سبق الكلام على شروطه وفرائضه وسننه وآدابه وما يتعلق به من الأحكام الشرعية في كتاب: (أصول الوصول) وأريد بعون الله تعالى وحسن توفيقه أن أبين فضائل الصوم، ووصف الصائمين وما كان عليه السلف الصالح والصحابة والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين…
الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم
الركن الرابع: الصيام
سبق الكلام على شروطه وفرائضه وسننه وآدابه وما يتعلق به من الأحكام الشرعية في كتاب: (أصول الوصول) وأريد بعون الله تعالى وحسن توفيقه أن أبين فضائل الصوم، ووصف الصائمين وما كان عليه السلف الصالح والصحابة والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فضائل الصوم ووصف الصائمين([1]):
صوم الخصوص حفظ الجوارح الست:
1- غض البصر عن الاتساع في النظر.
2- صون السمع عن الإصغاء إلى محرم أو الوزر أو القعود مع أهل الباطل.
3- حفظ اللسان عن الخوض فيما لا يعني جملة، مما إن كتب عنه كان عليه، وإن حفظ له لم يكن له.
4- مراعاة القلب بعكوف الهم عليه، وقطع الخواطر والأفكار التي كف عن فعلها، وترك التمني الذي لا يجدي.
5- كف اليد عن البطش إلى محرم من مكسب أو فاحشة.
6- حبس الرِّجل عن السعي فيما لم يؤمر به، ولم يندب إليه من غير أعمال البر.
فمن صام تطوعًا بهذه الجوارح الست، وأفطر بجارحتي الأكل والشرب والجماع، فهو عند الله تعالى من الصائمين في الفضل؛ لأنه من الموقنين الحافظين للحدود. ومن أفطر بهذه الست أو ببعضها، وصام بجارحتي البطن والفرج، فما ضيع أكثر مما حفظ، فهذا مفطر عند العلماء، صائم عند نفسه.
وقد قال أبو الدرداء: أيا حبذا نوم الأكياس، كيف يعيبون قيام الحمقى وصومهم، ولذرة من تقوى، أفضل من أمثال الجبال عبادة مع المغترين.
– ومثل من صام عن الأكل وأفطر بمخالفة الأمر، مثل من مسح كل عضو فصلاته مردودة عليه لجهله.
– ومثل من أفطر بالأكل والجماع، وصام بجوارحه عن المنهي، مثل من غسل كل عضو مرة واحدة وصلى، فهو تارك للفضل في العدد، إلا أنه مكمل للفرض بحسن العمل، فصلاته متقبلة لإحكامه للأصل، وهو مفطر للسعة صائم في الفضل.
– ومثل من صام عن الأكل والجماع، وصام بجوارحه الست عن الآثام، كمثل من غسل كل عضو ثلاثًا فقد جمع الفرض والفضل، وأكمل الأمر والندب فهو من المحسنين، وعند العلماء من الصائمين، وهذا صوم الممدوحين في الكتاب، الموصوفين بالذكرى من أولي الألباب.
ومن فضائل الصوم: أن يجتنب من حظوظ هذه الجوارح الشبهات من الأشياء، وفضول الحلال، ويرفض الشهوات الداعية إلى العادات، ولا يفطر إلا على حلال، متقللًا منه، فبذلك يزكو الصيام. ولا يقبل امرأته في صومه، ولا يباشرها بظاهر جسمه، فإن ذلك إن لم يبطل صومه فإنه ينقصه، وتركه أفضل إلا لقوي متمكن مالك لإربه. وليقل نومه بالنهار ليعقل صومه بعمارة الأذكار، وليجد مس جوعه وعطشه، وقد كانوا يتسحرون بالتمرتين والثلاث، وبالحبات من الزبيب والجرعة من الماء، ومنهم من كان يقضم من شعير دابته التماسًا لبركة السحور. وليكثر ذكر الله تعالى، وليقلل ذكر الخلق بلسانه، وليسقط الاهتمام بهم عن قلبه، فذلك أزكى لصومه، ولا يجادل ولا يخاصم، وإن شتم أو ضرب لم يكافئ على ذلك لأجل حرمة الصوم، ولا يهتم لعشائه قبل محل وقته، يقال: إن الصائم إذا اهتم بعشائه قبل محل وقته، أو من أول النهار، كتبت عليه خطيئة، وليرض باليسير مما قسم له أن يفطر عليه، ويشكر الله تعالى عز وجل كثيرًا عليه.
ومن فضائل الصيام: التقلل من الطعام والشراب، وتعجيل الفطر وتأخير السحور، وليفطر على رطب إن كان، وإلا على تمر إن وجد فإنه بركة، أو على شربة من ماء فإنه طهور، هكذا روي عن رسول الله J، يفطر على جرعة من ماء أو مذقة من لبن أو تمرات قبل أن يصلي. وفي الخبر: كم من صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، قيل: هو الذي يجوع بالنهار، ويفطر على حرام، وقيل: هو الذي يصوم عن الحلال من الطعام، ويفطر بالغيبة من لحوم الناس، وقيل: هو الذي لا يغض بصره، ولا يحفظ لسانه عن الآثام.
ويقال: إن العبد إذا كذب أو اغتاب أو سعى في معصية في ساعة من صومه خرق صومه، وإن صوم يوم يلفق له في صيام أيام؛ حتى يتم بها صوم يوم ساعة ساعة. وفي الحديث: »الصوم جُنَّة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة« وكانوا يقولون الغيبة تفطر الصائم. وقد كانوا يتوضأون من أذى المسلم. وروى عن جماعة في الوضوء مما مست النار: لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من طعام طيب. وروي عن بشر بن الحرث عن سفيان: من اغتاب فسد صومه، وروينا عن ليث عن مجاهد: خصلتان يفسدان الصوم: الغيبة والكذب. وروي عن جابر عن رسول الله J : » خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين الكاذبة، والنظر بشهوة « ويقال: إن من الناس من يكمل له صوم رمضان واحد في عشر رمضانات، وفي عشرين، مثل سائر الفرائض من الصلاة والزكاة التي يحاسب عليها العبد، فإن وجدت كاملة، وإلا تممت من سائر تطوعه. ويقال: إن العبد يصح له صوم في خمسة أيام، كما يصح له صلاة واحدة بخمس صلوات ترقع له الأوقات. وفي الخبر: من اغتاب خرق صومه، فليرقع صومه بالاستغفار، ويقال: إن الله تعالى لم يفترض شيئًا فرضى بدونه، وأنه يطالب بما فرضه، ويحاسب على ما أوجبه، وعفو الله سبحانه وتعالى يأتي على كثير من الذنوب.
والمراد من الصيام مجانبة الآثام لا الجوع والعطش، كما ذكرناه من أمر الصلاة، أن المراد بها الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، كما قال رسول الله J: » من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه «.
الركن الخامس: الحج
قد تقدم ما يتعلق به من الأحكام والشروط، مفصلًا فيه فرائضه وواجباته وسنته، بتفصيل يمكن للطالب أن يرجع إليه في كتاب: (أصول الوصول)([ii]) وأريد بعناية الله وحسن توفيقه أن أشرح جملًا من فضائله وآدابه، وعمل السلف الصالح في الحج، رضوان الله عليهم أجمعين.
فضائل الحج وآدابه([iii]):
فضائل الحج وآدابه وهيئاته، وفضائل الحجاج، وطريق السلف السالكين للمنهاج، قال الله I: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يعني من أوجبه على نفسه في هذه الأشهر فأحرم به، وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197). الرفث: اسم جامع لكل لغو وخنى وفجر من الكلام، ومغازلة النساء وملاعبتهن، والتحدث في شأن الجماع، والفسوق: جمع فسق، وهو اسم جامع لكل خروج من طاعة، ولكل تعدي حد من حدود الله تعالى. والجدال: وصف مبالغ للخصومة والمراء فيما يورث الضغائن، وفيما لا نفع فيه. فهذه ثلاثة أسماء جامعة مختصرة لهذه المعاني المثبتة أمر الله تعالى بتنزيه شعائره ومناسكه منها؛ لأنها مشتملة على الآثام، وهن أصول الخطايا والإجرام.
والحج في اللغة هو القصد إلى من يعظم، وكانت العرب تقول: نحج إلى النعمان، أي: نقصده تعظيمًا له وتعزيزًا، فينبغي أن يكون الحاج معظمًا لمن قصده بالحج، ليتحقق بمعنى هذا الاسم، والحج أيضًا سلوك الطريق الواضح، الذي يخرج إلى البغية، ويوقف على المنفعة، واشتقاقه من المحجة بمنزلة النسك، وهو اسم للطريق مشتق من المنسك، وهو من أسماء الطريق، وإن كان أصله المذبح، ومنه سمى الناسك؛ لأنه سالك لطريق الآخرة.
فأول فضائل الحج حقيقة الإخلاص به لوجه الله تعالى، وأن تكون النفقة حلالًا، واليد فارغة من تجارة تشغل القلب وتفرق الهم، ويكون الهم مجردًا، والقلب ساكنًا مطمئنًّا، مملوءًا بالذكر، فارغًا من الهوى، ناظرًا أمامه، غير ملتفت إلى ورائه، وصحة القصد بحسن الصدق، ثم طيب النفس بالبذل والإنفاق والتوسع في النفقة والزاد، وبذل ذلك لأن النفقة في الحج بمنزلة النفقة في سبيل الله تعالى، الدرهم بسبعمائة درهم، والحج من سبيل الله، روي ذلك عن رسول الله J، وقال ابن عمر وغيره: من كرم الرجل طيب زاده في سفره، وكان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية، وأزكاهم نفقة، وأحسنهم يقينًا. وفي حديث ابن المنكدر، عن جابر عن رسول الله J: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) وقال: سئل رسول الله J: ما بر الحج؟ قال: »طيب الكلام وإطعام الطعام«. ويقال: إنما سمى سفرًا؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وبعضهم يقول: يسفر عن صفات النفس وجوهرها، إذ ليس كل من حسنت صحبته في الحضر، حسنت صحبته في السفر، وقال رجل لآخر إنه يعرفه، فقال له: هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: ما أراك تعرفه. ولا يجادل ولا يخاصم ولا يكثر المراء ولا يرفث بلسانه، وروينا عن بشر ابن الحرث قال: قال سفيان: من رفث فسد حجه.
وليتعلم أحكام المناسك ومعالم الحج وهيئاته، وآداب المشاهد قبل الخروج، وليكن ذلك أهم شيء إليه، وليقدمه على جميع أسباب السفر، فإن هذا هو المقصود والبغية، وليعد له رفيقًا صالحًا عالمًا محبًّا للخير معينًا عليه، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإن جبن شجَّعه، وإن عجز قوَّاه، وإن أساء ظنه وضاق صدره؛ وسع صدره وصبَّره، وحسَّن ظنه، ولا يخالف رفيقه، ولا يكثر الاعتراض عليه.
وليحسن خلقه مع جميع الناس، ويلين جانبه، ويخفض جناحه، ويكف أذاه عن الخلق، ويحمل آذاهم، فبهذه المعاني يفضل الحج، وإن يحج على رحل أو زاملة، فإن ذلك حج المتقين، وطريق السلف، يقال: حج الأبرار على الرحال. وحدث سفيان الثوري عن أبيه قال: برزت من الكوفة إلى القادسية للحج، ووافيت الرفاق من البلدان، فرأيت الحاج كلهم على زوامل وجوالقات ورواحل، وما رأيت في جميعهم إلا محملين، وقال مجاهد لابن عمر وقد دخلت القوافل: ما أكثر الحجاج، فقال: ما أقلهم، ولكن قل: ما أكثر الراكب، قال: وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحاج من الزوامل والمحامل يقول: الحاج قليل والركب كثير، ثم نظر إلى مسكين. رث الهيئة خفيف المؤنة، متقللًا من كل شيء، لا يحمل معه من الزاد إلا ما لا بد له منه مما يحتاج إليه، ولا يسرف في المبالغة والتناهي فيه، ولا يقتر ولا يضيق على نفسه ورفيقه، بل يستعمل الاقتصاد في كل شيء والكفاية، ويجتنب من الزي الحمرة فإن ذلك مكروه. وروي عن النبي J أنه كان في سفر فنزل أصحابه منزلًا فسرحت الإبل، فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب فقال: » أرى هذه الحمرة قد غلبت عليكم « قال: فقمنا نتساعى حتى نزعناها عن ظهورها؛ حتى شرد بعض الإبل.
ثم ليتجنب من الزي الشهرة، وكل منظور إليه من الأثاث، ولا يتشبه بالمترفين، ولا بأهل الدنيا من أهل التفاخر والتكاثر، فيكتب من المتكبرين، ولا يكثر التنعم والرفاهة، فإن ذلك غير مستحب في سبيل الله تعالى؛ لأن المشقة والظمأ والمخمصة واللأواء كلما كثر في سبيل الله كان أفضل وأثوب. حج رسول الله J على راحلة، وكان تحته رحل رث، وقطيفة خلقة، قيمته أربعة دراهم، وطاف على الراحلة لينظر الناس إليه، ويهتدوا بشمائله، وقال عليه الصلاة والسلام: »خذوا عنِّي مناسككم« وكان يقول: »لبيك اللهم لبيك، حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة« وقال: »لبيك إن العيش عيش الآخرة«.
وأمر J بالشعث والاختفاء، ونهى عن التنعم والرفاهة، في حديث فضالة بن عبيد. وفي الخبر: »إنما الحاج الشعث التفل يقول الله تعالى لملائكته: انظروا إلى زوار بيتي قد جاءوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق« وقال الله U: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (الحج: 29) التفث: الشعث والاغبرار، وقضاؤه حلق الرأس وقص الأظفار. وكتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: اخلولقوا واخشوشنوا، أي: ألبسوا الخلقان واستعملوا الخشونة من الأشياء، وبعض أصحاب الحديث يصحف هذه الحروف يقول: احلولقوا من الحلق، ولا يجوز أن يأمرهم بإسقاط سنة، كيف وقد قال لصبيغ حين توسم فيه مذهب الخوارج: اكشف رأسك، فرآه ذا ضفيرتين، فقال: لو كنت محلوقًا لضربت عنقك، ولينح مثال أهل اليمن في الزي والأثاث، فإن الاقتداء بهم والاتباع لشمائلهم في الحج طريقة السلف.
على ذلك الهدي والوصف كان رسول الله J وأصحابه، ومن عدا وصفهم وخالف هديهم فهو محدث ومبتدع، ولهذا المعنى قيل: زين الحجيج أهل اليمن؛ لأنهم على منهاج الصحابة وطريقة السلف، وقيل في مدحهم بالتقلل والانفراد: لا يغلون سعرًا ولا يضيقون طريقًا. وقد كان العلماء قديمًا إذا نظروا إلى المترفين قد خرجوا إلى مكة يقولون: لا تقولوا خرج فلان حاجًّا، ولكن قولوا خرج مسافرًا، ويقال: إن هذه المحامل والقباب أحدثها الحجاج بن يوسف، فركب الناس سنته، وقد كان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها.
وأخاف أن بعض ما يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما يحمل، ولعله عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول الشقة وقلة الطعام. وينبغي أن يقلل من نومه على الدابة، فإنه يقال: إن النائم يثقل على البعير، وقد كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا من قعود يغفون غفوة بعد غفوة، وكانوا أيضًا لا يقفون عليها الوقوف الطويل؛ لأن ذلك يشق عليها، وفي الحديث: » لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي « ولا يحمل على الدابة المكراة إلا ما قاض عليه الجمال أو ما أعلمه به، وقال رجل لابن المبارك: احمل لي هذا الكتاب معك، فقال: حتى أستأمر الجمال فإني اكتريت. ولينزل عن دابته غدوة وعشية، يروحها بذلك ففيه سنة وآثار عن السلف، وقد كان بعض السلف يكتري لازمًا، ويشترط أن لا ينزل، ثم إنه ينزل للرواح، ليكون ما فارقه عن الدابة من حسناته محتسبًا له في ميزانه.
وبعض علماء الظاهر يقول: إن الحج راكبًا أفضل، لما فيه من الإنفاق والمؤنة، ولأنه أبعد لضجر النفس، وأقل لأذاه، وأقرب لسلامته وتمام حجه، فهذا عندي بمنزلة الإفطار، يكون أفضل إذا أساء عليه خلقه، وضاق به ذرعه، وكثر عليه ضجره؛ لأن حسن الخلق وانشراح الصدر أفضل، وقد يكون كذلك لبعض الناس دون بعض، ممن يكون حاله الضجر ووصفه التسخط وقلة الصبر، أو لم يمكن المشي.
وسألت بعض فقهائنا بمكة – وكان ورعًا – عن تلك العمر التي تعتمر من مكة إلى التنعيم، وهو الذي يقال له مسجد عائشة وهو ميقاتنا للعمرة في طول السنة، أي ذلك أفضل: المشي في العمرة، أو يكتري حمارًا بدرهم يعتمر عليه؟ فيقال: يختلف ذلك على قدر شدته على الناس، فإن كان إنفاق الدرهم أشد عليه من المشي، فالاكتراء أفضل لما فيه من إكراه النفس عليه وشدته عليها، ومن كان المشي عليه أشق، فالمشي أفضل لما فيه من المشقة، ثم قال: هذا يختلف لاختلاف أحوال الناس من أهل الرفاهية والنعمة، فيكون المشي عليهما أشد. وعندي أن الاعتمار ماشيًا أفضل، وكذلك الحج ماشيًا لمن أطاق الحج ولم يتضجر به وكان له همة وقلب.
وقد روينا في خبر من طريق أهل البيت: » إذا كان في آخر الزمان خرج الناس للحج أربعة أصناف: سلاطينهم للنزهة، وأغنياؤهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة، وقراؤهم للسمعة « ويكره أخذ الأجرة على الحج، فيجعل نصيبه وعناه لغيره ملتمسًا عرض الدنيا، وقد كره ذلك بعض العلماء، ولأنه من أعمال الآخرة، ويتقرب به إلى الله يجري مجرى الصلاة والأذان والجهاد، فلا يأخذ على ذلك أجرًا إلا في الآخرة. وقد قال رسول الله J لعثمان بن أبي العاص: » واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا «. وسئل عن رجل خرج مجاهدًا فأخذ ثلاثة دنانير فقال: »ليس له من دنياه وآخرته إلا ما أخذ« فإن كان نية عبد الآخرة أو همته المجاورة واضطر إلى ذلك، فإن الله تعالى قد يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا، رجوت أن يسعه ذلك. وفي الخبر: يؤجر على الحجة الواحدة ثلاثة، ويدخلون الجنة: الموصي بها، والمنفذ للوصية، والحاج الذي يقيمها؛ لأنه ينوي خلاص أخيه المسلم، والقيام بفرضه. وقد جاء: مثل المجاهد الذي يأخذ أجرًا على جهاده، مثل أم موسى يحل أجرها، وترضع ولدها، هذا إذا كانت نيته الجهاد، واحتاج إلى معونة عليه، كذلك من كانت نيته في حجه الآخرة، والتقرب إلى الله تعالى بالطواف والعمرة بعد قضاء ما عليه، ولن يضره أخذ الأجرة على حجه إن شاء الله تعالى.
ومن فضائل الحج: أن لا يقوي أعداء الله الصادين عن المسجد الحرام بالمال، فإن المعونة والتقوية بالمال تضاهي المعونة بالنفس، والصد عن المسجد الحرام يكون بالمنع والإحصار، ويكون بطلب المال، فليحتل في التخلص من ذلك، فإن بعض علمائنا كان يقول: ترك التنفل بالحج والرجوع عنه، أفضل من تقوية الظالمين بالمال؛ لأن ذلك عنده دخيلة في الدين، ووليجة في طريق المؤمنين، وإقامة وإظهار لبدعة أحدثت من الآخذ والمعطي. وهذا كما قال؛ لأنه جعل بدعة سنة، ودخولًا في صغار وذلة ومعاونة على وزر أعظم في الحرم من تكلف حج نافلة قد سقط فرضه، كيف وفي ذلك إدخال ذلة وصغار على الإسلام والمسلمين مضاهاة للجزية.
================================
([1]) راجع كتاب (قوت القلوب) لأبي طالب المكي.
([ii]) راجع أيضًا كتاب: (هداية السالك إلى علم المناسك) للإمام المجدد أبي العزائم.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية