أخبار عاجلة

فقه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم – قدَّس الله سرَّكم، ونفعنا الله بكم، وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع – نرجو من سماحتكم التكرم ببيان فقه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع ذكر فضائل النطق واليقين بها..

فأجاب سماحته قائلاً:

 فقه شهادة ألا إله إلا الله

يا بني: اعلم أن شهادة ألا إله إلا الله هي ما أجمع عليها أئمة الهدى من السلف الصالح من أهل العلم بالله تعالى، والخشية من جنابه I، وهي أول فرض فُرِضَ على المؤمنين؛ لأن أول واجب أجمع عليه السلف الصالح هو شهادة التوحيد، ووصف فضائلها، وهي شهادة المقربين، وشهادة الرسول J.

قال الله تعالى لرسوله J: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ( (محمد: 19)، وقال لعباده المؤمنين يأمرهم بمثل ذلك: )فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لَّا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ( (هود: 14)، ففرض التوحيد هو اعتقاد القلب أن الله تعالى واحد، لا من عدد، وأول لا ثاني له، موجود لا شك فيه، وحاضر لا يغيب، وعالم لا يجهل، قادر لا يعجز، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه، سميع بصير، ملك لا يزول ملكه، قديم بغير وقت، آخر بغير حد، كائن لم يزل ولا تزال الكينونة صفته، لم يحدثها لنفسه، دائم أبد الأبد، لا نهاية لدوامه، والديمومة وصفه غير محدثها لنفسه، لا بداية لكينونيته ولا أولية لقدمه، ولا غاية لأبديته، آخر في أوليته، أول في آخريته، وأن أسماءه وصفاته وأنواره غير مخلوقة له ولا منفصلة عنه، وأنه أمام كل شيء، ووراء كل شيء، وفوق كل شيء، ومع كل شيء، وأقرب إلى كل شيء من نفس الشيء، وأنه مع ذلك ليس محلًّا للأشياء، وأن الأشياء ليست محلًّا له، وأنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، الجو وجه، والفضاء من ورائه، والهواء وجه، والمكان من ورائه، والحول وجه، والبعد من ورائه، وهذه كلها حجب مخلوقات من وراء الأرضين والسموات متصلات بالأجرام اللطاف، ومنفصلات عن الأجسام الكثاف – من الكثافة – وهو أماكن لما شاء، داخلة في قوله: )وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ( (الذاريات: 49).

وهي داخلة في قوله J: (رَبَّنَا لَكَ ٱلْحَمْدُ مِلْءَ ٱلسَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ ٱلأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ).

والله Y وعظم شأنه هو ذات منفرد بنفسه، متوحد بأوصافه، لا يمتزج ولا يزدوج إلى شيء، بائن من جميع خلقه، لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه من ذاته شيء، ليس في الخلق إلا الخلق، ولا في الذات إلا الخالق: )فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ( (المؤمنون: 14).

وأنه تعالى ذو أسماء وصفات، وقدرة وعظمة، وكلام ومشيئة وأنوار كلها غير مخلوقة ولا محدثة، بل لم يزل قائمًا موجودًا بجميع أسمائه وصفاته وكلامه وأنواره وإرادته، وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت، له الخلق والأمر والسلطان والقهر، يحكم بأمره في خلقه وملكه ما شاء كيف شاء، لا معقب لحكمه، ولا مشيئة لعبد دون مشيئته، إن شاء شيئًا كان، ولا يكون إلا ما شاء، لا حول لعبد عن معصية إلا برحمته، ولا قوة لعبد على طاعته إلا بمحبته، وهو واحد في جميع ذلك لا شريك له ولا معين في شيء من ذلك، ولا يلزمه إثبات الوعيد بل المشيئة إليه في العفو، ولا يجب عليه في الأحكام ما أجرى علينا ولا يختبر بالأفعال ولا يشار بالمقال، حكيم عادل بحكمة وعدل هما صفتاه، لا تشبه حكمته بحكمة خلقه، ولا يقاس عدله بعدل عباده، ولا يلزمه من الأحكام ما ألزمهم، ولا يعود عليه من الأسماء المذمومة كما يعود عليهم، قد جاوز العقول وفات الأفهام والأوهام والمعقول.

هو كما وصف نفسه وفوق ما وصفه خلقه، نَصِفُهُ بما ثبتت به الرواية وصحت عن رسول الله J، وأنه ليس كمثله شيء في كل شيء بإثبات الأسماء والصفات، ونفي التمثيل والأدوات، وأنه I لم يزل موجودًا بصفاته كلها ولم تزل له، وأن صفاته قائمة به لم تزل كذلك، ولا يزال بلا نهاية ولا غاية ولا تكييف ولا تشبيه ولا تثنية. بل بتوحيد هو متوحد به، وتفريد هو منفرد به، لا يجري عليه القياس، ولا يمثل بالناس، ولا ينعت بجنس، ولا يلمس بحس، ولا يجنس بشيء، ولا يزدوج إلى شيء، وأن ما سوى أسمائه وأنواره وكلامه من الملك والملكوت، محدث كله، ومظهر حدث بعد أن لم يكن، ولم يكن قديمًا ولا أول بل كان بأوقات محدثة، وأزمان مؤقتة.

والله تعالى هو الأزلي الذي لم يزل، الأبدي الذي لم يحل، القيوم بقيومية هي صفته، الديموم بديمومية هي نعته، أول بلا أول، ولا عن أول، آخر لا إلى آخر بكينونة هي حقيقته، أحد صمد لم يلد؛ وبمعناها لم يولد، ومعنى ذلك لم يتولد هو من شيء، ولم يتولد منه شيء، ومثل ذلك لم يخلق من ذاته شيء كما لم تخلق ذاته من شيء، I عما يقول الملحدون من ذلك علوًّا كبيرًا.

هذا ما انطوى عليه القلب من علم كلمة (أشهد أن لا إله إلا الله) الذي فرضه الله على المؤمنين، بنص كتابه كما تقدم في الآية، ومتى تحقق القلب باليقين بها باشره حق اليقين، فشهد من مشاهد التوحيد، وبدائع حكمة الحكيم، عجائب تصرف قدرة القادر، وأنوار غيب الواحد الأحد؛ ما يعجز عنه البيان، ويقصر عن إدراكه العقل، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء، ومتى وهب شرح الصدر، وصفى الخيال.

فقه شهادة أن محمدًا رسول الله J

قال الله تعالى في محكم تنزيله: )وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ( (آل عمران: 81)، وقال U: )مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ( (النساء: 80)، وقال سبحانه: )إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ( (الفتح: 10)، ففرضها علينا أن نشهد أن محمدًا رسول الله J، خاتم الأنبياء لا نبي بعده، وكتابه خاتم الكتب لا كتاب بعده، وهو مهيمن على كل كتاب، ومصدق لما سلف من الكتب قبله، وأن شريعته ناسخة للشرائع، قاضية عليها، إلا ما أقره كتابه ووافقه، وكتابه شاهد على الكتب، وحاكم عليها، وأنه هو الذي بشر به عيسى A أمته، وهو الذي أخبر به موسى A أمته، وهو المذكور في التوراة، والإنجيل، وسائر كتب الله U المنزلة، وهو الذي أخذ ميثاق النبيين أن يؤمنوا به، وينصروه لو أدركوه، فأقروا بذلك وشهد الله تعالى على شهادتهم، وهو الذي أخذت الأنبياء شهادة الأمم على الإيمان به، وأمرتهم بتصديقه، وأخبرتهم بظهوره، وأن موسى وعيسى C لو أدركاه لزمهما الدخول في شريعته، وأن بقية بني إسرائيل من اليهود والنصارى كفرة بالله، لجحودهم رسالته، وأن إيمانهم بكتابه مفترض عليهم مأمور به في كتبهم، وعلى ألسنة رسلهم، وأن طاعته ومحبته فريضة واجبة على الكافة، كطاعة الله تعالى، واتباع أمره، واجتناب نهيه، مفترضان على الأمة إيجابًا أوجبه الله تعالى له، وفرضًا افترضه على خلقه متصلًا بفرائضه.

فضائل النطق واليقين بها

قال تعالى: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ( (آل عمران: 31)، وقال الرسول J: (لًا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ)([1])، وقال J: (لَوْ أَدْرَكَنِي مُوسَى بن عمران مَا وَسِعَهُ إِلَّا ٱتِّبَاعِي)([2]).

وقال الله تعالى في تحقيق المحبة: )يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ( (الحشر: 9) ثم قال تعالى: )وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( (الحشر: 9)، فمن محبة الرسول J إيثار سننه على الرأي والمعقول، ونصرته بالمال والنفس والقول، وعلامة محبته اتباعه ظاهرًا وباطنًا، فمن اتباعه ظاهرًا أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بشمائله وآدابه، والاقتفاء لآثاره، والتحسس عن أخباره، والزهد في الدنيا والإعراض عن أبنائها، ومجانبة أهل الغفلة والهوى، والترك للتكاثر والتفاخر من الدنيا، والإقبال على أعمال الآخرة، والتقرب من أهلها، والحب للفقراء، والتحبب إليهم، وتقريبهم وكثرة مجالستهم، واعتقاد تفضيلهم على أبناء الدنيا، ثم الحب في الله للقريب المحب، وهم العلماء والعباد والزهاد، والبغض في الله للبعيد المبغض، وهم الظلمة المبتدعة والفسقة المجاهرون، ومن اتباع حاله في الباطن مقامات اليقين، ومشاهدات علوم الإيمان مثل: الخوف والرضا، والشكر والحياء، والتسليم والتوكل، والشوق والمحبة، وإفراغ القلب لله، وإفراد الهمِّ بالله، ووجود الطمأنينة بذكر الله، فهذه علامات الخصوص وبعض معاني باطن الرسول J، وهو من اتباعه ظاهرًا وباطنًا، فمن تحقق بذلك فله من الآية نصيب موفور، أعني قوله تعالى: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ( (آل عمران: 31).

وقد كان سهل يقول: علامة المحبة لله اتباع الرسول، وعلامة اتباع الرسول J الزهد في الدنيا. وقال أيضًا في تفسير قوله: )وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم( (النساء: 69).

قال: يطع الله في فرائضه، والرسول في الدخول في سننه، فإذا اجتنب العبد البدع، وتخلق بأخلاق الرسول J، فقد اتبعه وقد أحب الله تعالى، وكان معه J غدًا مرافقًا في منزلته.

==========================

([1]) صحيح البخاري 1/12 ح15.

([2]) مسند الإمام أحمد بن حنبل 23/349 ح15156 بلفظ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِيِ).

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (19)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …