أخبار عاجلة

بين الخلوة والبعد المعنوي

ولا تعجب؛ فإن موسى السامري رأى بعيني رأسه ما منَّ الله به على بني إسرائيل تأييدًا لسيدنا موسى A من المعجزات الباهرات، أقربها مثولًا أمام أبصارهم: فلق البحر، ومع ذلك لم تغير عقيدتهم في عبادة العجل…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

المُوَاعَدَة.. والوَعْد

في قول الله تعالى: )وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(، (البقرة: 51)؛ قرئ: (وَاعَدْناَ) وفي رواية: (وَعَدْنَا) وهما روايتان ورادتان.

إلا أن من يقرأ (وَاعَدْناَ) يرجحها؛ لأن الوعد من أحد الطرفين يقتضي الوعد من الآخر، وذلك لأن الله تعالى وعد موسى A أن يتم أربعين ليلة عاكفًا عليه سبحانه، – قيل إنها: ذو القعدة وعشر ذي الحجة يصومها بأيامها متواصلة – ليتفضل عليه بما كان سأله من كتاب ينزله يكون فيه هدى ونور لبني إسرائيل، وموسى A وعد ربه الوفاء بما كلفه به، فكان الوعد بينهما، ومتى كان الوعد بين اثنين اقتضى أن يكون اللفظ المخبَر به (وَاعَدْناَ) ليفيد أن الوعد بينهما.

ومن رجح (وَعَدْنَا) فَهِم أن الخلق لا يعدون الله وعدًا؛ لأنه هو العلي العظيم، والذي يعد هو الله تعالى.

والذي تفيده الآية الوعد أربعين ليلة، وما ورد من أنه وعده ثلاثين ليلة وأتمها سبحانه بعشر لا يمنع من أن مراد الله كان أربعين.

الخلوة سبب في حضور الرُّوح وصفاء النفس

ومن إشارة للشيخ العقاد حال تفسيره لهذه الآية الكريمة: نعلم أن الحق تعالى معنا في الخلوة والجلوة، ولكن الخلوة والبعد عن الخلق سبب في حضور الروح وصفاء النفس وإقبال العبد على سيده، ومن هنا أخذ الصوفية الخلوة والرياضة والبعد عن الخلق ليتأهلوا للأنس بمولاهم، وإنما كان الوعد أربعين ليلة؛ لأن العبد فيه حجب تزول عنه قد عدَّها العارفون بأنها أربعون حجابًا، كل ليلة ترفع حجابًا عن الرُّوح.

الأولياء ينفردون إلى مولاهم مؤانسة ومناجاة

قال تعالى: )وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً(، (مُوسَى) معناه في اللغة المصرية القديمة: ماء وشجر؛ باسم الموضع الذي التُقط منه؛ لأن أمه وضعته في صندوق وألقته في اليم، فأخذه اليم؛ حتى دخل به حدائق بيت فرعون فأسرع الخادمات وانتشلنه، فلما رأته امرأة فرعون – وكانوا يذبحون الأطفال – قالت: )قُرَّتُ عَيْن لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا( (القصص: 9)؛ وحنت عليه.

قوله تعالى: )أَرْبَعِينَ لَيْلَةً( يعنى بذلك جل ثناؤه انقضاء أربعين ليلة، فأسرع موسى بالخروج إلى ربه في أول ليلة من شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين ليلة خرج قبل غروب الشمس ووقف للمناجاة، فعتب عليه ربه كما سيأتي بعد، وأمره بتمام الأربعين.

ومن إشارة لابن عجيبة: ما زالت الأشياخ والأولياء الأقدمون ينتحلون طريق سيدنا موسى A في استعمال هذه الأربعين، ينفردون فيها إلى مولاهم مؤانسة ومناجاة…

العقيدة إذا تمكنت كانت كالنقش على الحجر

قال تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: )ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ( – أي: اتخذتموه إلهًا -، يخبرنا ربنا جل جلاله أن بني إسرائيل اتخذوا العجل بعد خروج موسى عليه السلام لمناجاة ربه.

وتفصيل هذا المجمل – كما بيَّنه الإمام أبو العزائم في هذا السياق من تفسيره: “أسرار القرآن” – أن موسى السامري كان من قوم يعبدون العجل، والعقيدة إذا تمكنت كانت كالنقش على الحجر، كما نرى في عصرنا هذا كثيرًا من الناس يعتقدون في المـُشَعْبِذين الذين يخالفون ظاهر الشرع وباطنه مخالفة محسوسة، ومع ذلك يتعصبون له فيبذلون أموالهم وأعراضهم في سبيله من تأثير العقيدة، مع وضوح الحق جليًّا.

ولا تعجب؛ فإن موسى السامري رأى بعيني رأسه ما منَّ الله به على بني إسرائيل تأييدًا لسيدنا موسى A من المعجزات الباهرات، أقربها مثولًا أمام أبصارهم: فلق البحر، ومع ذلك لم تغير عقيدتهم في عبادة العجل.

فلما خرج موسى إلى ربه وفاء للموعد، كان بنو إسرائيل قد سلبوا حلي نساء الأقباط؛ لأنهم كانوا خدمًا في بيوتهن، فلما علم هارون A بالحلي في غياب موسى A قال: هذا لا يحل لكم، فأحرِقوه بالنار، فسمعوا وأطاعوا ووضعوا الحلي في النار.

فجاء موسى السامري وفي يده شيء من أثر الرسول – يعني جبريل A -، واستأذن هارونَ A في أن يضعه في النار، فظن أن الذي في يده حليًّا فأمره بوضعه، وكان الذي في يده – كما قال بعض الرواة – ترابًا من تحت حافر فرس جبريل A الذي كان يركبه ليغري فرعون بالنزول في البحر هو وقومه ليدرك بني إسرائيل في البحر، وكان موسى السامري آخر من نزل من بني إسرائيل في البحر، فعرفه؛ لأنه كان يربيه في الغابة التي وضعته أمه فيها بعد ولادته خوفًا عليه من القتل، فكان جبريل A يأتي إليه فيضع أصابعه في فمه يغذوه، وهذا التأويل ممكن.

ومن تفسير الطبري عن ابن عباس 5 أنه ألقي في رُوع السامري: إنك لا تلقيها على شيء فتقول: “كن كذا وكذا” إلا كان، فلم تزل القبضة معه في يده؛ حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر وأغرق الله آل فرعون؛ قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح، ومضى موسى لموعد ربه، فلما جمعوا الحلي لإلقائه في النار؛ قذف السامري بالقبضة التي كانت في يده وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار، فصار عجلًا جسدًا له خوار، وكان تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه ويُسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون ما أنبأ الله تعالى به: )يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى( (طه:90 -91).

تأثيرات النفوس عجيبة، وأعجب منها تأثيرات الأرواح

والإمام أبو العزائم في تفسيره يبين أنه جائز أن تكون القبضة التي قبضها من أثر الرسول شيئًا من علوم النفس التي لها التأثير على الكائنات؛ وللنفوس تأثير بحسب استعدادها، فاستعمل ما علمه في جعل الحلي عجلًا، يؤيد ذلك قوله تعالى مخبرًا عن موسى السامري: )وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي( (طه: 96)، وتأثيرات النفوس في عالم المادة عجيبة جدًّا.

وأعجب منها تأثيرات الأرواح، فإن أرواح المرتاضين في حصون الشريعة لها إطلاق التصريف في العالم السفلي والعلوي، وأمر النفوس وتأثيراتها فوق دائرة اختصاص العقل، وعجائب القدرة أسجدت العقول بعد الحيرة.

فرق بين الكرامة وبين ما يفعله الكهنة

ونحن لا ننكر الكرامة بل نثبتها – كما يبيّن الإمام أبو العزائم -؛ ولكنا لا نعتبرها كرامة إلا إذا صدرت من تقيٍّ عارف بالله تعالى أطاع الله سبحانه واستجاب له جلت ذاته وتقدست؛ فاستجاب الله له كما قال تعالى: )وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ( (الشورى: 26)، أي: يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالذين منصوب على نزع الخافض.

وهنا شرط آخر؛ وهو أن التقي العارف بالله إذا أظهره الله بالكرامة التي تحصل على يديه لا يزداد بها إلا أدبًا للشريعة المطهرة، وخضوعًا لله على ترب العبودية، أما من يجعل خوارق العادات سببًا في استعباد الخلق أو للطمع في أموالهم فذلك شيطان يتجمل للخلق جهلًا بالحق.

أما خوارق العادات التي تحصل بتأثير النفوس على أيدي المـُشَعْبِذين والكهنة، أو بسبب الخلط والمزج والتركيب لبعض العقاقير بعد علم خواصها؛ فاستدراج من الله تعالى؛ لأن الله لا يعطي ما عنده إلا لمن أطاعه.

لفظة (ثُمَّ) أفادت معنى البُعْد المعنويّ

قال تعالى: )ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(، ومعنى (ثُمَّ) هنا أفادت بُعد القلوب عن مطالعة الغيوب، ولم تفد بُعد الزمان، و(ثُمَّ) كما تفيد بُعد الزمان وبُعد المكان قد تفيد بُعد القلوب في مثل هذا الموضع، وبُعد القلوب أشد نكاية في القطيعة من بُعد الزمان والمكان.

(مِن بَعْدِهِ) أي: من بعد خروجه مهاجرًا إلى الله تعالى وفاء لموعده.

)وَأَنتُمْ ظَالِمُون( أي: ظالمون لأنفسكم بعبادة العجل بعد قيام الحجة ووضوح المحجة، والظلم هو الشرك بالله تعالى، ولا يخطر ببال أحد أنهم ظلموا ربهم بعبادة العجل؛ لأن الله تعالى عليٌّ عظيم عن أن يُظلم أو يَظلم، وإنما الظلم وقع منهم على أنفسهم.

وقيل: أصل كل ظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا العبادة في غير موضعها فعبدوا غير الله تعالى، والعبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل.

أما في قوله تعالى: )ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (البقرة: 52) فإن لفظة: (ثُمَّ)؛ هنا تفيد أن الزمن القصير الذي عبدوا فيه العجل أبعدهم بعدًا معنويًّا عن الله تعالى شاسعًا؛ حتى كأنهم وقعوا في هاوية الهلكة؛ ومن هذا البعد السحيق انتشلتهم العناية، مع أن المسافة الزمنية لم تتجاوز بضعًا وثلاثين يومًا تقريبًا.

في العفو والشكر

والعفو هو التفضل على المذنبين بترك العقوبة مع بقاء الخطايا معلومة لله تعالى، فإن الحقائق لا تتغير، فلا تكون المعصية طاعة؛ وإنما يعفو الله عن العبد بترك مؤاخذته بالذنب، يقال: عفت الريح آثار الأقدام، أي: أزالت آثارها.

وقد يتفضل سبحانه فيُنْسِي العبد ذنوبه ويُنْسِي الحفظة ويُنْسِي الجوارح والمعالم التي وقعت فيها الذنوب؛ حتى يقف العبد أمام ربه وليس عليه شاهد بذنب، قال J: (إذَا تابَ العبدُ أنْسَى اللهُ الحفظةَ ذنوبَه وأنْسَى ذلكَ جوارحَه ومعالِمَه مِن الأرضِ؛ حَتَّى يلقى اللهَ وليسَ عليهِ شاهدٌ مِنَ اللهِ بذنبٍ) “ابن عساكر عن أنس”.

وقوله تعالى: )ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ( أي: من بعد رجوعهم في الكفر بالله تعالى.

أما قوله تعالى: )لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( أي: لتشكروا؛ لأن الترجي والتمني مستحيلان على الله تعالى، فإن الترجي والتمني عمل مَن يجهل الغيب المستقبل، والله تنزه وتعالى بكل شيء عليم.

يقول الشيخ العقاد: فكأنه يقول لهم: وقعتم في أعظم الجرائم فمحونا ذنبكم لعلكم تشكرون مولاكم على هذا العطاء الجزيل والفضل الكبير.

والشكر بالقلب: أن تتصور نعم الله عليك فلا تنساها، وباللسان: أن تلهج بالثناء على مولاك وتنشر جميله بين عباده، وبالجوارح: أن تقوم بخدمته وتبذل كل ما تستطيع في مرضاته.

ومن أراد دوام النعمة فليشكر المنعم، وما زالت نعمة إلا بترك الشكر، قال تعالى: )لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ( (إبراهيم: 7)، والشكر عند العارفين أن تشهد المعطي عند العطية؛ ولا تحجب بالنعمة عن المــُنْعِم.

وقد بيَّن الإمام أبو العزائم أن الشكر في الحقيقة عمل: فشكر القلب: عقده على التوحيد؛ وتقلبه بالفكر في آلاء الله تعالى؛ وتصريف النوايا في محاب الله ومراضيه، وشكر الجوارح: قيامها بالعمل في طاعة الله تعالى، قال تعالى: )اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ( (سبأ: 13)؛ أي: القائم بقلبه وجوارحه موجهًا وجهه إلى الله تعالى بكله.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …