أخبار عاجلة

فقه مالك والمالكية (16)

مؤلفات سبقت مدونة سحنون (ت 240هـ). إلا أن المدونة أضحت علمًا على الصيغة الأخيرة المنقحة المهذبة لما عرف من قبل بالأسدية، أو مدونة أسد بن الفرات، والصيغة الجديدة هي التي تلقاها سحنون من ابن القاسم، وهي أولى أمهات الفقه المالكي. ولا يشك أحد في أن الفضل لا يتعدى أسدًا في أسبقيته للتفكير في صياغة منهج فقهي جديد، يمزج بين منهج العراقيين الفرضي، ومنهج الحجاز الأثري…..

د. محمد الإدريسي الحسني

أمهات الكتب المالكية

مقدمة:

في بداية الأمر كان كتاب الإمام مالك الموطأ، هو المرجع الأساس عند المالكية، ولعل أول من ألف في الفقه المالكي هو الإمام علي بن زياد الطرابلسي (ت 183هـ)، فكان كتابه (خير من زنته) وضعه في مسائل الفقه والفتاوى التي تكلم بها الإمام مالك بن أنس، وقد كان مائلًا إلى طريقة الحنفية في التأصيل والتحليل، فأثر ذلك على منهجه الفقهي وإن كان ملتزمًا بمذهب مالك، ثم الكتب التي وضعت على ما سمعه عبد الرحمن بن القاسم (ت 191هـ)، بدأها أسد بن الفرات بـ (الأسدية)، ثم مدونة الإمام سحنون، وقد سبق ذكرهما، ثم كتب أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن بن شبطون (ت 193هـ) كتاب (سماع زياد)، وهو كتاب في فتاوى مالك، وكتاب الجامع في الفقه، وكتب أشهب بن عبد العزيز (ت 204هـ) سماعاته التي سمعها من الإمام مالك وضعها في عشرين كتابًا، ومدونة أشهب، وقد ألفها على نسق الأسدية، مخالفًا لابن القاسم في أكثر آرائه، ولم يكن يوافق مالكًا في كل ما يذهب إليه بل كان يجتهد برأيه في القضايا التي تلقى إليه، ولعبد الملك بن الماجشون (ت 212هـ)، منهج فقهي متميز يعتمد على الأحاديث وإن خالف ما عليه العمل، وقد رويت آراؤه الفقهية في الواضحة لابن حبيب سنتحدث عنها بالتفصيل لاحقًا، وأول من أدخل منهج ابن الماجشون للقيروان، حماد بن يحيى السجلماسي، تلميذ سحنون وله سماعات، ومؤلف في الفقه، ولعيسى بن دينار (ت 212هـ) مؤلفات أهمها (الهداية أو الهدية) وهو من أجمع الكتب للمعاني الفقهية على المذهب وأرفعها، وقد عد ابن حزم هذا الكتاب من مفاخر الأندلس في رسالته المشهورة، ولعبد الله بن عبد الحكم بن أعين (ت 214هـ) ثلاث مختصرات جمع فيها سماعاته من مالك وكبار أصحابه.

أولها المختصر الكبير، اختصر فيه سماعاته عن أشهب وغيره، والمختصر الأوسط وفيه أربعة آلاف مسألة، وقد اقتبس منه ابن أبي زيد في نوادره، والمختصر الصغير ويحتوي على ألف ومائتي مسألة، وقد قصره على علم الموطأ، واقتبس منه ابن أبي زيد في نوادره. وعبد الملك بن حبيب السلمي (ت 239هـ) وكان من المناصرين لمنهج ابن الماجشون، ألف كتبًا حِسانًا من أشهرها الواضحة، ومنهجه فيها أنه يأتي بالترجمة ويورد أحاديث بسنده ثم يتكلم عقب الحديث بشرح الغريب وفقه الحديث، كما تميزت الواضحة بعرضها للخلاف المذهبي وأقوال الفقهاء المالكية، وهي ثاني أمهات الفقه المالكي، ويعتبر ابن حبيب أشهر الممثلين للخط المدني في بيئة أندلسية ذات توجه مصري.

مؤلفات سبقت مدونة سحنون (ت 240هـ). إلا أن المدونة أضحت علمًا على الصيغة الأخيرة المنقحة المهذبة لما عرف من قبل بالأسدية، أو مدونة أسد بن الفرات، والصيغة الجديدة هي التي تلقاها سحنون من ابن القاسم، وهي أولى أمهات الفقه المالكي. ولا يشك أحد في أن الفضل لا يتعدى أسدًا في أسبقيته للتفكير في صياغة منهج فقهي جديد، يمزج بين منهج العراقيين الفرضي، ومنهج الحجاز الأثري.

ثم كانت المستخرجة من الأسمعة العتبية لمحمد بن أحمد العتبي (ت 255هـ)، وهي عبارة عن حصر شامل لمعلومات فقهية يرجع معظمها لابن القاسم العتقي عن مالك بن أنس، وهي برواية من جاءوا بعده مباشرة، كما أنها تحتوي على آراء تلاميذ مالك، وقد اختُلف فيها قبولًا ورفضًا بين المالكية، لإكثار صاحبها من المسائل الشاذة والغريبة والروايات المطروحة، ولولا ابن رشد الجد لما بقي للعتبية مجال في الساحة العلمية، ذلك أنه قام بعملية نقدية في كتاب أسماه “البيان والتحصيل” فأصبحت المستخرجة خيرًا وبركة، فأصبحت هي ثالثة الأمهات.

وجاءت بعد ذلك الثمانية، لعبد الرحمن بن إبراهيم بن عيسى، ويعرف بابن تارك الفرس (ت 258هـ)، كان رحمه الله مناصرًا لخط ابن حبيب وابن الماجشون المدني، ألف ثمانية كتب جمع فيها أسئلته لمشايخه المدنيين، وقد حفظ الباجي في المنتقى كثيرًا من الاقتباسات الفقهية أخذها من (الثمانيات).

ثم كانت الموّازية لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز (ت 269هـ) وهي أشهر كتاب فقهي إبان القرن الثالث الهجري في شمال إفريقيا، وتتميز بالقصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم، وهو منهج غير مسبوق، إذ كان الغالب جمع الروايات فقط، وهي رابع الأمهات، وقد اتفق علماء المالكية على اجتباء أربعة كتب أطلقوا عليها اسم الأمهات وهي:

1- المدونة: مصرية / قيروانية.

2- الواضحة: أندلسية.

3- العتبية: أندلسية.

4- الموّازية: مصرية.

واهتم فقهاء المالكية بالدواوين، وهي الأمهات السابقة، ويضيفون إليها:

– المختلطة: وهي المدونة نفسها لكن قبل مرحلة تحقيق ومراجعة سحنون.

– المجموعة: لابن عبدوس وهي خامسة الدواوين. وهي: تونسية / قيروانية.

– المبسوط: سادس الدواوين، ومنه تعرف طريقة العراقيين في التأليف والفقه، وقد أفاد منها الباجي وابن أبي زيد في النوادر. وهو عراقي التأليف والمنهج. إلا أن المدرسة العراقية اعتمدت كتبًا أخرى، واهتمت بها بالغ الاهتمام وأهمها مختصرات ابن عبد الحكم وتعتبر البنية الأساسية – عند العراقيين – إلى جانب الموطأ في الاجتهاد والترجيح.

أسست هذه المؤلفات من أمهات ومختصرات ودواوين، لمرحلة النشوء والاستقرار للمذهب المالكي بنيت عليها مؤلفات هامة في مرحلة التطور سنورده في المقالة القادمة إن شاء الله.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …