛ حتى أصبحت الرواية مكررة، ولمَّا كانت الحكمة هى ضالة المؤمن أنَّى وجدها التقطها، فنرجو من سماحتكم أن تكشف لنا عن حكمة الإسراء بالنسبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبالنسبة للمسلمين؛ حتى ننتفع بهذا الخير الكثير...

فأجاب سماحته قائلاً:

أولاً: حكمة الإسراء بالنسبة لسيدنا رسول الله o:

يا بنى: معلوم أن الله تعالى خلق الإنسان لاستعمار الأرض، ولعبادته Y، وللخلافة عنه سبحانه – ولما كانت تلك الحكم الثلاث تقتضى أن يكون الإنسان بفطرته مؤهلًا لأرقى درجات الكمال، عنايةً من الله تعالى به، وفضلًا منه سبحانه، أو مُعَدًّا للدرك الأسفل من النار بحسب ميوله عدلًا من الله تعالى.

والمؤهلون لأعلى الدرجات أبرار ومقربون، والمقربون يتفاضلون عند الله تعالى بحسب القرب منه Y – فأرفعهم وأعلاهم من جمَّله الله تعالى بصفاته العليَّة من الرحمة والرأفة والصبر والشكر والإحسان والولاية والعناية والحفظ وغيرها، من باقى صفاته Y؛ حتى يحصل التقرب إليه سبحانه بما هو منه Y، وإذا تفضل الله بتلك الصفات على عبدٍ جمعه عليه وجمع به عباده وخصَّه – تقدست ذاته – بصفاته العليَّة من العلم والبيان والحكمة والهداية والإكرام والعزة، وبقدر ما تفضل الله به عليه من تلك المعانى يكون قربه من الله تعالى، واتصاله به I؛ حتى يجمِّلَه بالقوة على تحمل مواجهته سبحانه والتلقى منه، وشهود ما لا تقوى الملائكة على شهوده، فضلًا عن بنى الإنسان، وأكمل الناس فى هذا المقام العلىِّ أولو العزم من الرسل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم، ثم يليهم الأنبياء، فورثة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ثم الأمثل فالأمثل.

خصوصية الرسول o:

لمَّا كانت تلك الكمالات مع تفاوتها لها نهايات هى غايتها، وتلك النهاية هى غاية الفضل العظيم من الله تعالى، وهى المنزلة العليا والخصوصية الكبرى التى يختص الله بها فردًا واحدًا هو خير عباده لديه وأعزهم عليه وأقربهم منه، يقيمه الله تعالى مقامه، يفتتح به سبحانه الإيجاد فيكون أول مخلوق، ويختتم به معانى الكمال والجمال والجلال؛ حتى يبين سبحانه به o ما يحبه ويرضاه، عقيدةً وقولًا، وعبادةً وأخلاقًا، ومعاملات وأحوالًا، ويحفظ ما تفضل به عليه باقيًا بقاءً لذكره، محفوظًا بمن اجتباهم من أوليائه حفظًا لكرامته o، ودلالةً على أنه الفاتح الخاتم، وهذا الإنسان المخصوص بهذا الفضل العظيم الممنوح كل تلك الكمالات التى تفرَّد بها دون غيره من العوالم الروحانية والملكوتية والمُلْكِيَّةِ هو سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وآله الكرام، وأصحابه الأخيار وورثته الأطهار.

ولتلك المعانى اقتضت الحكمة الإلهية أن يشهده الله ما له عنده I، ليعلم حق اليقين منزلته من الله تعالى، فضلًا من الله افتتحه به من غير سؤال، وطلبه إليه من غير طلب منه o كما حصل من أولى العزم من الرسل غيره؛ فإن نوحًا A سأل الله فلم يجبه، قال: )إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ( (هود: 45 )، والخليل A سأل الله تعالى أن يريَه كيف يحيى الموتى فقال سبحانه: )أَوَلَمْ تُؤْمِن( (البقرة: 260 )، والكليم صلوات الله وسلامه عليه سأل الله تعالى قائلًا: )رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ( (الأعراف: 143)، فلم يجبه سبحانه، وداود A سأل الله مقامًا فوق الخلافة فلم يجبه، وقال: )إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأَرْضِ( (ص: 26 )، وعيسى A سأل ربَّه المائدة لتطمئن قلوب أصحابه فأجاب سبحانه مشددًا عليه بقوله Y: )فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّى أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ( (المائدة: 115).

منزلة الرسول o  بين الرسل:

وهذا الفرد المراد لذات الله سبحانه، الحبيب المصطفى لله تعالى، افتتحه I بأكمل من تلك الكمالات وأعلى منها، فتفضل سبحانه عليه بما لم يتفضل به على أحد من أولى العزم إعلامًا منه بمنزلته لديه Y، ودليلًا على أنه حبيب الله تعالى الذى أقامه مقامًا لم يقمْ فيه أحدًا من أولى العزم، ولمَّا كانت عناية الله به o تقتضى أن تكون تلك الكمالات بقدرته I، ومتى تعلقت القدرة بكائن أبرزته مهما كان، فسجدت العقول تسليمًا، وخشعت القلوب تصديقًا، وابتهجت الأرواح أنسًا، ومن أين للعقل أن يبحث عن حقيقةٍ أبرزتها القدرة الإلهية؟ اللهمَّ إلا إذا أكرم من سبقت لهم منه الحسنى بشميم هذا العبير أو بذوق هذا الطهور.

ثانيًا: حكمة الإسراء بالنسبة للمسلمين:

بيَّنت لك حكمة الإسراء بالنسبة لرسول الله o، وله حِكَمٌ أخرى تتعلق بنا، وهى أن كل مسلمٍ مطالبٌ بالسفر إلى الحق Y، وهذا السفر يسمى سلوكًا أو طريقًا اصطلاحًا.

والمسافر إلى الله تعالى يفارق فِطَرَهُ المهملة ومقتضيات بشريته، كالحسد والطمع والحرص وغيرها مما هو مُبْعِدٌ عن الله تعالى، موبقٌ فى نار جهنم إن لم يفارقْها السالك باستبدالها بأضدادها من محابِّ الله ومراضيه، وتلك المفارقة لا تتسنَّى للسالك بمجرد العلم بضرر تلك العوائد المذمومة شرعًا؛ فإنَّ أكثر الذين يعلمون قبحها يرتكبونها، فترى علماء الدنيا يحرصون على جمع المال وادخاره، ويسارعون إلى الأمراء والأغنياء ولو كانوا كفارًا، وهم يعلمون أن تلك الأعمال تغضب الله تعالى ولا يبالون.

لذلك كان لا بد للسالك من نورٍ يجعله الله تعالى له تستبين به تلك الرذائـل استبانـةً تجعل القلب ينقبض منها، قال تعالى: )كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ( (التكاثر: 5- 6)، وقال تعالى: )وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ( (الحديد: 4 )، فمن جعل الله له نورًا يبلغ به اليقيـن يرى الجحيم جليَّةً عندما يهمُّ بعملٍ يوجبها شرعًا، فينفر لاتِّضَاح برهان ربه.

وبيان رسول الله o لتلك الأشياء الموجبة لغضب الله تعالى إنما هو بيانٌ عن شهود عيان، وهذا البيان يحصل للسالكين إلى الله تعالى، إمَّا بإلهام، أو بعناية من الله تعالى تمنعه عن عمل تلك المنكرات، أو بتذكير وعد الله ووعيده قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ( (الأعراف: 201 )، أو برعاية معيَّة الله للعبد، وسالك فى طريق الله تعالى لم تنكشف له شناعة وبشاعة تلك المنكرات يجب عليه أن يتوب من دعوى السلوك، وإنَّ السالك على طريق يفارق فى كل نفسٍ بعض آثار الطريق ومعالمه، وكذلك السالك يفارق فى كل نفس بعض عوائده ومألوفاته؛ حتى يخرج من أسوار حظوظه وآماله، ومن نظر إلى تلك المثل التى بيَّنها رسول الله o: عن الزنا، وأكل الربا، ومال اليتيم، وعن الداعى إلى الفتنة، والمُرَائى وغيرهم بغير العِبْرَةِ والفِكْرَةِ حُرِمَ ذوق حِكْمَةِ الإسراء، والله يمنحنا عين العبرة، ولسان الحكمة، وصمت الفكرة.. آمين.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (36)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …