أخبار عاجلة

تدريس الفقه المذهبي في الجامعات حضوريًّا وافتراضيًّا وآثاره التربوية (1)

إنّ الفقه علمٌ كسائر العلوم، له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ، إلى ما هنالك. وهو يحتاج في دراسته إلى أركان العملية التعليمية التي لا يتم العلم إلا بها؛ وهي الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي.…

أ.د محمود إسماعيل محمد مشعل

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرفِ المرسلين، وإمام المتقين، ورحمة الله للعالمين، سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آل بيته المطهَّرين، وأصحابه المهديين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

وبعدُ: فهذه مقدمّة أتناول فيها بيان أهمية الموضوع، وسبب اختياره، وأهدافه، وبيان مشكلة البحث، وترتيب خطته.

أولاً: أهمية الموضوع

– إنّ الفقه علمٌ كسائر العلوم، له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ، إلى ما هنالك. وهو يحتاج في دراسته إلى أركان العملية التعليمية التي لا يتم العلم إلا بها؛ وهي الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي.

وأنّ طريق التعلُّم له درجات مختلفة كدرجات التعليم العام، ثم التعليم الجامعي، ثم الدراسات العليا بدرجاتها المختلفة. وله أيضًا أساليبه المختلفة للتمكن منه، بعضها نظريٌ وبعضها تطبيقي، وقد ينجح من وصل إلى مرتبة الحجة والمرجعية ولا يحسن التعامل مع الحياة، أو يحسن التعامل معها؛ كما قال أحمد شوقي في أواخر قصيدة كتابي:

وَكَم مُنجِبٍ فــي تَلَقِّ الدُّرو

سِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ([i])

– كما أنّ الشريعة الغرّاء عكَف عليها رجالٌ أفذاذٌ في شتى العصور- وخاصة قرون الخير الأولى – تفسيرًا وشرحًا وفهمًا واستنباطًا، أزالوا المشكل، ووضحوا المبهَم، وشرحوا الغريب، ووقفوا على روح الشريعة ومقاصدها، وقواعدها، واستنبطوا من نصوصها ما يجعل الشريعة مهيمنةً على كل ما يستجد من حوادث إما بسعة النص وشموله لها، أو بالبحث عن علة جامعة مشتركة بين ما نص عليه وما لم ينص عليه، أو سوى ذلك من مناهج الاجتهاد والاستنباط المختلفة، والتي تعددت واختلفت لأسباب متعددة منها:

– اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه.

– ومنها: سعة العلم أو ضيقه.

– ومنها: اختلاف البيئات وغير ذلك.

حتى تكوّنت جملة من المدارس الفقهية عٌرفت فيما بعدُ بالمذاهب، كُتب لبعضها الانتشار والذيوع وصار لها أتباع وأنصار، ومُكِّن لها في الحكم والفتوى والقضاء، وأُخرى أفلَ نجمها ولم تعد سوى أقوال مسطورة في بطون الكتب، لا يعرف بها إلا المختصون في الدراسات الشرعية.

– ومن المعلوم أنّ الفقه فرعٌ من فروع الشريعة، ويُعنى بدراسة العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، والحدود والجنايات، والقضاء ووسائل الإثبات، كما يُعنى بدراسة الأخلاق الفردية والاجتماعية التي يجب أن يتخلق بها المسلم، ويظن كثيرٌ من المدرسين أنّ الغاية من دَرسِ الفقه هي إيصال هذه المعلومات الفقهية إلى الطلاب حتى وإن لم يكن لها أثر في سلوك الطلاب وأخلاقهم. لكن إذا أردنا لدَرس الفقه أن ينجح فلا بد من التركيز على الجانب التربوي؛ لأنه مرتبط بفروع علوم الشريعة الأخرى([ii]).

– أنّ هناك مسارين في تدريس الفقه المذهبي لدى بعض الجامعات التي حرصت على جعله مقررًا دراسيًّا لطلابها؛ فالتدريس إما أن يكون حضوريًّا: يلتزم فيه الطلاب بالحضور إلى مبنى الكلية، لتلقِّي المحاضرة مشافهةً عن الأستاذ أو الشيخ، (وهذا هو الأصل)، وقد يكون افتراضيًّا – أو عن بُعدٍ – وهذ أمرٌ مستجَدّ.

فالافتراضية هي: ترجمة للمصطلح باللغة الإنكليزية: (Virtual)، وتعني أن الجامعة بما فيها من محتوىً وصفوفٍ ومكتبات، وأساتذة، وطلاب، وتجمعات، ومرشدين. إلى ما هنالك، جميعهم يشكّلون قيمة حقيقية موجودة فعلًا لكن تواصلهم يكون من خلال شبكة الإنترنت([iii]).

–  ولا شكّ أنّ مجالسة الأساتذة والشيوخ ومشافهتهم، والحضور بين أيديهم والأخذ عنهم، لها أثرٌ كبيرٌ في العلم والتربية والتَّرقي بالمتفقّه من صِغار العلم إلى كباره في المسائل والسلوك. يقول أبو إسحاق الشاطبي: “فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ يَقْرَؤُهَا ‌الْمُتَعَلِّمُ فِي كِتَابٍ، وَيَحْفَظُهَا وَيُرَدِّدُهَا عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَفْهَمُهَا، فَإِذَا أَلْقَاهَا إِلَيْهِ الْمُعَلِّمُ فَهِمَهَا بَغْتَةً، وَحَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا بِالْحَضْرَةِ، وَهَذَا الْفَهْمُ يَحْصُلُ إِمَّا بِأَمْرٍ عَادِيٍّ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالٍ، وَإِيضَاحِ مَوْضِعِ إِشْكَالٍ لَمْ يَخْطُرْ لِلْمُتَعَلِّمِ بِبَالٍ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَلَكِنْ بأمر يهبه الله للمتعلّم عِنْدَ مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ، ظَاهِرَ الْفَقْرِ بَادِيَ الْحَاجَةِ إِلَى مَا يُلْقَى إِلَيْهِ. وَهَذَا لَيْسَ يُنكَر؛ فَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: “إِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَمَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ o”([iv]).

وَحَدِيثُ حنظلة الأسيدي 0؛ حين شكا إلى رَسُولِ اللَّهِ o أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عِنْدَهُ وَفِي مَجْلِسِهِ كَانُوا عَلَى حَالَةٍ يَرْضَوْنَهَا، فَإِذَا فَارَقُوا مَجْلِسَهُ زَالَ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ o: [لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي؛ لَأَظَلَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا]([v]).

وَقَدْ قَالَ عُمر بْنُ الْخَطَّابِ: “وَافَقْتُ رَبِي فِي ثَلَاثٍ([vi])، وَهِيَ مِنْ فوائد مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ؛ إِذْ يُفتح لِلْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا لَا يُفْتَحُ لَهُ دُونَهُمْ، وَيَبْقَى ذَلِكَ النُّورُ لَهُمْ بِمِقْدَارِ مَا بَقُوا فِي مُتَابَعَةِ مُعَلِّمِهِمْ، وَتَأَدُّبِهِمْ مَعَهُ، وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِ؛ فَهَذَا الطَّرِيقُ نَافِعٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ”([vii]). ولكل ما تقدّم تأتي أهمية دراسة هذا الموضوع.

========================

([i]) سمات العصر، رؤية مهتم: أ.د/ علي جمعة محمد، (ص181)، دار الفاروق، الجيزة- مصر.

([ii]) تدريس الفقه: د. محمد القضاة، ضمن كتاب: المرجع في تدريس علوم الشريعة، (ص461)، دار الفيصل، الرياض، (1417هـ).

([iii]) التعليم عن بُعد، فلسفته وأنماطه ومستقبله: د. مصطفى رجب، (ص234)، دار الوراق- الأردن، (2003م).

([iv]) جاء عند أحمد، (13312) وغيره، من حديث أنس 0: قَالَ: “لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ o الْمَدِينَةَ، ‌أَضَاءَ ‌مِنَ ‌الْمَدِينَةِ كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ o، أَظْلَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا فَرَغْنَا مِنْ دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا” (21/35).

([v]) هذا لفظ الترمذي، (رقم 2452)، وعند مسلم: برقم (2750) بلفظ: [والذي نفسي بيده؛ لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة].

([vi]) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة، (402)، صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر 0، رقم (2399).

([vii]) الموافقات: لأبي إسحاق الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)، (1/145)، دار ابن عفان، (1997م).

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …