أخبار عاجلة

هذا ديننا وحال أمتنا (2)

بدأنا اللقاء الماضي الحديث عن المحاور التي يُهاجم بها محاربو الإسلام المعاصرين من داخل الأمة وخارجها، الدين الإسلامي، بحديثنا عن موقف الإسلام من المرأة، وفي هذا العدد نستكمل الحديث بالمحور الثاني عن موقف الإسلام من الحرب..

السيد علاء أبو العزائم

شيخ الطريقة العزمية

ورئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

بدأنا اللقاء الماضي الحديث عن المحاور التي يُهاجم بها محاربو الإسلام المعاصرين من داخل الأمة وخارجها، الدين الإسلامي، بحديثنا عن موقف الإسلام من المرأة، وفي هذا العدد نستكمل الحديث بالمحور الثاني عن موقف الإسلام من الحرب.

ثانيًا: موقف الإسلام من الحرب

يقول المستشرقون المتعصبون: إن الإسلام انتشر بالسيف، وانتشرت المسيحية بكسب القلوب بالمحبة، ولبيان ذلك نقول:

قال المسنيور كولي: (لقد وضع محمد السيف فى أيدى الذين اتبعوه، وتساهل فى أقدس قوانين الأخلاق، ثم سمح لأتباعه بالفجور والسلب، ووعد الذين يهلكون فى القتال بالاستمتاع باللذات، وبعد قليل أصبحت آسية الصغرى وإفريقية فريسة له) (البحث عن الدين الحقيقى، الصادر عن اتحاد مؤسسات التعليم المسيحى، باريس 1928م).

قال كارل بروكلمان: (يتحتم على المسلم أن يعلن العداوة على غير المسلمين حيث وجدهم؛ لأن محاربة غير المسلمين واجب دينى) (تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 78).

ويقول فردريك موريس: (من الثابت أن الإسلام لم يكن يصادف نجاحًا؛ إلا عندما كان يهدف إلى الغزو) (ديانات العالم: ص 28، كمبردج 1852م).

ويُرجع كل من: مور، وغيتانى (ازدياد عدد المسلمين إلى الانتصارات العسكرية، وإكراه الناس على الدعوة الموجودة فى تعاليم الإسلام) (الدعوة إلى الإسلام، ص 469 عن ديانات العالم لفريدريك موريس ص 28).

وقال المسنيور كولي: (فى القرن السابع للميلاد برز فى الشرق عدو جديد، ذلك هو الإسلام الذى أسس على القوة، وقام على أشد أنواع التعصب..) (البحث عن الدين الحقيقى، ط 1928م، ص 220).

ثم توالت أقوالهم كما يلي:

– (وقد أمر محمد أتباعه أن يحملوا العالم كله على الإسلام بالسيف إذا اقتضت الضرورة) (تاريخ محاضرات ج. إيزاك للشرق الأدنى، ص 32).

– (إن هؤلاء العرب قد فرضوا دينهم بالقوة، وقالوا للناس: أسلموا أو موتوا، بينما أتباع المسيح ربحوا النفوس ببرهم وإحسانهم) (تاريخ فرنسا، هـ. غيومان، وف. لوستير، ص: 80-82، وكان يدرس فى لبنان).

– (لم تدر الحروب الصليبية حول إنقاذ كنيسة القيامة فحسب، بل دارت حول معرفة من الذى سينتصر على هذه الأرض، مذهب تعبدى هو عدو الحضارة، محبذ باطراد للجهل – وذلك هو الإسلام طبعًا – وللطغيان وللعبودية، أو مذهب تعبدى أدى إلى أن يوقظ فى البشر المعاصرين عبقرية الزمن، وألغى العبودية الدينية) (الاستشراق، إدوارد سعيد، ص 186).

موقف الإسلام من غير المسلمين

تعتبر تهمة انتشار الإسلام بالسيف من أكبر التهم البعيدة عن الحقيقة التى حاول المتعصبون إلصاقها بالإسلام، وهي سرعان ما تذوب أمام شمس الحقيقة، ونور العقل، ومنهج العلم، بتمحيصها ودراستها على ضوء أمرين، هما:

1- شريعة الإسلام وموقفها من غير المسلمين.

2- موقف المسلمين العملي وسلوكهم مع غير المسلمين.

– أما بالنسبة للشريعة الإسلامية مع غير المسلمين، فموقفها واضح جدًّا، ففى القرآن: ]لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ[ (البقرة:256)، ]وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[ (الكهف: 29). ]فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ[ (النحل: 72)، فأية حرية للعقيدة بعد هذا الدستور الخالد، فالعالم كله حتى اليوم لم يستطع مع كل نظرياته التقدمية أن يصل إلى حرية الفكر التى نص عليها القرآن الكريم، فاضطهاد المعارضين يجرى فى دول عديدة، وبأشكال مختلفة، وبمبررات متعددة، بل وتحت ستار العلمانية يحارب الإسلام، ويترك غيره.

– وأما بالنسبة لموقف المسلمين العملى وسلوكهم خلال فتوحاتهم، فإن تاريخهم بريء من أية حادثة فيها ضغط أو اضطهاد – كالذي يحدث من قِبل المتأسلمين – على إنسان لإجباره على اعتناق الإسلام، وما كانت الفتوح واستخدام السيف إلا لإزالة أنظمة الحكم الظالمة من أكاسرة وقياصرة وملوك الذين وقفوا فى وجه الدعوة للتوحيد، فاستخدم المسلمون القوة لإزالة هذه العقبات لتأمين حرية نشر الإسلام، وليس لإجبار الناس على اعتناقه، بل لإيصاله إليهم وتركهم بعد معرفتهم بالإسلام أحرارًا فى أن يعتنقوه أو يبقوا على ديانتهم، وأكبر شاهد على صحة ما نقول، وجود مئات الألوف من اليهود والنصارى فى بلاد المسلمين، مع حريتهم فى إقامة عبادتهم ومعابدهم وصلبانهم وأعيادهم منذ أربعة عشر قرنًا وحتى اليوم، وأعظم وثيقة تاريخية تثبت ذلك العهد الذى أعطاه عمر بن الخطاب لأهل القدس، (العهدة العمرية)، والتى جاء فيها:

(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء (مدينة القدس) من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم..

وعلى ما فى هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين.

شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبى سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة) (الطبرى: 3/609).

وعلى مضمون (العهدة العمرية) وقع أبو عبيدة بن الجراح معاهدة مع أهل دمشق، ووقع عمرو بن العاص معاهدة مع أهل مصر.

وها هو الإسلام نرى ملايين أفراده اليوم فى بلاد: إندونيسية، والفليبين، وماليزية، وجنوبى خط الاستواء فى القارة الإفريقية، لم يصل إليهم سيف، أو جيش فاتح!.

موقف الشرائع الأخرى

من الحرب والإرهاب

التوراة نصَّت على حمل السيف:

بهدف القتل للقتل، والقتل للفساد، والقتل للعلو فى الأرض بغير الحق، جاء – على سبيل المثال- فى سفر التثنية: [20-10/16] (حين تقرب من مدينة لكى تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما فى المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التى أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا التى ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبقِ منها نسمة ما..).

والإنجيل نص على حمل السيف:

قال: (لا تظنوا أنى جئت لألقى سلامًا على الأرض، ما جئت لألقى سلامًا بل سيفًا) [متَّى: 10/34]. (ومن ليس له فليبع ثوبه ويشترِ سيفًا) [لوقا: 22/37].

إذا ليس الخلاف بين الشرائع فى حمل السيف، وإنما الخلاف فى الهدف من حمله، والأسباب التى حمل بسببها، والأسلوب الذى حمل به، قال تعالى: ]فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً[ (النساء: 90)، و]لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ (الممتحنة: 8-9).

لقد عرف العالم فى الفتوحات الإسلامية الإنسانية – الحضارية، وجه الصواب فى استعمال السيف، ويكفيه أنه لم يُكره شعبًا، ولا فردًا، على اعتناقه، وجعل من المعاهدات التى وقَّعها مع الشعوب وثائق مقدسة، لا قصاصات ورق.

ولا يحق للنصارى، ولا لغيرهم، أن يتهموا الإسلام بأنه دين العنف والقتل وسفك الدماء، وفى كتابهم من النصوص ما يدينهم.

أما أعمالهم وتاريخهم، فالسيف هو الرفيق الأوحد للصليب أينما سار وحلَّ ومشى وارتحل، وهذه نماذج منها:

1- شجع ثيودوسيوس الأول تحطيم المعابد الوثنية، وحرَّم إقامة الشعائر القديمة، وقام المسيحيون بقيادة الرهبان بعملية تحطيم المعابد وتخريبها. وفى سنة 391م صدر مرسـوم إمبراطورى لقاضى القضاة، بالعمل على تنفيذ أمر تحريم زيارة الأماكن الوثنية المقدسة، وبعد ذلك بقليل صدرت الأوامر المشابهة لحكام مصر، فبدأ أسقف الإسكندرية اضطهادًا واسعًا تؤيده القوة العسكرية الرومانية.

إن انتشار المسيحية – ابتداء من أواخر القرن الرابع الميلادى- إنما أخذ صورة أخرى غير الصورة القديمة، إذ بدأت الكنيسة التى تعضدها سلطة الدولة المادية حينئذ، تفرض الدين بالقوة، وبمختلف الوسائل كما تشير جميع دلائل التاريخ وأحداثه (حضارة الإسلام، جلال مظهر، ص 158، مكتبة الخانجى، دار مصر للطباعة، القاهرة).

2- شارلمان، حارب السكسونيين ثلاثًا وثلاثين سنة، بغاية العنف، وذروة الوحشية؛ حتى أخضعهم وحولهم قسرًا – بالسيف – إلى المسيحية على يد القديس ليودجر، وويليهاد (تاريخ أوربة فى العصور الوسطى، فيشر: 1/61، دار المعارف بمصر، ط3).

وأكرهت مصر على انتحال النصرانية (حضارة العرب، جوستاف لوبون، دار إحياء التراث العربى، بيروت، ط3، 1979م، ص336).

3- نشر الملك كنوت المسيحية فى الدنمارك بالقوة والإرهاب (الدعوة إلى الإسلام، السير توماس أرنولد، مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1957م، ص: 30). وفرضت المسيحية فى روسيا على يد جماعة اسمها: إخوان السيف (الدعوة إلى الإسلام، ص: 30).

وعلى يد فلاديمير دوق كييف (985-1015) الذى يضرب به المثل فى الوحشية والعنف والشهوانية.. وبلغ من حمقه وطيشه أن أمر بتعميد أهل دوقية روسيا كلهم مرة واحدة فى مياه نهر الدنيبر (تاريخ أوربا فى العصور الوسطى، ص: 407).

4- فى النرويج أمر الملك أولاف ترايجفيسون بذبح الذين أبوا الدخول فى المسيحية، أو بتقطيع أيديهم وأرجلهم، أو بنفيهم وتشريدهم.

5- أما فى أمريكا، فقد حلت حرب الإبادة ضد الهنود الحمر، وقضي فعلًا على حضارة الأنتيل، والمايا، والآزتيك، والأنكا.

نشرت مجلة: Cuba International، عدد يولية 1972م، تحت عنوان La Historiy، الصفحة 6، صورة لمبشر بيده صليب، وزعيم هندى أحمر مقيد إلى سارية، وقد غطى وجهه يدعوه إلى المسيحية قبل إحراقه!!.

6- ماذا نقول عن الكشوف الجغرافية الأوربية؟

لقد ظهرت قسوة الأوربيين ووحشيتهم وتعصبهم منذ أول يوم نزلوا فيه أراضى إفريقية وآسية.

إنها كشوف جغرافية وأوربية، وما هى فى حقيقتها إلا امتداد لوحشية الحروب الصليبية، وفى جوهرها حركة تبشيرية، واستمرار لمحاكم التفتيش، ودليل ذلك:

بقى البرتغاليون – مثلًا – نحو مئتى سنة فى إفريقية الشمالية، لم يتركوا بعدها أثرًا من آثار الحضارة النافعة، ولم يعقبوا بعدهم غير ذكرى الخراب الذى حل على أيديهم بالمعاهد والمعابد الإسلامية، ولم يزالوا حيثما نزلوا يخربون وينهبون، وما حدث من الدمار لم يكن فى إفريقية فحسب، بل حل فى كل بقعة وصلها المبشرون الصليبيون المستعمرون (الإسلام فى إفريقيا الشرقية، ليندن هاديس).

سيف الإسلام رحمة

قال الإمام أبو العزائم فى كتابه (وسائل إظهار الحق، ط.5، ص21 – 23): (ليس تاريخ العرب بالتاريخ الذى كان منقوشًا على الأحجار فمحي من عليها، أو مرموزًا باللغة العجمية وليس من يقرأه، ولكنه تاريخ جلي، يعلم كل عاقل ما كانوا عليه وما آلوا إليه.

عجبًا عجبًا!!

يخرج العربى من جوف مكة فى زمن لم تكن هناك معدات سفر ولا عوارف حضر، ولا آلات للنقل، فيخرج والقرآن فى يمينه، وحب الخير لعامة بنى الإنسان فى ضميره، وقليل من القوت والماء على ظهره، والسيف الذى هو رحمة الله فى يساره، أقول: رحمة الله؛ لأنه فى يد من سُلَّ وعلى من سُلِّط؟

في يد من سُلَّ السيف؟

فى يد إنسان ملأ الله قلبه رحمة ليسوى بين أفراد الإنسان، وجعل فى قلبه نورًا لينشر العدل بين بنى جنسه، لا يقصد بذلك أن يقهرهم على اعتناق دينه، ولا أن يخرجهم من الملك الذى هم فيه ماداموا على مبادئه الشريفة الفاضلة، من العدل والمساواة والرحمة والشفقة والتعاون والصلة والبر، لا فرق عنده بين النصرانى واليهودى والصابئ. وها هم أهل الذمة فى كل بلد إسلامية برهان ساطع على أن الأمر كما أقول.

على من سُلِّط هذا السيف؟

سلط على جبار عنيد يستعبد عباد الله، وطاغية فاجر عامل لمحو الحق وإظهار الباطل.

سبحان الله!

ما للعيون عميت عن الحقائق وهى مجلوة! وما للقلوب انصرفت عن الآيات وهى مضيئة! اللهم رحماك. فكأن الإنسان ليس بإنسان؛ لأنه أهمل عقله إهمالًا جعله يجعل الباطل حقًّا ويؤيده بأباطيل، ويجعل الشمس الجلية ضحوة مظلمة.

قلت: إن المسلم لم يجعل سيفه فى قهر الناس على اعتناق الدين؛ لأن الجمال الإسلامى تجلى للعقول الكاملة، وللقلوب السليمة، تجليًا جذبها إليه. ومن رأى الكتب التى أُلِّفت فى تفسير القرآن، وخدمة الأحاديث النبوية، واستنباط الأحكام من الكتاب يتحقق أن أكثر مؤلفيها من غير العرب، وأنهم من عقلاء الأمم وعلمائهم، الذين جذبهم الحق إليه وقربهم منه، الذين تجلت لهم أنوار الإسلام فاهتدوا بها إليه، وظهرت لهم حقائقه فأقبلوا بها عليه، فلما أن باشرت بشاشته قلوبهم تفجرت ينابيع الحكمة منها، فترجمت بها ألسنتهم. ومن قرأ تلك الكتب يعلم حق العلم أن الذى دعا العالم إلى الإسلام جماله الحقيقى ونوره الجلى.

وإنما كان السيف الإسلامى لمحو الظلم والفسوق والجهالة والرذائل، وإلا فما لنا نرى أكثر مـن أسلم من غير العرب هم الذين خدموا بعلومهم وأفكارهم، وبينوا أسراره وأنواره، وكشفوا للعقول عن حكمه وآدابه. ونرى من بقى منهم على دينه ممتعين بأملاكهم وأموالهم وخدمهم، وهم أقل ممن أسلم عقلًا وأدنى منهم فكرًا، وأبعد منهم معرفة بأسرار الحكمة.

خرج هذا العربى بعد أن تلقى عن سيد رسل الله، صلوات الله وسلامه عليه، من مكة مخترقًا تلك البوادى القاحلة والصحارى الماحلة، والجبال الشامخة والبحار المحيطة؛ حتى رمى بنفسه إلى الأقطار النائية. فما مر على مجتمع جاهلى إلا جمَّله بفضائل الإسلام، ولا على أمة ضالة إلا هداها إلى الحق، ولا على مدينة فاسقة إلا أرجعها إلى الهداية، فكان كأشعة الشمس التى تسرى فى الدقيقة الواحدة بسرعة تحير عقل العاقل فى سرعة سريانها، وفيما تفيضه من الخير من النور والهدى والبيان. فكان رسول الله J هو الشمس، وكان أصحابه هم الأنوار المنبعثة من تلك الشمس العلية.

خرج العربى من مكة؛ حتى خاض لُجِّة المحيط، محيط الظلمات (المحيط الأطلا نطيقى) غربًا، وخرج من مكة؛ حتى سبح فى لجة المحيط الهادئ شرقًا، ونشر النور فى أقطار الهند والصين؛ حتى جبال القوقاز، ولم تقف به عزيمته؛ حتى أبقى له فى كل واد أثرًا لا يزال لسان صدق، ناطقًا بما للإسلام من الفضل العميم، ونـورًا مبينًا شاهدًا بأن الإسلام هو الدين الحق، الذى يجب على كل عاقل أن يعتنقه.

لعل المنكر يجهل ما منَّ الله به على جميع الخلق من الرحمة برسول الله J، فيقول: قام والسيف صلت، أى: مسلول فى يده. ونعم، ولكنه، سيف رحمة وحنانة ورأفة وشفقة. وإلا فالذى كان فى يده السيف للنقمة لِمَ أبقاك أيها المُنكر حيًّا، وكان من السهل عليه أن يقول كلمة صغيرة فى وصاياه تكفى أن تصبح الكرة الأرضية ليس على وجهها غير مسلم؟ لعلك لا تسلم بحكمى هذا، لكنى أبين لك بالبرهان الحِسِّي أنه لم يشهر السيف إلا على الظلم، ولم يضرب به إلا هامة الجور. انظر إلى المدن التى أسسها الإسلام والبلاد التى ملكها المسلمون، ترَ النصرانى واليهودى والمسلم سواء فى كل الحقوق المدنية، فلو كان السيف سيف النقمة لغير المسلم لما أبقى نصرانيًّا ولا يهوديًّا. أقول: على وجه الأرض؛ لأن المسلمين إذا كانوا متمسكين بالدين تمسكًا حقيقيًّا مكنهم الله فى الأرض بالحق تمكينًا؛ حتى جعل لهم من القوة ما يمكنهم به أن يقهروا الخلق أجمعين على الإسلام أو القتل، ولم نسمع بهذا أبدًا.

وإنما كانوا يقهرون الظَّلمة الذين كانوا يستعبدون خلق الله من الملوك والرؤساء، ليجعلوا عباد الله يتنعمون بنعمه سبحانه فى مستوى واحد، ويكون لليهودى والنصرانى ما للمسلم من الحقوق كلها، ويمتاز النصرانى واليهودى عن المسلم، بأنه لا يكلف بحماية الثغور، ولا بمدافعة الأعداء فى الجهاد، ولا بحراسة المدن ليلًا، بل يكونون فى أمن وأمان! يعملون فى أعمالهم الخاصة، ويستريحون متى شاءوا، وكان المسلم يكلف بدفع زكاة ماله فى كل سنة، والذمى يكلف بنظيرها من ماله، وزكاة المال من المسلم لا تجعل له امتيازًا، وما يؤخذ من الذمى من المال يجعله فى رياض الأنس وحصون الأمن، تسفك دماء المسلمين وهو آنس بزوجته وأولاده فرحًا مسرورًا، ويفارق المسلمون أولادهم وأهلهم وبيوتهم، وهم كأنهم ملوك فى منازلهم ومزارعهم ومصانعهم.

هذا هو الذى سُلَّ لأجله سيف الإسلام، فهو رحمة لا نقمة، ونور لا ظلمة، وحياة لا موت، وسعادة فى الدنيا لأهل الذمة، وسعادة فى الدنيا والآخرة لمن انكشفت له أسرار الدين ممن أسعدهم الله بالعقل.

قام هذا الرسول الكريم J بين أصحابه، فنوَّر قلوبهم بالحكمة النظرية بما أنزله الله عليه من كتابه المجيد، وما أوحاه الله إليه من الحكمة والبيان. ثم قام J بأكمل أحوال الحكمة العملية، فعمل الأعمال الروحانية والبدنية خالصة للدار الآخرة. والأعمال البدنية للدنيا والآخرة.

والأعمال الروحانية والبدنية لخير بنى الإنسان، فبث J روح تلك الأعمال فى أرواح سلمت له J، وقلوب تخلت مـن سواه J، وآمال تعلقت به J، فكانوا صورة كاملة لجنابه صلوات الله وسلامه عليه، وآية كبرى دالة على أنه خاتم رسل الله وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وليس بنقص فى الشمس أن يراها الخفاش مظلمة، وأنكر فضلها البوم والأفاعى وأشكالها من الحيوانات المؤذية التى لا تهتدى فى النور المشرق، وكم من حيوانات تتطيب بالقاذورات وتتغذى منها، وتموت إذا شمَّت الطيب، وكذلك الحيوان الذى هو على صورة الإنسان يرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، كما يرى الخفاش نور الشمس ظلمة، وظلمة الليل نورًا. نعوذ بالله من هوى يعمى عن الحق، وحظ تنقلب به الحقائق. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا نورًا فى قلوبنا نهتدى به إلى الحق، ويحفظنى وأهلى وإخوانى والمسلمين).

شهادات منصفة من غير المسلمين

1- يقول: (فانسان4 مونتيه) الأستاذ بجامعة باريس: (من أسباب إسلامى، تسامح الإسلام تجاه أبناء الأديان الأخرى، وعلى العكس كما يقول سوليناك Soliynac: داء الجهاد العصبى المسيحى) (التسامح في الإسلام، د. شوقي أبو خليل ص123، ط5، 1428ھ).

2- ويقول روبرتسون: (إن أتباع محمد J هم الأمة الوحيدة التى جمعت بين التحمس فى الدين والتسامح فيه، أى أنها مع تمسكها بدينها لم تعرف إكراه غيرها على قبوله) (حاضر العالم الإسلامى: 1/104).

3- أما جوستاف لوبون فيقول: (إن القوة لم تكن عاملًا فى انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارًا فى أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام، واتخذوا العربية لغة لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين، مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التى لم يعرفوها من قبل.

ولم ينتشر الإسلام بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقت الإسلام الشعوب) (حضارة العرب ص: 162).

4- والكونت (هنرى دى كاسترى) فى كتابه: الإسلام خواطر وسوانح، ص: 35، ترجمة أحمد فتحى زغلول، بعد وصفه الفتوحات الإسلامية، وانتشار الإسلام بين الشعوب، وصف المسلمين بقوله: (فلم يقتلوا أمة أبت الإسلام).

5- أما المستشرقة الإيطالية (لورا فيشيا فاجليرى) فتقول عن شعوب البلدان التى فتحها المسلمون: (منحت تلك الشعوب حرية الاحتفاظ بأديانها القديمة.. فليس من الغلو أن نصر على أن الإسلام لم يكتف بالدعوة إلى التسامح الدينى، بل تجاوز ذلك ليجعل التسامح جزءًا من شريعته الدينية) (دفاع عن الإسلام، تعريب منير البعلبكى، دار العلم للملايين، 1960م، ص: 34، 35).

6- يقول (فردريك نيتشه): (حارب الصليبيون شيئًا كان الأجدر بهم أن ينبطحوا بذل أمامه، حضارة يمكن لقرننا التاسع عشر أن يعتقد أنه فقير جدًّا، ومتأخر جدًّا، بالمقارنة معها) (عدو المسيح، لنيتشه الفيلسوف الألمانى، الفقرة: 60).

(إن تاريخ الكنيسة يحمل صفحات حمراء دامية فى أمريكا وإفريقية وآسية وأوربة) (المرجع السابق، الفقرة: 36).

ويقول (نيتشه) عن المبشرين ورجال الكهنوت المسيحيين: (لا يخطئون فقط فى كل جملة يقولونها، بل يكذبون، أى أنهم لم يعودوا أحرارًا فى أن يكذبوا ببراءة وبسبب الجهل) (المرجع السابق، الفقرة: 38).

أغرب ما فى التاريخ:

هل سمعتم بجيش منتصر يخرج من البلد الذى فتحه؟ وبأمر من؟ بأمر الخليفة القائد الأعلى لهذا الجيش.. ولماذا؟ إليكم هذه القصة التى تروى أغرب حادثة فى تاريخ الدنيا..

لما ولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قوم من أهل سمرقند (آسيا الوسطى) فرفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامى فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدرًا بغير حق. فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين من سمرقند؛ أخرجوا!.

فنصب لهم الوالى (جميع بن حاضر الباجى) قاضيًا ينظر شكواهم، فحكم القاضى وهو مسلم، بإخراج المسلمين.. على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامى بعد ذلك، وينابذهم وفقًا لمبادئ الحرب الإسلامية؛ حتى يكونوا على استعداد لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتة.

فلما رأى ذلك أهل سمرقند، رأوا ما لا مثيل له فى التاريخ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها.. قالوا: هذه أمة لا تُحارب، وإنما حكمها رحمة ونعمة، فرضوا ببقاء الجيش الإسلامى، وأقروا بإقامة المسلمين بين أظهرهم (فتوح البلدان للبلاذري 3/519).

أرأيتم.. جيشًا يفتح مدينة ويدخلها، فيشتكى المغلوبون للدولة المنتصرة، فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر ويأمر بإخراجه ولا يدخلها بعد ذلك إلا أن يرضى أهلها..؟

أرأيتم فى التاريخ القديم والحديث.. حربًا يتقيد أصحابها بمبادئ الأخلاق والحق كما يتقيد به جيش المسلمين؟ إنى لا أعلم فى الدنيا كلها مثل هذا الموقف لأمة من أمم الأرض.

ختامًا: إن اتهام الإسلام بأنه انتشر بالسيف من أتباع الشرائع الأخرى، يندرج تحت قاعدة: (رمتني بدائها وانسلَّت)، فالإسلام لم يجبر أحدًا على اعتناقه غصبًا، وكان يلتزم في الحروب الدفاعية بأخلاق لم يلتزم غيره بها.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الدروس المستفادة من قصة المرأة التي سمع الله شكواها

بعد عودة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية وقع أول …