أخبار عاجلة

الواصل والوصول

سماحة مولانا الإمام المجدد حجة الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم، ونفعنا الله بكم، وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع، لقد أكرمنا الله تعالى بقراءة كتابكم (أصول الوصول لمعية الرسول)، فنرجو من سمحتكم التكرم بتعريف الواصل وتعريف الوصول، والفرق بين الوصل والفصل؛ حتى ننتفع بخيري الدنيا والآخرة.

فأجاب سماحته قائلاً:

الواصل

يَا بُنَىَّ:

1- الواصل: هو الإنسان الكامل، مشكاة الأنوار، مجمل بالمعاني المحمدية، شجرة زيتون المثال، ومصباح أنوار البيان، وروح الكل في الكل، إليه اشتاق رسول الله J، وهو القريب، الغريب جسمه بين الناس، وقلبه معلق بالرفيق الأعلى، أرضي مبنًى وعملًا، سماوي علمًا وحالًا، حجبت عن الأبصار معانيه، وصعبت على السالكين مراقيه.

2- الواصل: هو الكامل في الحضرتين، لا يقهر برزخه كثائف أمواج المشهد العلي؛ فيتيه في بادية الغلو، ولا يقهر مشهده العلي دخان البشرية؛ فيحجبه عن منازل الأخيار، قال تعالى: )بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ( (الرحمن: 20).

3- الواصل: صورة الرحمن، وهو في الحقيقة، الإنسان كملت مبانيه؛ فصحت معانيه، ولاحت معاليه، كشف الحجاب له عن حقيقته؛ فكان وهو في المقام العلي كأنه في حمئه المسنون، أو في قراره المكين، يشهد حقيقته ذلًّا واضطرارًا، ومسكنةً وافتقارًا، وجهوليته، وظلوميته؛ فتلوح أنوار المتجلي، له فيه به، والمراتب محفوظة، والمراقي مشهودة، والمعاني ملحوظة.

4- الواصل: هو من كمل إيمانه، وتناول شراب الإحسان؛ فكان مشاهدًا للحق، أو متيقنًا أنه مشهود من الله.

5- الواصل: الواصل في كل طرفة عين يمد بفيض إلهي وفتح رباني )وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا( (إبراهيم: 34)، وهذا سبب قولهم: الكامل لا يتقيد.

6- الواصل: الواصل حقًّا من توحَّد مطلوبه، ورضي بما قدره محبوبه.

7- الواصل: مقرب إلى الله بتقريبه، فرح بفضل الله عليه، ورحمته به.

8- الواصل: لا يشهد غيرًا، ولا تميل نفسه إلى سوًى، فهو فانٍ به فيه عن شهود الأعمال والعبادات، ومتى شهد لنفسه عملًا، وتيقن أنه طالب له بعبادته وبطاعته؛ فهو محجوب عن الحقائق الإلهية، وإلا فمتى يوحد من شهد نفسه، أو أثبت له عملاً، وليس في الكون أثر لغيره.

9- الواصلون إلى الله: لا يتقيدون لسرعة تنقل التجليات الإلهية، وانفعالهم بخواص الأسماء ومظاهر الصفات، فقد يكون الواصل في مشهد جمال بظهور اسم من أسماء الجمال، فيشتد الظهور ويقوى الشهود، فينتقل من مشهد جمال صرف إلى مشهد جلالي جمالي؛ فيندهش، وينتقل بسرعة من حال إلى حال ، ولذلك فأهل الله يدعون بأصحاب الأحوال.

10- الواصل: هو من فاز بمعية رسول الله J بأوصافها المذكورة في آخر الفتح، فتفضل الله عليه بمعيته سبحانه، فكان مع رسول الله J اتحادًا بالسمع، والطاعة، والانقياد، والعمل بالعزائم قلبًا وجسمًا، وكان مع الله وجدًا وشهودًا، فلا يرى نفسه خاليًا أبدًا، وإن كان في كهف في جوف الليل لرعايته لقوله تعالى: )وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ( (الحديد: 4).

11- الواصل: ما رجع من رجع إلا من الطريق، والواصل لا يرجع.

الوصول

1- الوصول: ليس الوصول تلذذًا بالأعمال، وتجملًا بالأحوال، إنما الوصول معرفتك نفسك ، وعلمك مرتبتك، وتحققك بفاقتك، واضطرارك له.

2- الوصول: هو إضافة الأعمال، والآثار، والمظاهر كلها، إلى الواحد المنزه عن الشريك والمعين؛ حتى يفنى عن المشاهدات والمشهودات، والنسبة إلى نفسه، والنظر إلى إضافة الأعمال والتوفيقات إلى نفسه، أو إلى غير الواحد الأحد.

3- الوصول: نور المشاهدات.

4- الوصول: وجدان باعث الوله إلى التخلق بأخلاق الربوبية، بعظيم المجاهدة في التخلى عن الفطر، والأخلاق الحيوانية، والإبليسية، مع اللذة بالآلام والطرب عند فوات ما يلائم تلك القوى مما حرصت على نيله، وبذله عند نواله فرحًا بمفارقته، مسرورًا بما استعاضه عنه؛ حتى تنمو المشابهة، وتتم الفطرة على ألفة ما ينافره، والرغبة فيما يؤلمه، مع وجدان الباعث على طلبه والداعي له، من توفر الشهوة، ووجود القدرة، على تنجيز ما يلائم ولو كان ضروريًّا؛ فيكون مع الرغبة فيه راغبًا عنه، ومع الاحتياج إليه غنيًّا عنه، وبهذا يكون قائمًا بمعاني القرآن بالمشابهة، محفوظًا بالمجاهدة، وهو وصول السالكين.

5- الوصول: طريق الوصول إلى الله تعالى، معرفة العارف بالله، والسمع والطاعة له.

وصول السالكين: هو الجهاد بالتحفظ بسور الحفظ عن تعدي حدود المكانة لا حدود الأحكام؛ لأنهم محفوظون من تعدي حدود الأحكام.

الوصل والفصل: الفصل محبوب ربك، والوصل محبوبك أنت، وكل فرد يحب ما يحبه الرب، وسَنة الوصل سِنة، وسِنة الفصل سَنة، ونهاية الوصل غاية الفصل، والفصل في التمكين عين الوصل بالله تعالى، والوصل في الشطح تيه، وكيف يتحقق وصل شاطح تعدى حدود أحكام الشريعة، وخالف آداب الطريقة، ويظن أنه وصل؟!، فانفصل عنك لتشهد ما فيك، فإن الله مواليك، وكيف تشهد بك مالم تحط به خبرًا، ولم تقدر له قدرًا؟! وتجرد من غواشيك؛ لتلوح معانيك، ولديها يكون سمعك الذي تسمع به فتكون مسمعًا إلهيًّا، فمن لم يكن ذا قلبين؛ فصله عن حبيبه البين (رتبة الخلق والرب)، وفي الوصل تلوين، وفي الفصل تمكين، والوصل: سياحة، والفصل بعد الوصل: سكون.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …