أخبار عاجلة

أبو مدين الغوث حياته ومعراجه إلى الله (1)

ولد قرب أشبيلية في الأندلس، وعمل برعي الغنم وصيد البحر، ثم ترك الأسرة والبيت وميراثه من أجل العلم، فهاجر إلى (مراكش)، ثم استقر في (فاس)، وأخذ عن مشايخ كثر أشهرهم في التصوف (علي بن حرزهم وأبي يعزى)، ثم رحل إلى (بجاية) فاستقر بها طيلة عمره، وكان قد زار المشرق ومكة والتقى فيها بالقطب عبد القادر الجيلاني..

الأستاذ صلاح البيلي

تاريخ ومعالم

ولد قرب أشبيلية في الأندلس، وعمل برعي الغنم وصيد البحر، ثم ترك الأسرة والبيت وميراثه من أجل العلم، فهاجر إلى (مراكش)، ثم استقر في (فاس)، وأخذ عن مشايخ كثر أشهرهم في التصوف (علي بن حرزهم وأبي يعزى)، ثم رحل إلى (بجاية) فاستقر بها طيلة عمره، وكان قد زار المشرق ومكة والتقى فيها بالقطب عبد القادر الجيلاني.

أسماه تلميذه الشيخ محيي الدين بن عربي (شيخ الشيوخ) ونقل عنه حكايات كثيرة، وقال السيد عبد الرحيم القناوي: إنه سمعه يقول: إن  رب العزة غفر له، وقال أبو الحجاج الأقصري عن شيخه عبد الرازق: إن الخضر وصفه بإمام الصديقين في وقته.

لما حضرته الوفاة ارتحل من (بجاية) إلى موضع منيته (العباد) قرب (تلمسان) وكان آخر ما نطق به (الله الحق، الله الحي)، ورحل عن ثمانين سنة، وضريحه مشهور باستجابة الدعاء.

من أقواله: (من حرم احترام الأولياء؛ ابتلاه الله بالمقت من خلقه) و(الفقر فخر، والعلم غنم، والصمت نجاة، واليأس راحة، والزهد عافية، ونسيان الحق طرفة عين خيانة) و(من لم يصلح لخدمته؛ شغله بالدنيا، ومن لم يصلح لمعرفته؛ شغله بالآخرة) و(من اشتغل بطلب الدنيا؛ ابتلي فيها بالذل)

كان يعظم سورة (الملك) والرسالة القشيرية، وكتاب الرعاية للمحاسبي، وإحياء علوم الدين للغزالي.

خمس ابن عربي قصيدته المشهورة التي مطلعها:

ما لذة العيش إلا صحبة الفــقرا

هم السلاطين والسادات والأمرا

من منا لم يسمع أو يعرف اسم الصوفي الأكبر أبو مدين الغوث؟.. ولكن هل عرفنا قصة حياته من الضياع والأمية إلى تعلم الشرع من فقه وحديث وسيرة، وهل عرفنا ترحاله من بلاد الأندلس إلى المغرب ثم الاتجاه شرقًا إلى الجزائر، وتربيته لعشرات الآلاف من المريدين، وعشرات الشيوخ، وهل عرفنا أنه أحد مشايخ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، كيف سلك طريق الصوفية، وكيف ارتقى إلى الله تعالى فرأى وسمع وقال وتكلم بالحقائق؟..

هذا ما نعرفه في السطور التالية، لنقف على ملخص سيرة الرجل وعلمه، وكان شيخ الأزهر د. عبد الحليم محمود قد أصدر كتابًا عنه سنة 1972م عن (دار الشعب)، فإلى تفاصيل حياة هذا الشيخ الذي قيل: إنه ربى أكثر من إثني عشر ألف مريد وسالك وخرج من تحت يديه أكابر المشايخ.

شعر أبي مدين الغوث

ولكن دعونا أولًا نتوقف مع شعر أبي مدين الغوث الذي شاع وذاع على ألسنة المادحين في موالد آل البيت والصالحين في مصر، ومنه في الحب الإلهي هذه الأبيات:

تمـــلَّكتموا عقـــلي طـرفـي ومسمَعي

وروحي وأحشائي وكــلي بـأجمـعـــي

وتيّهـــتُمونــــي فــي بــديـــع جمـالِكُم

ولم أدر في بحر الهوى أينَ موضعي

وأوصَيـــتُمونـــي لا أبـــوح بســـرِّكُم

فبــــاحَ بمـــا أخـفــي تفـيـــضُ أدمعي

ولــمّا فـنـى صـبـــري وقــلَّ تـجــلُّدي

وفــارَقــني نــومي وحُرمت مضجعي

أتَيـــت لـقــاضــي الـحـبِّ قُلتُ أحبِّتي

جفــوني وقالوا أنت في الحبِّ مدّعي

وعـنـدي شـهـودٌ للـصَــبــابةِ والأســا

يــزكّـــونَ دعـــوايَ إذا جئــتُ أدعي

ســـهادي ووجدي واكتئابي ولوعتـي

وشوقي وسقمي واصفراري وأدمعي

ومـــن عـجـــبٍ أنـــي أحــنُّ إلـيـــهِم

واســألُ شــوقـًا عــنـهــم وهــمُ معي

وتـبــكـيهُم عـيـنـي وهــم في سوادِها

ويـشكو النوى قلبي وهم بين أضلُعي

فـإن طالـبـونــي في حـقـوقِ هـواهُم

فإنــي فـقـيـــرٌ لا عـلـيَّ ولا مــعــي

وإن سـجـنـوني فـي سـجـونِ جفاهُم

دخَـلــتُ علـيــهم بالشـفـيـعِ المُشَفَّــعِ

ومن أشهر شعره في التصوف والصوفية، وكانوا قديمًا يسمون الصوفية (الفقراء)، والصوفي هو (الفقير)، والقصيدة طويلة نسبيَّا، وقد خمسها فيما بعد الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي تلميذ أبي مدين، كما شرحها أحمد بن عطاء الله السكندري تلميذ أبي العباس المرسي وأبي الحسن الشاذلي، وجامع علومهما في كتبه وأشهرها (الحكم العطائية) وتقول أبيات قصيدة أبي مدين الغوث:

مــا لـــذَّةُ العـيـــشِ إلّا صـحـــبــةُ الفقرا

هــم الـسـلاطـيـنُ والـــسـاداتُ والأمـرا

فاصـحـبـهُـم وتــــأدَّب فـي مـجـالســهِـم

وخــلِّ حــظَّــــك مـهـمـا خـلّـفــوكَ ورا

واسـتـغنم الوقتَ واحضر دائمًا مـــعـهم

واعلم بأن الرضى يخصُّ مـــن حضرا

ولازِم الــصـمــتَ إن سُــــئِـلـت فـقُـــل

لا عـلـم عـنـدي وكُن بالجهلِ مـسـتـتِرا

ولا تـر الـعـيـب إلّا فـيــكَ مـعـــتـقِـــدًا

عـيـبـًا بــدا بـيــــنـًا لـكـنَّــه اسـتـتَــــرا

وحُــطّ رأســـك واستغـفـر بلا ســبـبٍ

وقُــم عـلـى قـدم الإنـصــافِ معتــذِرا

وإن بـدا مـنـك عـيـبٌ فـاعترف وأقــم

وجــه اعـتـذاركَ عمّا فيك منكَ جـــرا

وقُــل عـبـيـدُكُــم أولــى بـصـفـحِـكـــمُ

فـامـحـوا وخُـذوا بـالــرفــقِ يا فقَــــرا

هــم بالتـفـضُّلِ أولـــى وهوَ شيمتُـــهُم

فــلا تـخــف دركًا مـنهُم ولا ضَـــرَرا

وبـالتـفـتـي عـلـى الإخـوانِ جد أبــــدًا

حـار ومعنى دركا منهم ولا ضـــرَرا

وراقــب الشـيـخ فــي أحـــواله فعسى

يــرى عـلـيـك مـــن اسـتـحسـانهِ أثَرا

وقــــدم الـجـدَّ وانـهـض عنــد خدمتهِ

عساهُ يرضى وحاذِر أن تكُن ضجِرا

ففـــي رضاه رضى الباري وطاعتهِ

يرضى علـيك ركن من تركها حذِرا

واعلَم بأن طـريـــق الـقــوم دراســة

وحـــال مـن بدعيها اليوم كيف ترى

مــتى أراهم وأنـــي لـــــي بـرؤيتهم

أو تـسـمــع الأذن مــنّي عـنهم خبرا

مـــن لـــي وأنـى لمثلي أن يزاحمَهُم

عــلـــى مــوارِدَ لـــم ألف بها كدَرا

أحـــبَّهُــــم وأداريـــهـــم وأوثـــرهُم

بِمُــهجــتـــي وخـصوصًا منهمُ نفرا

قــــوم كـــرام السجايا حيثما جلسوا

يـبـقــى المـكـان على آثارهِم عطرا

يهـدي التصوّف من أخلاقهِم طرفا

حــــــسن التآلف منهُم راقني نظرا

هم أهـــــل ودّي وأحبابي الذين همُ

ممّــــن يــجـــرُّ ذيول العزّ مفتخرا

لا زال شــمـلي بهم في اللَه مجتمعا

وذَنـبُـنـــا فـيـــه مـغفـــورًا ومغتفَرا

ثـــمّ الصـــلاةُ عـلـى المختارِ سيدنا

مـحـمـدٍ خـيــر من أوفى ومن نذَرا

ومن تخميس الشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي الطائي الحاتمي للقصيدة السابقة لأبي مدين الغوث نقتطف أول مقطع، وأسماها المريدون (إرشاد السالكين إلى مرضاة رب العالمين) وتبدأ بالأبيات التالية:

يا طالِباً مِن لَذاذاتِ الدُّنَا وَطَــــرا

 إذا أردتَ جميعَ الخَيرِ فيكَ يُــرى

 المُـسـتـشـــارُ أمينٌ فاسمَع الخَبرا

(مـــا لَذَّةُ العَيشِ إلا صُحبة الفُقَرا

هُم السَّلاطِينُ والسَّاداتُ والأُمَرا)

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …