أخبار عاجلة

شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم (180)

 الحكمة الثمانون بعد المائة

إن لله جَمالاً عجزت الألسُنُ عن أن تترجمَ عنه، فترْجمَت عنه الألحَانُ والأغَاني.

الأستاذ سميح محمود قنديل

بداية هذه فتوى دار الافتاء ردًّا على سؤال: ما حكمُ الاستماعِ إلى الموسيقى؟، وما هو الحلالُ والحرامُ منها؟، وما حكم الغناءِ وما ضوابطه؟، وما حُكمُ الاستماعِ إلى الأناشيد الإسلامية سواء أكانت بِدُفٍّ أم لا؟، فكان الجواب كالآتي: الأغاني والموسيقى منها ما هو مباحٌ سماعُه، ومنها ما هو محرمٌ؛ وذلك لأن الغناء كلامٌ: حَسَنُه حَسَنٌ وقبيحُه قبيحٌ، فالموسيقى والغناء المباح: ما كان دينيًّا أو وطنيًّا، أو كان إظهارًا للسرورِ والفرحِ في الأعيادِ والمناسبات، مع مراعاة عدم اختلاط الرجال بالنساءِ، وأن تكون الأغاني خاليةً من الفُحش والفجور، وألا تشتمل على محرمٍ كالخمرِ والخلاعةِ، وألا يكون مُحرِّكًا للغرائز أو مثيرًا للشهوات، وأن تكون المعاني التي يتضمنها الغناء عفيفةً وشريفةً.

أما الموسيقى والأغاني المحرمة: فهي التي تُلهي عن ذكر الله تعالى، وتتضمن أشياء منكرةً ومحظورةً؛ مثل: أن تكون باعثةً على تحريكِ الغرائزِ والشهواتِ، ويختلط فيها الرجال بالنساء، أو يكون صوت المغني فيه تخنُّثٌ وتَكَسُّرٌ وإثارةٌ للفتن، وتسعى إلى تدمير الحياء والأخلاق، والله I أعلم. انتهى.

والسماع عند الصوفية مقام من مقامات التزكية والتربية والحال، ويقصد به سماع المواجيد والأناشيد والابتهالات بألحان شجية، سواء بالموسيقى أو بدونها، وقد يطلقون على هذه المواجيد وألحانها: الأغاني، ولهم في السماع دلالات روحية، ومعاني نورانية، وها هو الإمام المجدد السيد أبو العزائم 0 يقدم لنا في حِكمه بعض البيان والتعريف حول السماع والأغاني فيقول:

“الأغاني: جذبة حقٍّ لِحَق، وخطفة تلوين إلى مقام تمكين، وإن التغني بالقرآن: خمرة الأرواح الجاذبة إلى الفتاح”، ويبين أن ذوق المعنى: كشف سر المادة، والدخول إلى المغنى: الانتقال إلى أحدية الوجود بعد الفناء عن النسبة الإضافية، وما قبل ذلك فمَراقٍ للمريد ومعارج للواصل، ويؤكد على أن أكمل ما يُكمَّل به النفس: الأغاني، والأغاني لا ينبغي أن يسمعها إلا الذى نفسه تزكت؛ لأن الحب والحكمة: غذاء الأرواح، والأغاني: طهور الحب، قال o: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، ويوضح أن في الجنة مدينة يقال لها: “المَغْنى”، فالمواجيد خصوصًا لأهل النفوس الطاهرة الطيبة، نوع من أنواع الرياضة والتزكية، فإذا صغت الآذان إلى تلك المعاني القدسية بالألحان الشجية، زكت النفس وأقبلت وأحبت من تغنى به عن وجْد وحال، وعن الأغاني يقول الإمام 0 نظمًا:

إن الأغَــانـــي راحٌ لــلـمُـريـدِيـنـا

بها الوصُـولُ إلـي أعْـلـي وعالينا

تــهــزُّ قـلـــبَ مُـرادٍ والِـهٍ فـيـرى

نـورًا فـيحجب عنه الحُور والعِينا

يـفـنَـي بـه عـنـه حـال الاتـحادِ به

يغْشاهُ نورٌ فيـخْـفـي عـنـه تـكوينا

تـغْـشَـي الـمـعاني سِدرتَه فتنظرُه

فـردًا تـجـمَّـل تـحْـقـيقًا وتـمْـكيـنا

تـلـكَ الأغَـانـي أرتِّلـهـا لـخـلوَتِها

لـمـن صَـفا بـالـصَّفا حُبًّا وتكوينا

لا يـسـمـعَـنـهـا مُـريدٌ فـي بـدايتِه

وهي الطهُورُ وكان السِّر مَكنونا

السماع معراج الأنبياء والأولياء

وقد جاء في الأثر أن: “معراج الروح: السماع، ومعراج القلب: الصلاة”، فالجهر والسماع آلات محركات لما في قلوب العشاق والعارفين؛ لأنهما طعام المحبين ومقوي الطالبين، حتى قال o: (من لم يتحرك عند السماع فليس مني)، وإن منكِر السماع لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إما جاهل بالسُّنن، أو مُفتَر على ما أباح الله تعالى من الأعمال بالأخبار، وإما جامد الطبع لا ذوق له، وقوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (فاطر: 1)، المراد بالزيادة: الصوت الحسن، وفي “عوارف المعارف للسهروردي” أن السيدة عائشة 0 قالت: (كانت عندي جارية تسمعني فدخل رسول الله o وهي على حالتها، ثم دخل عمر 0 ففرت، فضحك رسول الله o، قال عمر: ما يضحكك يا رسول الله؟ فحدثه حديث الجارية، فقال: لا أبرح حتى أسمع ما سمع رسول الله o، فأمرها فأسمعته).

والسماع بصفة عامة على ثلاثة أقسام: مُحَرم، ومُباح، ومَندوب:

* فمن غلبت عليه شهواته، وتكدرت بواطنه، وفسدت مقاصده، فلا يحرك السماع إلا ما هو الغالب عليه من الصفات المذمومة، فالسماع في حقه حرام.

* ومن تحرك في قلبه بالسماع محبة زوجته، أو تذكر به غائبًا أو ميتًا فيثير به حزنه، فيستريح بما يسمعه، فالسماع له مباح.

* ومن غلب عليه حب الله والشوق إليه، فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة، وتضاعف الأشواق إلى الله، واستدعاء الأحوال الشريفة، والمقامات العلية، والكرامات السنية والمواهب الإلهية، فالسماع له وفي حقه مندوب بل واجب، فسماعه ذكرٌ من الأذكار مكتوب في صحائف الأبرار، وسماع الصوفية من هذا القبيل، وهو ممدوح ومحمود عند العالم النِّحْرير.

والسماع عند الإمام المجدد أبي العزائم 0 من النوع الثالث، الناتج عن إمعان النظر في الآيات، وشهود تجليات جمال الحق في الخلق، عند سماع آيات الحق تتلى، سر قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 17، 18)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَي لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَي السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37) وقوله سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: 4)، روي البخاري وأبو داود والترمذي حديث السيدة عائشة 1: كان النبي o يضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا يفاخر عن رسول الله أو ينافح – أي يرد عنه هجاء الكفار بالشعر ويباهيهم به – ويقول رسول الله U: إن الله يؤيد حسانًا بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله o.

السماع عند الإمام 0

حين يتكلم الإمام 0 عن السماع يقول: “إن السماع من أكمل أنواع تزكية النفوس، خصوصًا مواجيد أهل الصدق، ممن وقع بهم العلم على عين اليقين، وهجمت عليهم صولة الحق فأفنتهم عنهم، فيترنمون بألحان شجية، وتلك المواجيد خصوصًا لأهل النفوس الطاهرة الطيبة نوع من أنواع الرياضة والتزكية، فإذا صغت الآذان إلي تلك المعاني القدسية بالألحان الشجية، زكت النفس وأقبلت، وأحبت من تتغني به عن وجْد وحال، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وأَقْوَمْ﴾ (النساء: 46)، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ﴾ (المائدة: 108)، وقال Y: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (التغابن: 16)، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 17، 18)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ (الأعراف: 204)، وقال U: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَي الرَّسُولِ تَرَي أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (التوبة: 102)، وفي الأثر: (الصوت الحسَن نفَس من نفَس الرحمن).

ومعلوم أن الأسرار الإلهية المتعلقة بكمالات الأسماء والصفات، لا طريق لها إلا السماع، قال الله تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78)، فجعل الله تعالي الأبصار للإنسان ليشهد الكائنات، وبها تظهر الآيات للأفئدة، وخلق الله له السمع ليصغي إلى كلام الله تعالى، وبيان رسله عليهم الصلاة والسلام، فيوصل تلك الأنوار إلى الأفئدة، فتفقه أسرار الله، وتنعقد على الحق، يقول الإمام 0:

تـغـنُّوا مَعِي بالحَال إن دارتِ الرَّاح

فكم عند شُربِ الرَّاح تُصْعق أروَاحُ

فـداود بـالمِـزمَـار غــنَّــي فــأوَّبَـــت

بــألـــحَـــانِــه الأشْــبـــاحُ والأرواحُ

وهـا أنـا مـخــمُـورٌ بِــراحٍ مُـقـــدس

لــــم تَــــــدْره الأرواحُ والأقــــــداحُ

تــنــاولـتُـه مـن قـبـل مجْـلي حقيقتي

ونــاوَلـــه الـــوهَّـــاب والــــفـــتـــاحُ

وما جاء في هذه الحكمة من المعاني الروحانية، أمر مشهود لعين القلب البصيرة، التي تشهد أن هناك جمالًا للحق تبارك وتعالى، عجزت الألسن عن أن تترجم عنه ـ يعنى تبينه وتظهره وتعبر عنه ـ فترجمت عنه الألحان العذبة والأغاني الشجية.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …