أخبار عاجلة

مقام الشوق .. تجليات لصوفية أرضية (35)

يا أيها الذي لا ترى سوى الأمل، افتح لي معك المدى، لا تتركه محصورًا فوق النهر وشاطئيه ورصيفيه اللذين يمتدان أمام أقدام العابرين المتعبين، الذين رضوا بما جرى ووقع، .

د. عمار علي حسن

بقية: مقام التفاؤل

يا أيها الذي لا ترى سوى الأمل، افتح لي معك المدى، لا تتركه محصورًا فوق النهر وشاطئيه ورصيفيه اللذين يمتدان أمام أقدام العابرين المتعبين، الذين رضوا بما جرى ووقع، ولا تلوح لهم في أي أفق بادرة من اختلاف، بل اخمشه بأظافرك التي تربيها ليوم الزحف الأكبر، الذي جاء وذهب، وتنتظره من جديد دون قنوط، كي يفرد ذراعيه ويحتضن كل ما لا يراه الناس، وما يعتقدون أن وجوده من تاسع المستحيلات.

وقتها فقط بوسعك أن تأتي بالمدى إلى الميدان، وتجلس في وسط المحتشدين حولك، تحدثهم عن نبوءاتك التي لم تنهزم، لكن عليك وقتها أن تكون يقظًا للوقت؛ حتى لا يمضي وأنت فرح بالحكي، بينما هناك من يسرق أحلامك من جديد. فإن حدث هذا في غفلة منك، فلا تيأس.

لا تيأس، فإن مع العسر يسرًا، والليل إن زادت ظلمته اقترب النور، والمتجبر إن فاض ظلمه أذنت ساعة رحيله، والرزق وإن تأخر فلا يمكن أن يضيع، والله قد يجمع الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا، والخير باق في الأرض طالما بقى القمح والملح والورع والرحمة، والجمال باق طالما هب النسيم وفاح الورد وشقشقت العصافير وطلت علينا الوجوه الحسنة، والتغيير آت طالما بقى على الأرض من لا يستسلم؛ حتى ولو أعلن هذا في سره الدفين، رافضًا الخنوع والهجوع والركوع والخضوع، وطالما بقى الأمل في أن الدم يمكن أن ينتصر على السيف، وأن الشعب إن أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، وأن الناس قد وهبها الله قدرة، ولو بعد حين، على كشف كل مخادع مكار، وكشفه وفضحه، وعقابه أشد العقاب.

لا تيأس، وتذكر الشاعر التركي ناظم حكمت الذى كان ينشد من قعر زنزانته الضيقة المظلمة: أجمل يوم لم أعشه بعد، وأروع قصيدة لم أكتبها بعد. واعرف أن الروائي الإيطالي ألبرتو مورافيا كتب أبدع رواياته وهو نائم على سريره لا يبرحه من فرط المرض، والموسيقار الخالد بيتهوفن لم يعزف أعظم ألحانه إلا بعد أن أصابه الصمم، ولم يمنع العمى طه حسين من أن يكون ما أراد مفكرًا عميقًا وعميدًا للأدب العربي ومناضلًا ووزيرًا، ولم يستسلم العقاد لخروجه مبكرًا من التعليم بل عكف على عقله يثقفه وعلى إرادته يقويها؛ حتى صار “كاتب الشرق”، ولم يمنع النفي والتشرد بيرم التونسي من أن يكون واحدًا من أعظم شعراء العامية في تاريخنا الثقافي كله، واستغل أحمد فؤاد نجم فترة السجن في تعلم القراءة والكتابة فصار رديفًا لبيرم. والشاعر شارلز لامب لم يرسل أخته إلى مصحة عقلية حين عاد ذات يوم ووجدها قد ذبحت أمها بسكين في نوبة جنون، بل احتضنها وجعلها تشاركه نشاطه الأدبي؛ حتى خرجت من جنونها، وصار هو شاعرًا عظيمًا، واكتشف الأديب الإنجليزي سومرست موم موهبته مؤخرًا وبالصدفة، فترك العمل بالطب وتفرغ للأدب فصار هذا الكبير الخالد. ولم يقل غاندي: إن الطريق طويل، والزاد قليل، والجسم نحيل، بل آمن بأن الصمت والحكمة والصبر بوسعها أن تقهر الإمبراطورية الإنجليزية القوية، فكان له ما أراد، بنضال سلمي، كانت فيه الحناجر في وجه الخناجر، والابتسامة في وجه الرصاص. ونيلسون مانديلا قضى في السجن نحو ثلاثين عامًا واقفًا على قدميه كالنخيل الشامخ النبيل؛ حتى خرج رئيسًا لجنوب إفريقيا، يطأ التفرقة العنصرية بقدميه النحيلتين.

لا تيأس، فالرمد الربيعي الذى أصاب نجيب محفوظ وحرمه من القراءة والكتابة لستة أشهر من السنة لم يمنعه من أن يواصل عطاءه؛ حتى صار الأغزر والأعمق فى مسيرة الرواية العربية، وواحدًا من أعظم أدباء العالم بأسره، ولما طعن وشلت يمينه عاد ليكتب من جديد، خطًّا ركيكًا، ككتابة الأطفال، لكنه أبدع به “أحلام فترة النقاهة” فلما عجز تمامًا عن الكتابة، كان يبدع مقطوعات هذا العمل الخالد في ذهنه أولًا، ويحفظه، ثم يمليه، وهكذا حتى فاضت روحه دون أن ينقطع عطاؤه. وداء النقرس الذي أصاب الرسام الفرنسي الشهير رينوار لم يمنعه من مواصلة الرسم، بعد أن استعان بشخص كان يربط له الفرشاة في يده. وأعاد الأديب الروسي الكبير ليو تولستوي كتابة رائعته “الحرب والسلام” سبع مرات على ضخامتها، وعندما سئل إسحق نيوتن عن سر توصله إلى نظرياته العلمية العظيمة قال: “لا أترك المسألة تغيب عن عقلي أبدًا”.

لا تيأس، ولا تعتقد أن الوقت قد انقضى وأحلامك قد غربت، فبوسعك أن تفعل ما تريد ما دمت تتنفس، ومهما كان حجم الظلم الذى يثقل كاهلك، والقهر الذى يجثم على كتفيك فبإمكانك أن تقيم ظهرك، وتحقق ذاتك حتى ولو غزا الشيب مفرقك. فها هو الفيلسوف الألماني الشهير شوبنهاور لم ييأس من انفضاض الجمهور عنه لحساب أستاذه هيجل، بل واصل عطاءه؛ حتى انجذب إليه الناس، وصار عظيمًا مثل معلمه. والروائي الإنجليزي الشهير سومرست موم لم يكتشف موهبته إلا متأخرًا، وظل سنوات طويلة يعمل طبيبًا؛ حتى ساق له القدر أديبًا كبيرًا قاصده كطبيب فخرج من عنده موقنًا بأن موم لديه موهبة أدبية عالية، فنصحه أن يترك الطب ويتفرغ للأدب، وعمل بالنصيحة فصار هذا الروائي العبقري. وجمال حمدان لم يستسلم للظلم الذى وقع عليه فى الجامعة، حين تم ترقية من هو أدنى منه، بل انسحب إلى بيته صامتًا، ليواصل البحث والدرس، ويخرج على الناس بكتبه العميقة وعمله الرائع “شخصية مصر”، ويصير في النهاية أعظم وأشهر ممن ظلموه. والأثري الكبير سليم حسن تم نقله إلى وظيفة هامشية بعد أن كان مدير المتحف المصري، فوجدها فرصة ليعود إلى البحث وينتج موسوعة أثرية ويقول في مطلعها: “إلى الذين أرادوا أن يسيئوا إلىَّ فأحسنوا”. والأديب الأرجنتيني خورخي بورخيس كتب أعظم أعماله وهو مبعد من وظيفته، وأبدع البارودي أعظم قصائده في المنفى.

والعالم مكتظ بأسماء أثرياء بدأوا من الصفر، وغيرهم أفلسوا ثم عوضوا خسارتهم وصاروا أفضل مما كانوا عليه.

لا تيأس، فجيش المسلمين انتصر على المشركين في موقعة بدر رغم أنه كان أقل عَددًا وعُدة، وخالد بن الوليد هزم الروم في معركة اليرموك بقوة أقل من عُشر قوتهم، والبطل الإغريقي ليونيداس استطاع برفقة ثلاثمائة رجل أن يعيق تقدم جيش الفرس الجرار من ممر ترموييل؛ حتى سقط ورفاقه بعد أن قتلوا أضعاف عددهم، ومهدوا الطريق لبلد صغير هو إسبرطة كي ينتصر فى النهاية على إمبراطورية الفرس القوية. وبضعة آلاف من مقاتلي حزب الله تمكنوا من الصمود أمام الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح بلادهم، وقبله استطاع أطفال فلسطين أن يتصدوا للدبابات والبنادق بكومات من حجر.

لا تيأس، ولا تقنط، ففي نفسك طاقة جبارة، وفي جسده قوة لا تلين، وعليك فقط أن تكتشفها وتؤمن بها، وقبل كل هذا فرحمة الله واسعة، وجنته تسع كل الطيبين، ومهما ثقلت الآثام فسبحانه غافر الذنب وقابل التوب، ومهما عظمت الخطايا فلا يمكنها أن تطمر الغفران، وليس بوسعها أن تنسينا أن الله أحن علينا من أمهاتنا، وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (20)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …