لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود مما خلقه في الأرض والسماء وما فيهما، خلقه الله ليعمر به ملكه وملكوته، وجعله خليفة عنه في أرضه، والخليفة في الأرض هو سيد مَن في الأرض ومَن في السماء، وجعل له ملك الأرض مقرًّا للإقامة ومستقرًّا له بعد موته، ثم ينشئه النشأة الثانية، فيمنحه الملك الكبير.
لذلك ابتلاه الله تعالى بأن سخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وصرَّفه تصريف الربوبية في المُلْك، فكل ما في المُلْك والمَلَكُوت مسخَّر له بإذنه تعالى.
السيد أحمد علاء أبو العزائم
نائب عام الطريقة العزمية
بقية: مرحلة جديدة لإصلاح المجتمع بعد بعثة النبي
أهل الإيمان يمتلكون القوة الإيمانية والصبر والعزيمة:
هؤلاء الرجال الذين آمنوا وإن كان الكثير منهم ضعفاء؛ إلا أنهم كانوا قوة ضاربة في وجه أهل الكفر، فزلزلوا بقوة إيمانهم عروش أهل الطغيان من أهل الجاهلية الأولى.
وبدأ يجتمع حول حضرة النبيّ o صفوة المجتمع الـرافـضـيـن لأعمال الجاهلية؛ بمجرد أن شهدوا شعاعًا من النور يخلص المجتمع من هذا الظلام.
إلا أنه – ومع بدء انتشار الخبر بظهور الفئة المؤمنة – خاف أهل الكفر على عروشهم وعبيدهم ومصالحهم القائمة على الظلم والتسلط، فبدأت المقاومة منهم ليطفئوا نور الله؛ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
فكان أهل الإيمان – مع قلتهم وضعف شوكتهم – يمتلكون من القوة الإيمانية والصبر والعزيمة ما جعلهم يتصدون لهذه المقاومة بثبات؛ حتى وإن فقدوا أرواحهم وأموالهم وأهليهم نصرة لقضيتهم الحقة.
أبو بكر أول خطيب دعا إلى الله ورسوله:
ومما أورده الإمام المجدِّد السيد محمد ماضي أبو العزائم: ألح الصِّدِّيق على النبيّ المصطفى o أن يظهر بالصحابة في المسجد الحرام، وقال رسول الله: (يَا أبَا بَكْر إنَّا قَلِيل)، فلم يزل به حتى خرج ومن معه من الصحابة 7.
وقام أبو بكر خطيبًا ورسول الله o جالس، ودعا إلى الله ورسوله؛ فهو أول خطيب دعا إلى الله ورسوله.
فثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين يضربونهم، وَوُطِئ الصِّدِّيق بالأرجل، وصار عتبة بن ربيعة يضرب الصِّدِّيق بشدة بنعلين مخصوفتين على وجهه رضي الله تعالى عنه؛ حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه.
فجاءت بنو تيم – قبيلة أبي بكر – يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وأدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعوا فدخـلـوا الـمـسجد فقالوا: والله لـئـن
مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، ثم رجعوا إلى الصِّدِّيق وجعلوا يكلمونه وهو لا يجيب.
حتى إذا كان آخر النهار تكلم وقال: ما فعل رسول الله o فعذلوه، فصار يكرر ذلك، فقالت أمه: والله ما لي بصاحبك علم، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب – أخت عمر رضي الله عنه -، فإنها كانت أسلمت، وهي تخفي إسلامها، فاسأليها عنه، فخرجت إليها وقالت: إن أبا بكر يسأل عن محمد، فقالت: لا أعرف محمدًا ولا أبا بكر.
ثم قالت لها: تريدين أن أخرج معك؟، قالت: نعم، فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر فوجدته صريعًا، فصاحت وقالت: إن قومًا نالوا منك لأهل فسق، وإني لأرجو الله أن ينتقم منهم.
فقال أبو بكر لابنة الخطاب: ما فعل رسول الله o؟ فقالت له: هذه أمك تسمع، قال: فلا عين عليك منها – أي لأنها لا تفشي سِرَّك – قالت: سالم، فقال: أين هو؟، فقالت: في دار الأرقم بن أبي الأرقم.
فقال: والله لا أذوق طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى آتي رسول الله o.
قالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس فخرجنا به يتكئ عليّ، حتى دخل على رسول الله o فرَقَّ له رقة شديدة وأكب عليه يقبله، وأكب عليه المسلمون كذلك.
فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي، وفي رواية: زال عني كل ألم برؤيتك يا رسول الله، وهذه أمي برة بولدها فعسى الله أن ينقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله o ودعاها إلى الإسلام فأسلمت. “النجاة في سيرة سيدنا رسول الله o”.
ابن مسعود والجهر بالقرآن
ولم يكن مثل تلك الأحداث لتهز جبل الإيمان في قلوب المسلمين؛ بل على العكس تزيدهم إصرارًا وتمسكًا، ولا أدل على ذلك مما حدث مع ابن مسعود 0.
يقول الإمام أبو العزائم: ومما وقع لابن مسعود رضي الله تعالى عنه من الأذية؛ أن أصحاب رسول الله o اجتمعوا يومًا فقالوا: والله ما سمعت قريش القرآن جهرًا إلا من رسول الله o فمن فيكم يسمعهم القرآن جهرًا؟، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنا، فقالوا: نخشى عليك منهم؛ إنما نريد رجلًا له عشيرته يمنعونه من القوم. فقال: دعونى فإن الله سيمنعني منهم.
ثم إنه قام عند المقام وقت غروب الشمس، وقريش في أنديتهم فقال: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ – رافعًا بها صوته – )الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ …( واستمر فيها، فتأملته قريش وقالوا: ما بال ابن أم عبد؟!، فقال بعضهم: يتلو بعض ما جاء به محمد.
ثم قاموا إليه يضربون وجهه وهو مستمر في قراءته، حتى قرأ غالب السورة، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أدمت قريش وجهه، فقال له أصحابه: هذا الذي خشينا عليك منه، فقال: والله ما رأيت أعداء أهون علَيّ مثل اليوم ولو شئتم لآتيتهم بمثلها غدًا، قالوا: لا، قد أسمعتهم ما يكرهون.
شدة الإيذاء من المشركين:
وغير ذلك نماذج كثيرة من الإيذاء، كما وقع لبلال وآل ياسر وغيرهم، وضربوا بذلك المثل الأعلى في الصبر والمصابرة.
كل ذلك ورسول الله o ينشر دعوته بخطوات ثابتة ليخرج العالم من الظلمات إلى النور، ويزداد حوله المؤمنون يومًا تلو الآخر، حتى فاض الكيل بشدة الإيذاء من المشركين.
الجهر بالدعوة:
بعد ثلاث سنوات من الدعوة إلى الله في السر بدأت مرحلة جديدة في الدعوة الإسلامية، إذ جاء الأمر من الله تعالى بإعلان شأن الدعوة الإسلامية فقال سبحانه وتعالى: )فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ( [الحجر: 94].
وكانت بداية الإعلان لذوي القربى فقال سبحانه: )وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ( [الشعراء: 214]، فلما جاء الإذن بإنذار الأقربين دعا رسول الله o الإمام عليًّا A ليخبره بما جد في الأمر من حدث.
يقول الإمام عليّ A: لما نزلت هذه الآية على رسول الله o: )وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ( دعاني رسول الله o فقال لي: (يا عَلِيّ، إنَّ اللهَ أَمَرَنِي أنْ أُنذِرَ عَشِيرَتِي الأقْرَبِين …. فاصْنَعْ لَنَا صَاعًا مِن طعامٍ، واجعل عليه رِجْل شاةٍ، وامْلَأْ لَنَا عُسًّا مِن لَبَنٍ، – أي قدحًا كبيرًا من لبن -، ثُمَّ اجْمَعْ لى بَنِي عبدِ المطلبِ حَتَّى أُكَلِّمهم وأبلِّغهم مَا أُمِرْتُ بِهِ).
وجرى الإعداد لذلك اللقاء، وجاء القوم فامتلأت الدار ببني عبد المطلب، فلما اكتمل الجمع أشار النبي o إلى الإمام عليّ وقال له: (هَلُمَّ طَعَامَك).
فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمس، ثم قال o للإمام عليّ: (اسْقِهِمْ)، فطاف عليهم بإناء فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يُمس أو لم يُشرب.
ثم قام o عن مكانه ليحدّث القوم، وجلس الإمام عليّ صامتًا يسمع، وتكلم النبيّ o وقال: (يَا بَنِي عبدِ المطلبِ إنِّي بعثتُ إليكُم بِخَاصَّةٍ وإلَى النَّاسِ بِعَامَّةٍ، وقد رأيتُم من هذهِ الآيةِ ما قد رأيتُم، فأيُّكُم يُبَايِعُنِي عَلَى أَن يكونَ أَخِي وَصَاحِبِي وَوَارِثِي وَوَزِيرِى؟) فلم يقم إليه أحد.
فقام إليه الإمام عليّ A – وكان أصغر القوم سنًّا -، فقال له o: (اجْلِسْ)، فعل ذلك ثلاث مرات.
ثم لما لم يقم أحد إلى رسول الله قال الإمام عليّ لرسول الله o: “لا يحزنك واللهِ إعنات القوم فعليهم ضلالتهم، وإني أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على من حاربت”، فضرب o بيده على يدي الإمام عليّ A ثم قال: (أنتَ أخِي وَصَاحِبِي وَوَارثِي وَوَزيرِي)، وأعرض القوم عن رسول الله o ساخرين.
وقد كانت تلك الكلمات بمثابة كشف لما تحمله الأيام للإمام عليّ كرم الله وجهه، فكان حقًّا أخاه وصاحبه ووارثه ووزيره …
ومن ذلك أنه من بداية الدعوة كان الإمام عليّ ملازمًا لرسول الله o، فلا يُخفى عنه رسول الله o شيئًا، حتى وهو o في خلوته.
فعن عبد الله بن نجي قال: سمعت عليًّا يقول: “كنت أدخل على نبي الله o فإن كان يصلي سبّح فدخلت، وإن لم يكن يصلي أذِن لي فدخلت”.
وقال A: “كانت لي ساعة من السَّحَر أدخل فيها على رسول الله o، فإن كان في صلاته سبّح فكان ذلك إِذْنه لي، وإن لم يكن في صلاته أَذِن لي”.
وكان A كما وصفه رسول الله في قوله: (أَنتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى؛ إلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) “صحيح مسلم”.
أبو طالب يدافع عن رسول الله o
ذكر ابن إسحاق أن رسول الله o لما أن أعلن الإسلام في قومه – كما أمره الله – لم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوتهم؛ إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل…
وعندها رق أبو طالب إلى رسول الله o فقام دونه ولم يسلمه لهم، ومضى رسول الله o على أمر الله مظهرًا لأمره، فلما رأت قريش ذلك من أبي طالب ذهب رجال من قريش إلى أبي طالب ليعاتبوه لأنه لم يسلمهم رسول الله o، فقال لهم أبو طالب قولًا رفيقًا، وردهم ردًّا جميلًا، فانصرفوا عنه.
مجلة الإسلام وطن موقع مشيخة الطريقة العزمية