السيد علاء أبو العزائم
شيخ الطريقة العزمية
ورئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية
لماذا تأخرت الأمة؟!
وقفة للنقد الذاتي (3)
إن بناء الأمم عملية معقدة ومركبة، فهي ليست وليدة الصدفة، ولا تتم دون تغيير جذري في أفكار ومعتقدات الشعوب.
في مقالاتي عن (الضياع والأمل المرتقب) حددت المرض الخطير الذي ضرب الأمة، وشرعت في عرض كيفية علاج الأمة منه، وفي هذه المقالات أتحدث عن أمور يجدها الناس بسيطة لكنها مؤثرة في تراجعنا، كما لو أننا نقوم بعملية نقد ذاتي لأنفسنا.
وبعد أن استعرضنا في المقالين السابقين كيف أن غياب الطموح كان الرصاصة الأولى في صدر نهضتنا، وكيف أن قتل الإبداع أورثنا جمودًا فكريًّا جعلنا نعيش في جلباب الماضي دون فهم للحاضر، وأن الرضا بالقليل خسرنا الكثير، وأن غياب روح المغامرة أفقدنا المبادرة، ولما اختفت الحرية مات الإنسان قبل أن تموت الأمة، ونأتي الآن لنكمل تشريح “جسد الأمة الضائع”، لنضع أيدينا على الجروح الغائرة التي منعتنا من النهوض وجعلتنا متأخرين.
سادسًا: حاربنا القدوة؛ فاختل الميزان الأخلاقي
لم تنهض أمة في التاريخ بلا قدوة، ولم تسقط أمة إلا بعد أن ضاعت منها القدوة، أو جرى تشويهها، أو استبدالها. فالقدوة ليست شخصًا صالحًا فحسب، بل نموذجًا حيًّا يُترجَم فيه المبدأ إلى سلوك، والقيمة إلى ممارسة، والفكرة إلى واقع معاش.
والإنسان – بطبيعته – يتعلم بالمشاهدة أكثر مما يتعلم بالموعظة، ويقتدي بالفعل أكثر مما يستجيب للكلام.
غير أن الأمة، في لحظة تاريخية فارقة، لم تكتفِ بفقدان القدوة، بل دخلت في حالة عداء صريح مع فكرة القدوة نفسها، فصار كل نموذج أخلاقي حقيقي محل تشكيك، وكل شخصية مستقلة موضع هجوم، وكل قدوة صادقة تُحاصَر حتى تُكسر أو تُشوَّه أو تُهمَّش.
1- القدوة في التصور الإسلامي.. أداة تربوية
في التصور الإسلامي، لم تكن القدوة عنصرًا ثانويًّا، بل كانت أداة التربية الأولى. فالرسول J لم يقدّم نفسه رسولًا فقط، بل نموذجًا حيًّا: صادقًا قبل الرسالة، أمينًا قبل الدعوة، مخلصًا قبل أن يُطالِب الناس بالإخلاص.
ولهذا، حين سُئلت أم المؤمنين السيدة عائشة 1 عن أخلاق النبي J، لم تُعدد صفاته، بل قالت: (كان خُلُقه القرآن)، أي أن القيم كانت متجسدة وتمشي على الأرض.
والأمة، حين كانت متصلة بهذه القدوة، كانت تُخرّج رجالًا ونساءً يُحتذى بهم، لا لأنهم بلا أخطاء، بل لأنهم واضحو الاتجاه.
2- فصل الأمة عن قدوتها الحقيقية
القدوة الحقيقية في كل زمان بعد الرسالة المحمدية هي إمام أهل البيت في عصره أو وقته، بوصفه الامتداد القيمي والأخلاقي لمنهج النبوة.
لكن الذي جرى عبر التاريخ هو فصل الأمة عن قدوتها الأصلية، لصالح قدوات مُصنَّعة تخدم السلطة أو المرحلة.
في عصور متتالية – أموية وعباسية وعثمانية – جرى دعم نماذج دينية تخدم الحكم أكثر مما تخدم القيم، فاختل الميزان.
ثم في العصر الحديث، انتقلت القدوة من العالم والمصلح إلى اللاعب والممثل والمغني، وصار معيار النجاح هو الشهرة لا الأخلاق.
وحين تغيّرت القدوة، تغيّر السلوك الجمعي دون أن نشعر.
3- محاربة العلماء الحقيقيين
لم تكن محاربة القدوة دائمًا مباشرة، بل كثيرًا ما جاءت في صورة إقصاء ناعم:
– تم فصل أساتذة الجامعات والمفكرين الذين كانوا يمثلون نموذجًا للتفكير الحر والنقد البنّاء.
– تم قمع الحركات الإصلاحية في التعليم والسياسة، وأصبح المثقف المستقل عدوًّا للنظام أو مهددًا للسلطة.
– الكثير من العلماء والمصلحين اضطروا للهجرة، تاركين الأمة بلا منارة أخلاقية، وهو ما أدى إلى تراجع مستوى الفكر والثقافة والأخلاق العامة.
ومع الوقت، فقد العلماء مكانتهم الرمزية، ولم يعد الناس يرون فيهم مرجعًا أخلاقيًّا، بل موظفين أو متحدثين باسم جهة ما.
وحين تفقد الأمة علماءها الحقيقيين، تفقد بوصلتها.
4- الطرق الصوفية.. قوة إصلاح لم تُستثمر
من أخطر المفارقات أن الأمة تمتلك أداة إصلاح هائلة لم تُستثمر: الطرق الصوفية.
فالطريقة تقوم أصلًا على فكرة القدوة: الشيخ يُجسِّد المنهج، والمريد يقتدي، والسلوك ينتقل بالمشاهدة.
نحن لا نتحدث عن وعظ، بل عن سلوك يومي يراه الملايين.
تخيّل لو أن مئة شيخ طريقة كانوا قدوة صالحة: في الصدق، والأمانة، والإخلاص، والزهد في الدنيا.
هذا وحده كفيل بأن يُنتج عشرات الملايين من الناس الصالحين، وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن الفاسدين يخرجون تلقائيًّا؛ لأن البيئة لم تعد تحتملهم.
5- غياب القدوة وأثره على المجتمع والسياسة
غياب القدوة له تأثير مباشر على كل مستويات المجتمع:
– الأسرة: الأب والأم يفتقدان نموذجًا حقيقيًّا يقتدي به الأبناء.
– التعليم: الطلاب يتعلمون الحقائق لكن لا يتعلمون الصواب، فلا يميزون بين الصالح والطالح.
– الاقتصاد: الموظف أو التاجر الذي لا يرى نموذجًا للتقوى أو النزاهة يمارس الغش والخداع كأمر طبيعي.
– السياسة: المسؤول الذي لا يجد نموذجًا صالحًا يُحتذى به، يختار البقاء ضمن شبكة الفساد، أو يتعلم المناورة والسرقة بدل الخدمة والإصلاح.
وهكذا يصبح المجتمع كله فاسدًا ومفسدًا في الوقت نفسه، ولا يحتاج الفاسدون لأي قوة لإبعاد الصالحين؛ لأن البيئة قد تربت على قبول الفساد.
6- القدوة والجيل الجديد
غياب القدوة الحقيقية أثَّر بشكل مباشر على شباب الأمة:
– فقدوا المعيار الذي يُوجّه طموحهم.
– أصبح الطموح مرتبطًا بالمال والشهرة فقط، وليس بالعلم، والإبداع، والإصلاح، والبناء.
7- القدوة مقابل الفساد
حين تكون القدوة مفقودة، يصبح الفساد هو القاعدة. كل فرد يرى أن كل الناس حوله يتصرفون بلا أخلاق، فلا يرى سببًا للالتزام، ويصبح الفساد سلوكًا متوارثًا اجتماعيًّا.
أما حين تنتشر القدوة الحقيقية، حتى لو كانت نسبة قليلة من المجتمع، فإنها تعمل كـ”مضاد طبيعي للفساد”، ومن يقتدي بالقدوة يتعلم الصدق والأمانة والإخلاص، والفاسد يجد نفسه في بيئة ضاغطة أخلاقيًّا، ولا يستطيع الاستمرار، فتتحول الأخلاق إلى قوة غير مرئية تبني الدولة والمجتمع.
سابعًا: تراجعت الأخلاق؛ فبدأ الانهيار الشامل
الأخلاق ليست مجرد زينة للمجتمع، أو شعارات تكتب على الجدران، بل الركيزة الأولى لكل تقدم حضاري، والقوة الصامتة التي تضمن استمرارية الأمة واستقرارها.
كل حضارة قامت ونهضت كان ذلك نتيجة لوجود نظام أخلاقي داخلي يحكم العلاقات بين الإنسان وأخيه، وبين الفرد والمجتمع، وبين الشعب والحاكم، وبين الأمة وخالقها.
والعكس صحيح، كل حضارة انهارت أخلاقيًّا، انهارت معها مؤسساتها، وتفككت بها المجتمعات، وانهارت بها الدولة، وغاب عنها الإبداع والابتكار.
إن ما أصاب الأمة لم يكن مجرد نقص في التعليم أو ضعف في الاقتصاد، بل انهيار في منظومة القيم الأخلاقية، وتراجع في الأسس التي تبني شخصية الإنسان المسلم الكاملة.
وهذا الانهيار لم يكن وليد لحظة أو حدثًا مفاجئًا، بل تراكم عبر عقود من الفساد التدريجي للقيم، بدءًا من زمن الاستعمار الحديث، ثم الاستقلال السياسي الذي لم يرافقه استقلال أخلاقي، مرورًا بفقدان القدوة، وانتهاء بانحلال الأسس الأخلاقية في كل جوانب الحياة.
1- الأخلاق كمحدد لتقدم الأمم
الصدق والأمانة والإخلاص ليست مجرد فضائل فردية، بل هي شروط ضرورية لبناء الأمم.
– الصدق: يُنتج الثقة بين الناس، ويقوي الاقتصاد، ويجعل العقود والاتفاقيات نافذة، ويضمن احترام القانون.
– الأمانة: تجعل الموارد تُدار بحذر، وتقلل الفساد الإداري، وتخلق بيئة عادلة للتنافس والعمل، وتجعل كل موظف يؤدي دوره في نهضة المجتمع.
– الإخلاص: يضمن أن العمل من أجل المصلحة العامة وليس المصالح الشخصية الضيقة، ويخلق روح التضحية من أجل الصالح العام.
حين تغيب هذه القيم، يتحول المجتمع إلى مجرد مجموعة من الأفراد الذين يسعون للمصلحة الشخصية على حساب الآخرين، ويصبح كل تعامل مشحونًا بالشك والخوف والتلاعب.
2- انعكاس تراجع الأخلاق على الفرد والمجتمع
تراجع الأخلاق يؤدي إلى تغييرات عميقة في السلوك الفردي والجماعي:
– الشجاعة تصبح تهورًا بلا حساب، والجبن يتحول إلى حرص مفرط على المصلحة الشخصية.
– الكذب والخيانة والنفاق تصبح وسائل للبقاء والنجاح.
– الاحترام يختفي من التعاملات اليومية، ويحل محله الاستغلال والتحقير.
هذه التحولات ليست مجرد مشاكل سلوكية، بل أزمات بنيوية تهدم المجتمع من الداخل. فالإنسان الذي يكذب في عمله، ويخون دوره في الهرم الاجتماعي، لا يمكن أن يثق به أحد، ولا يمكن أن ينجح مشروعه، ولا يمكن أن يسهم في بناء وطنه.
3- دور الدين في استعادة الأخلاق
الخطأ الجسيم الذي وقع فيه معظم رجال الدين في العصر الحديث هو التركيز على الشعائر الشكلية وتهميش الأخلاق، فالخطاب الديني أصبح يركز على الصيام والصلاة والحج والزكاة، لكنه نسي الأخلاق الجوهرية: الصدق، والأمانة، والإخلاص، والعدل، ناهيك عن ذكر مكارم الأخلاق.
غياب الأخلاق في الخطاب الديني أدى إلى فراغ أخلاقي لدى الشباب، جعلهم يبحثون عن قيمهم في وسائل الإعلام والثقافة الشعبية، وغالبًا ما يجدون نماذج سيئة أو مادية، تؤكد أن الغش والخيانة والنفاق هي وسائل للنجاح.
إن الخطاب الذي لا يربط بين الدين والأخلاق، ويُهمل فكرة لقاء الله ومحاسبة النفس، ينتج مجتمعًا مهزوزًا أخلاقيًّا، منقوصًا من الضمير والوعي، حتى لو بدا ملتزمًا شكليًّا.
4- الأخلاق والاقتصاد
غياب الأخلاق ينعكس مباشرة على الأداء الاقتصادي:
– الموظف الفاسد يهدر الموارد، والموظف الأمين يتراجع؛ لأنه لا يُكافأ.
– المستثمر يخشى المخاطرة في بيئة بلا قواعد أخلاقية، أو يلجأ إلى الغش لتحقيق أرباح سريعة.
– النظام المالي ينهار حين يكون الكذب والخداع جزءًا من ثقافة العمل.
إن الاقتصاد بدون أخلاق يشبه بيتًا بلا أساسات، قد يقف لبعض الوقت، لكنه سينهار عند أول ضغط أو أزمة.
5- الأخلاق والتعليم
التعليم، دون الأخلاق، يصبح أداة تلقين وتزييف للوعي، وليس بناءً للعقل، فقد اعتاد التعليم في الجامعات على إنتاج خريجين يملكون حفظ إجابة السؤال، لكنهم لا يعرفون الصواب من الخطأ، ولا يتحملون المسؤولية، ولا يملكون الضمير العملي.
الطالب الذي لا يُدرّب على الصدق والإخلاص في تعامله، سيصبح موظفًا أو مسؤولًا يتعامل مع العالم بالمصالح الشخصية، وليس من أجل الصالح العام.
وهكذا تتشكل أجيال جاهلة أخلاقيًّا، تنتج مجتمعًا ضعيفًا، وفاسدًا، وغير قادر على مواجهة التحديات.
6- الأخلاق والفكر
الإنسان الذي فقد القيم الأخلاقية يفقد أيضًا القدرة على التفكير النقدي البناء، فالفكر الحر يحتاج إلى ضمير أخلاقي، وإلا يتحول إلى أداة للأنانية، أو مبررًا للفساد، أو ذريعة للظلم.
وهكذا يصبح الجيل المثقف لكنه بلا أخلاق، خطرًا على المجتمع بقدر ما هو غير منتج،؛ لأنه يستخدم المعرفة في تخريب الآخرين، أو تقويض القيم، أو تمكين الفساد، بدلًا من بناء الأمة.
7- الأمثلة التاريخية
إذا نظرنا إلى تاريخ الأمم، نجد أن انهيار الحضارات لم يبدأ بالهزائم العسكرية فقط، بل بانحلال الأخلاق:
– سقوط الدولة الرومانية كان مرتبطًا بتدهور القيم الاجتماعية والفردية، مثل الطمع، والفساد، والانحلال الأخلاقي.
– ضعف الدولة العباسية في العصور المتأخرة جاء نتيجة لتوسع الرشوة والفساد وانحدار الالتزام بالقيم.
– حالات الفساد في عصرنا الحديث، سواء في التعليم أو العمل أو السياسة، ليست جديدة، لكنها تتكرر؛ لأنها نتيجة طبيعية لتراجع الأخلاق.
8- الفساد الأخلاقي والانتحار القومي
غياب الأخلاق يقود إلى انتحار قومي:
– الشباب يفقدون الوطنية ويهاجرون، أو يسعون لتدمير مؤسساتهم.
– المجتمعات تُفقد قدرتها على التنظيم الذاتي، ويصبح الفساد نظامًا قائمًا بذاته.
– كل محاولة للإصلاح تواجه مقاومة طبيعية؛ لأن المجتمع فقد البوصلة الأخلاقية، ولم يعد يعرف الخير من الشر، والصالح من الطالح.
9- الحل: تجربة الأخلاق الحسنة
لقد جربنا الأخلاق الفاسدة وفشلنا، الآن، علينا تجربة الأخلاق الفاضلة: الصدق، والأمانة، والإخلاص، والتضحية، والعدل.
وعلينا تبني القدوة الحقيقية، سواء من العلماء، أو المشايخ، أو القادة، أو الأهل.
كما علينا إعادة بناء المجتمع على الأساس الأخلاقي قبل أي بناء مادي أو مؤسساتي.
حين يصبح المجتمع صالحًا، يخرج منه المسؤول الصالح، وينتشر النظام الأخلاقي في كل مؤسسات الدولة، ويستعيد الشباب الوطنية، ويعود الطموح والمغامرة والإبداع.
لقد انتهينا من الحديث عن (غياب الطموح) و(قتل الإبداع)، و(ثقافة الرضا بالقليل)، و(اختفاء روح المغامرة)، و(ندرة الحرية)، (محاربة القدوة)، و(تراجع الأخلاق)، وإلى اللقاء المقبل لنتحدث عن (كراهية لقاء الله)، و(انتشار الفساد) لنضع أيدينا على العوامل المؤثرة في تراجع الأمة، فقد يفيد النقد الذاتي في تحريك الماء الراكد في نفوس البعض، فيخرج منهم من يحمل لواء نهضتها وتقدمها.
وصلى الله على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وسلم.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية