أخبار عاجلة

وجه اختصاص النبي بالـمحبة (2)

الحمد لله رب العالمين دلَّ على ذاته بذاته، وتنزَّه عن مجانسة مخلوقاته، القريب من خطرات الظنون، والبعيد عن لحظات العيون، والعالم بما كان قبل أن يكون. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، الذي سعدت الدنيا بطلعته، وأنست بمشهده أرواح عالين وأعلى عليين يوم الصعود والعروج في السماء ذات البروج، يوم العلو والتجلي، يوم أن رأى المتجلي. ورضى الله تبارك وتعالى عن إمامنا ومعلمنا ومربى أرواحنا سماحة مولانا الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم، وارض اللهم عن خلفائه الأبرار وأهل بيته الطيبين الأطهار.. آمين يا رب العالمين.

فضيلة الشيخ علي الجميل

بقية: أولاً: من المُكْنَةِ في المحبة

التعبير بالمضارع المسبوق بـ )قَدْ( في قوله I: )قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ( له حكمة ألا وهي: أن الحق I لا يزايل نظره محل تقلب وجه الحبيب J

ونرى الفعل المضارع الذي يفيد الاستمرار ويفيد التجدد، إذ إن نظرَ الحقِ سبحانه وتعالى لم يقع منه على شأن دون شأن، وإنما هو متجددٌ بتجددِ الشئونِ منه J فما من حالةٍ تطرأ عليه إلا ولها من الله التفات وهذا هو التعبير )قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا( (وترضاها) أسند الرضا لنبيه J، وكان من الممكن أن يقول I (نرضاها).

والبحث هنا عن أن الله – وهو الغني المطلق عن جميع الخلق – يلتمس رضا محبوبه J، والله غني عن العالمين لكنه اصطفي من يشاء من الخلق لحمل رسالاته ولحمل أماناته إلى عباده، وفضل بعضهم على بعض، بل وخص كلًّا منهم بمنزلة عنده وبخطوه عنده وبمكانة عنده، وجعل القسم الأعظم لهذا النبي J، فان كان الكل يلتمسون رضاه I فإننا نرى الحق I يلتمس رضا محبوبه، مع سعيه J في تحصيل رضا مولاه، ولذلك يقول J: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمُعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك).

ولكنه في مقام المحبة هنا نرى أن مراد الله U يقع على مراد محبوبه J، وقد وافق مراد المحب لمحبوبه.

وأيضا من المُكْنَةِ في المحبة: في قوله تعالى: )تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ( (الأحزاب: 51) وهذه مسألة تتعلق بحظ دنيوي فلم يأتِ الأمر على وجه التكليف، بل أتى على وجه الخبر الذي يحمل إباحة هذا الأمر له دون غيره.

وكان من الممكن أن يقول له I: ترجئ من تشاء منهن، بالأمر بالتكليف إنما أتى بها علي صورة خبر )تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا( (الأحزاب: 51).

والمقصود رفع الحرج عنه J وكل اختياراته، فما كان شرطًا في حق غيره لا حكم له في جهته، وهنا نرى أن الله U يرفع وجوب القَسْمِ بين نسائه، ومعني ترجي من تشاء، أي: تؤخر منهن من تشاء عن نوبتها، وتؤوي إليك من تشاء، أي: تضم إليك فلا جناح عليك.

وأيضًا من المُكْنَةِ في المحبة: لا حق لأحد من الخلق على حبيبه J.

ومن المكنه في المحبة له J: إن الله U لم يجعل لأحد حقًّا على حبيبه J، وإن أوجب للعباد حقًّا على نفسه I فالله I كما – في حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ 0 – قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللّهِ J عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ. قَالَ: فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وما حقُّ العبادِ عَلَى الله؟) قَالَ: قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللّهِ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ U أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: (لَا تُبَشِّرْهُمْ. فَيَتَّكِلُوا).

ولهذا نقول إذا استعرضنا السنة والسيرة فهل نجد أن لأحد من حق على رسول الله J؟.

أبدًا ليس هناك حق واجب على رسول الله J لأحد من أمته J؛ حتى في رد السلام، فإن الله U أمر النبي J أن يبدأ بالسلام؛ حتى لا يتعين الحق عليه في الرد.

يقول الله U: )وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (الأنعام: 54).

يبتدؤهم تفضلًا وتكرمًا؛ لأنهم لو بدؤه J بالسلام يتعين عليه وجوب الرد.

إلا ما أوجب على نفسه J لكن الحق I لم يوجب عليه؛ حتى في الاستئذان.

دليل آخر لمُكْنَةِ المحبة: النبي J مأذون له الدخول في بيت دون أن يستأذن؛ لأنه أبو الجميع، ومع ذلك كان يلتزم الإذن ليعلمنا مع أنه مأذون له باعتبار أنه أب للأمة: )النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا( (الأحزاب: 6).

ودليل آخر لمُكْنَةِ المحبة: في سورة طه يقول الله U: )وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى( (طه: 83، 84)

وفي نفس السورة يقول تعالي: )فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ( (طه: 130).

فلعلك ترضي الأولى من موسي A لربه، ولعلك ترضى الثانية خطاب من الله U لحبيبه J.

هنا ما يميز قيامه في مرتبة المحبة هو أن الله U يسارع دائمًا في مرضاة محبوبه J.

ومن دلائل المحبة أيضًا: الدفاع عن أحباب المحبوب، في أول سورة البقرة عندما وصف الكفار أصحاب النبي J بأنهم سفهاء فرد عليهم سبحانه بقوله: )وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ(.

فان الله تولي الدفاع عن حبيب حبيبه J، بقوله U: )أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ(.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …