أخبار عاجلة

مقام الشوق .. تجليات لصوفية أرضية (24)

مقام المثابرة

يردد بحروف غارقة في الدموع: )وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا( (الإسراء: 85)، يكررها مرات، ويغوص في أعماقه كي يصل إلى معنى، فلا يجد، فكل ما في رأسه يذوب أمام التجليات الكبرى للرمق الأخير، وهل في هذا الحياة أكبر من الغياب الأبدي؟ إن كل شيء اقترب الناس من فهمه إلا هي: الروح، التي بها يكون المقام، ويكون العبور إلى ما لا نراه..

د. عمار علي حسن

 

بقية: مقام المثابرة

يردد بحروف غارقة في الدموع: )وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا( (الإسراء: 85)، يكررها مرات، ويغوص في أعماقه كي يصل إلى معنى، فلا يجد، فكل ما في رأسه يذوب أمام التجليات الكبرى للرمق الأخير، وهل في هذا الحياة أكبر من الغياب الأبدي؟ إن كل شيء اقترب الناس من فهمه إلا هي: الروح، التي بها يكون المقام، ويكون العبور إلى ما لا نراه.

فكل الكلمات التي قيلت وستقال للتعبير عنها تضيع في هذا السراب الهائل الممتد من الميلاد إلى الممات، إنها مسافة بطول الكون وعرضه، لكن أكثر الناس لا يعلمون. كل مولود يأتي يطوي بين جوانحه كل شيء، وكل أمر، من الابتداء إلى الانتهاء، ولا يكون هذا وذاك إلا إذا امتثل لما يجري في البعيد إلى القريب، ومن الآني إلى الآتي؛ حتى أنه يشعر، بل يؤمن، إن أتاه اليقين، أن الأمس هو اليوم، واليوم هو الغد، والغد هو ما فات، وما قد مضى سيأتي، وبين كل هذا وذاك، لا تكون أبدًا أزمنة ولا أمكنة، فكل مكان يفنى، وكل زمان مهما طال لا شيء.

أمر صعب هو، بل مستحيل؛ لأنه السر الذي إن عرفناه انتفى سبب الوجود، وانقضى كل شيء. ليس الإنسان الذي تسري فيه الروح فيحيا ويبقى، ولا الحيوانات والنباتات التي تزدهي أرواحها؛ حتى مواسم القنص والموت والحصاد، بل إن الجمادات نفسها، التي خلقت لخدمة كل ذي أو ذات روح، ستفنى إن عرفنا، فالجهل هنا والتيه هو السر الذي يجعل للمقام معنى، وأنفسنا تتآكل في سبيل فهمه، حتى تأتي اللحظة الأخيرة، التي نفهم فيها وندرك، لكننا نكون عاجزين عن إبلاغ من حولنا بما آتانا دون جهد منا، بل بقدر من الذي خلق.

ما هذا العجز؟

هل يقضي كل منا حياته كاملة، طالت أم قصرت، دون أن يعرف ما الذي يجعله ينتقل فجأة من بين الناس إلى بين آخر لا يعرفه جيدًا، وتلك النقلة الواسعة الشاسعة تجري في لحظة واحدة؟

ألا يمكن لكل منا أن يفكر في معنى آخر أقرب إليه يمكنه تحصيله عن المحيا والممات؟

لا صوت يعلو هنا فوق ذلك المجروح الذي يتهادى من بعيد كأن ريحًا تحمله من مجرة أخرى، يصل إلى هنا همسًا لا يكاد يسمعه أحد:

ـ أدركوا الروح التي تفهمونها.

ويطلق السؤال في فضاء لا نهاية له، نور فظلمة، وغشاوة فصحو، ومحو وتثبيت، وهنا يشنف أذنيه بحثًا عن إجابة، فتأتيه على مهل، لتزيد الغموض غموضًا:

ـ هل هناك روح غير التي نعرفها؟

يصرخ في حرقة، فيدوي صوته في البرية:

ـ كيف أنتظر إجابة فيأتيني سؤال؟

استفهام في إيهام، ولا جواب يجيئ، غير الذي تسكنه الظنون والتهاويم والشرود المحلق في فراغ، هكذا نظنه، لكنه مملوء بالأسئلة الحائرة الفائرة، التي لا تدرك أن الجواب أقرب إلينا من حبل الوريد، وأعز إلينا من كل ما نظنه نفيسًا في هذه الحياة، إنه شيء آخر يسكن جوانحنا، يعيش في أعماقنا، يرتبط به وجودنا، لكن بوسعنا هذه المرة أن نفهمه ونعرفه ونقدره ونفتح بين الناس فرصة للكلام عنه؛ حتى لو اتسعت الثرثرة، وذهبت إلى أدنى نقطة في أعماق هذا الكون، وصعدت إلى أعلاها.

حين قال هذا وهو يظن أنه قد وضع يده على شيء ثمين، لم يسبقه إليه أحد، جاءه السؤال:

ـ وهل الروح إلا واحدة؟

زلزله السؤال، فهو من أدرك وتربي وفهم طوال عمره على أن الروح واحدة، لا شيء قبلها، ولا شيء بعدها، هي الأول والآخر، ليس لأمر سوى أنها قبس من الله، فتكون لها أزليته وأبديته، لكن ها هو يفهم، بعد كل هذه السنين، أن هناك روحًا أخرى. قد لا يؤدي ذهابها إلى موت الجسد عند كل الناس، لكنها تفعل هذا عند من كان ذا نخوة، فلا يرى لحياته معنى إن ذهبت عنه، بل تكون لديه شجاعة الوقوف فوق أعلى صخرة  مسنونة على سطح الأرض، ويقول:

ـ لا حياة بلا كرامة.

يدرك العارفون أن الكرامة هي الروح التي بوسعهم أن يبلغوها، ويرسموا بأكفهم حدودها إن استطاعوا، ويجيبوا على أي سؤال عنها:

ما هي؟

ما حدودها؟

كيف تمضي الحياة منقوصة من دونها فتصير الإهانة عند الواعي موتًا، بينما يتصور الجاهل أن معها تستقيم الحياة؟

يقول هؤلاء في كل ثقة:

ـ من ضربك على خدك الأيسر فاضرب له الأيمن، ومن ضربك على الأيمن فاركله، ومن بصق على وجهك أطبق بكفيك على رقبته.

يجزع لهذا الذين يرون أن المسامحة أقرب إلى الإنسان الحقيقي من المشاححة، والسمحاء فوق الشحناء، لكن لماذا لا يطلبون أولًا من المعتدين أن يكفوا عن مد أيديهم وأرجلهم وألسنتهم، قبل أن ينهروا المقهورين ويقولون لهم:

ـ تذمركم خراب.

وحين تمتلئ عيون المغلوبين بشرر الغضب، ينظرون إليهم باستهانة، ويرون أن ما يتطاير من مقلهم المتسعة عجبًا ووجعًا ليس سوى أهازيج عابرة، لا يمكن أن يقرأ ما فيها أحد بعيدًا عن المتاهة، التي تقول له:

ـ لا يوجد شيء سوى الهزائم المتكررة.

لكن يظهر هناك دومًا، في كل مكان وزمان، من يرفضون الاستسلام، ويرون أن المهانة موت في موت. يسمعون من يلحون عليهم في توسل أو تحذير:

ـ تحملوا، فالضرب لا يقتل، والشتائم لا تميت.

لكنهم يؤمنون بأن كل ما يهين فناء، لهذا يرفضون التوسل والتحذير؛ حتى لو كلفهم هذا أن يسلموا روحهم الثانية إلى الأولى راضين، فحين تتلاقي الاثنتان في اللحظة الأخيرة تكتمل رسالة الإنسان في الحياة؛ حتى لو كانت بسيطة، فمن خرجت روحه بعد سنين من الإهانة مات مرتين، بل أكثر، فكل يوم يتنفس فيه الإنسان: شهيق زفير، وهو ممتهن، لا تحسب له حياة لو كان يعلم.

لهذا آمن الذين كانت تجري في عروقهم دماء سليمة بأن:

ـ الإهانة ليست موتًا مجازيًّا، بل واقعيًّا.

ولهذا لم يقبلوها؛ حتى لو عجلوا بالموت الحقيقي، وآمنوا أن الروح الواقعية أو الأصيلة أو التي لا يعرف الناس ما هي ليست سوى قربانًا يقدم في سبيل الروح التي يعرفونها جيدًا، وهي الكرامة.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …