أخبار عاجلة

حين تبنى الإرهابيون المعنى الخاطئ للمقاومة

خلاصة التجربة المحمدية هي أنه مثلما قضى النبي على الشرك قضى على العصبية (وإن ظلت تطل برأسها أحيانًا)، بسيرته وجهاده الحق أولًا، وبإشاعة قيم المساواة والإخاء ثانيًا، وليس كما يفعل الدواعش وإخوانهم اليوم في بلادنا العربية المبتلية بهم منذ 2011م! وحتى يومنا هذا (2026م) …حفظ الله مصر منهم ومن فهمهم الخاطئ للإسلام والمقاومة…

د. رفعت سيد أحمد

ابتلى الله بلادنا العربية منذ 2011م وحتى اليوم (2026م) بقوى التكفير والدم بزعامة الدواعش والإخوان والآن العشائر في سوريا، وتعددت الأسماء وبقي جوهر دعوتهم وإستراتيجيتهم القائمة على التكفير والفوضي والدم؛ هي السائدة.

ومن بين المفاهيم الخاطئة التي بنى عليها هؤلاء الإرهابيون عقيدتهم الدامية مفهوم (المقاومة)؛ وبدلًا من أن يقاوموا إسرائيل ويردوا حرب الإبادة التي تشنها على جيرانها منذ بدء (طوفان الأقصى 2023م) وحتى اليوم.. صاروا يقاومون الجيوش الوطنية ويقتلون الأقليات (نموذج لهم ما يجري اليوم في سوريا) وينشرون الفوضى الداخلية وكأنهم يخدمون وبشكل أساسي المخطط الأمريكي – الإسرائيلي!.

بداية ينبغي التأكيد على أن الدين الإلهي واحد في خطابه وتبشيره، ونستطيع أن ندلل على ذلك بكثير من الأمثلة والآيات في كل الكتب المقدسة، فكل الرسالات ترفض الظلم وحرمان الإنسان من حريته، ويأبى الاستبداد والاستعداء من داخل النفس وخارجها..

ولعل أصدق ما قيل في الأديان العالمية أنها ثورات واسعة؛ ولا تقاس السعة في هذه الثورات بامتداد المكان ولا بكثرة العدد؛ لأنها أوسع ما تكون إذا نشبت في داخل النفس الإنسانية وكانت القوة الثائرة والقوة المتغلبة فيها مملكة واحدة هي مملكة الضمير.

ولأن مصادر الشرائع واحد فإن كل مفردات الثورة تتماثل سواء في الملكوت الذي بشر السيد المسيح A، أو الفردوس الذي نادي به سيدنا محمد o، أو ما نادي به سيدنا إبراهيم A من قبلهما بالحنيفية، بعد أن جعله الله أبًا لجمهور من الأمم، حيث لا يمكن الوصول إلى هذه المراتب إلا بالثورة ودفع العدوان والظلم وكبح الأثرة لترك الإنسان على فطرته وحريته واختياره، هي ثورة الضمير إذن، وهى المقاومة المثالية في أعلى صورها؛ لأنها تقاوم النفس كما تقاوم العدوان على الأرض، تقاوم الاستعلاء والاستكبار والاحتلال كما تقاوم الخنوع والضعف والاستكانة.

والإسلام ثورة طبعًا ليس مثل ثورات الإخوان والدواعش التي تدعو إلى العبث وتدمير الأوطان ونشر التكفير والفوضى في الوطن الواحد.. إن الاسلام ثورة للسمو بكل ما في الثورة من مفردات المقاومة والتحدي، وثورية الإسلام هي السبب الرئيس في استمرارية وجود الإسلام، ودولة الإسلام التي أسسها النبي لم تعرف الظلم ولا القهر، فالقرآن وحده الذي يستطيع أن يبنى دولة لا تعرف الاضطهاد ولا الظلم.

إن مقولة طلب العدل تعني مقاومة الظلم، وطلب الأريحية تعنى مقاومة الأثرة وأهواء النفس، ويعنى ذلك كله الثورة ضد الأوضاع المقلوبة، والأفكار النرجسية.

الإسلام هو دين التوحيد المطلق، الدين الذي اعترف بالألوهية المطلقة الكاملة لله I، فليس في الله عند المسلم شبهة نقص ولا شبهة مماثلة للكون أو الماديات أو الكائنات الفانية أو المتحولة، فالله سبحانه خلق الإنسان في أحسن تقويم.

 

هذا هو جوهر فكرة التوحيد عند التطبيق أو الممارسة في حياة البشر: نزع الألوهية عن الناس، وبذلك يتساوى البشر جميعًا في الآدمية بالعجز والقصور والفناء والهلاك والإهلاك، وهو عكس ما يدعو له الدواعش والإخوان من شبه تأليه لمرشدهم أو أميرهم المزعوم!…

إن التوحيد حرر العقل والإنسان المسلم، وحمل المسلم مسئولية التفريط في تلك الحرية، فالتفريط فيها يعنى العودة إلى ما قبل الرسالة التي جاء بها النبي والقرآن.

لقد وضح القرآن هذه الحقيقة – التي ينكرها الدواعش القدامى والمعاصرون – عندما تحدث عن الأقوام الذين ظلموا الرسل وظلموا أنفسهم وظلموا الناس وقيدوا حريتهم وقراراتهم )وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ( (هود: 102).

نرى أن الله سبحانه يأخذ الذين ظلموا بقانون الانتقام الدنيوي للجماعات عندما تتزايد حالة الانحراف وتتزايد الذنوب، وكلف الإنسان بالحرص والدفاع عن حريته وكرامته، وهى مسئولية البشر وليس مسئولية الدواعش كما يفعلون في بلاد الشام وغيرها!!.

كذلك نجد أن القرآن الكريم حدد بصراحة أن قانون الاختلاف يحكم البشر ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: 118،  119) القرآن الكريم عندما اعترف باختلاف البشر، اعترف ضمنًا بحرية هؤلاء البشر في الاختيار حتى بين الإيمان والكفر، منذ شاءت إرادة الله هذا التنوع لكي يتعارف البشر ويتعاونون فيما بينهم، فالقرآن إطلاقًا لم يبشر بوحدة الجنس البشرى في عقيدة واحدة، والإسلام جاء ليحمى هذا التمايز لإقرار حق البشر في الاختلاف، ومجاهدة كل من يرغم البشر على أي فكرة.

إن النبي o ظل يدعو قومه ثلاث عشرة سنة كاملة متحملًا ومعه صحابته الإيذاء والنفي صابرًا، وبعد تأسيس الدولة في المدينة لم يقم مطلقًا بشن حرب ضد القرشيين رغم العداوة السافرة التي أبداها أهل مكة وأحلافهم للدين الجديد، لا يكتم المشركون أنهم عقدوا النية على الإيقاع بسيدنا محمد وأصحابه، فكانت حروب بدر وأحد والخندق، جميعها بدأت من المشركين، أما قبائل الجزيرة العربية لم يحاربها الرسول؛ إلا بعد أن بادروا بالعدوان كما حدث من قبل قبائل اليهود، فهذا هو حق السيف كما استخدمه الإسلام في أشد الأوقات حاجة إليه.

إن حق السيف مرادف لحق الحياة، وعندما أوجبه الإسلام فإنما أوجبه؛ لأنه مضطر إليه أو مضطر إلى التخلي عن حقه في الحياة وحقه في حرية الدعوة والاعتقاد، فإن لم يكن درءًا للعدوان والافتئات على حق الحياة وحق الحرية فالإسلام دين السلام وليس كما يذهب الإخوان والداعشيون إلى أن الإسلام دين حرب؛ والغريب أنها حرب على المسلمين والجيوش الوطنية في عقيدتهم المنحرفة فقط!!.

ولعل خلاصة التجربة المحمدية هي أنه مثلما قضى النبي على الشرك قضى على العصبية (وإن ظلت تطل برأسها أحيانًا)، بسيرته وجهاده الحق أولًا، وبإشاعة قيم المساواة والإخاء ثانيًا، وليس كما يفعل الدواعش وإخوانهم اليوم في بلادنا العربية المبتلية بهم منذ 2011م! وحتى يومنا هذا (2026م) …حفظ الله مصر منهم ومن فهمهم الخاطئ للإسلام والمقاومة.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (38)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …