أخبار عاجلة

معاوية في الميزان (42)

برزت حزامة معاوية في تدبير شئون ملكه مع ما اشتهر به ساسة العصر – في إقبال الدولة والدنيا – من الكلف بمناعم العيش والتهافت على المتع والملذات، بل مع اشتهار معاوية نفسه بمثل هذا الكلف في بيته وفيما يشهده الناس من أبهته وزينته، فكان عظيم العناية بأطايب الخُوان، كثير الزهو بالثياب الفاخرة، والحلية الغالية، وكان يأكل ويشرب في آنية الذهب والصحاف المرصعة بالجواهر، ويأنس للسماع واللهو ولا يكتم طربه بين خاصة صحبه؛ “لأن الكريم طروب”..

المفكر الإسلامي الكبير المرحوم عباس محمود العقاد

بقية: الأعمال

برزت حزامة معاوية في تدبير شئون ملكه مع ما اشتهر به ساسة العصر – في إقبال الدولة والدنيا – من الكلف بمناعم العيش والتهافت على المتع والملذات، بل مع اشتهار معاوية نفسه بمثل هذا الكلف في بيته وفيما يشهده الناس من أبهته وزينته، فكان عظيم العناية بأطايب الخُوان، كثير الزهو بالثياب الفاخرة، والحلية الغالية، وكان يأكل ويشرب في آنية الذهب والصحاف المرصعة بالجواهر، ويأنس للسماع واللهو ولا يكتم طربه بين خاصة صحبه؛ “لأن الكريم طروب”.

إلا أنه كان على هذا كله لا يضيع عملًا في سبيل لذة، ولا ينكص عن مشقة تواجهه من أجل متعة تغريه، وربما أمر بإيقاظه ساعات من الليل لمراجعة الرسائل والشكايات من أطراف الدولة القاصية، وربما جلس للمظالم نهارًا فاستمع إلى الجليل والدقيق منها، ونظر في بعضها، وأحال بعضها إلى من يناط بها ويحاسبه على النظر فيها، وكانت له قدرة على ضبط هواه حين يريد، وقدرة على تصريف وقته كما يشاء.

ولما برزت منه هذه القدرة للشاهد والغائب أتيحت له حجة لطلب الخلافة أغنته عن اللجاجة بمظلمة عثمان، فكان يخطب فيقول: “إنني إن لم أكن خيركم فأنا أنفعكم لأنفسكم”. وكان يقول للحسن ولغيره: “إنه لو علم أن أحدًا أضبط لشئون الملك منه وأقدر على جمع الرعية حوله؛ لما نازعه هذه الأمانة الثقيلة على عاتقه”.

وإذا كان الأمر أمر قدرة وعجز، فلا جدال في وصف معاوية بالقدرة ونفي العجز عنه؛ لأنه من الصفات التي ترد على بال عارفيه أو خصومه.

بيد أن القدرة – كما قلنا في الصفحات الأولى من هذه الرسالة – هي أحوج الصفات إلى التقدير؛ لأنها لا تعرف إلا بمقدارها، ولا تدل على شيء إن لم تكن قدرة على هذا الشيء أو ذاك.

وتقدير هذه القدرة التي امتاز بها رأس الدولة الأموية – فيما نرى – أنها كانت الحزم غاية الحزم في الشوط([1]) القصير، ولكنها تخلو من الحزم، أو تنحرف إلى نقيضه في الشوط الطويل والأمد البعيد.

إن معاوية لم يضيع عملًا حاضرًا في سبيل متعة حاضرة، ولكنه أوشك أن يضيع الغد كله في سبيل اليوم الذي يشهده، أو في سبيل العمر الذي يحياه.

ألجأته الحاجة إلى إنفاق المال في أبهة الملك والإغداق على الأعوان والخدام إلى إرهاق الرعية بالضوابط، ومخالفة العهود مع أصحاب الجزية، فكان من الولاة من يطيعه، ومنهم من يجيبه معترضًا كما فعل وردان في مصر حين أمره بذلك، فأجابه سائلاً:

“كيف أزيد عليهم وفي عهدهم ألا يزاد عليهم؟”.

ومن الولاة الذين أنكروا أن تُستصفى الأموال لبيت مال الخليفة والي خراسان، الذي كتب إليه زياد يأمره ألا يقسم في الناس ذهبًا ولا فضة، فكتب الوالي إلى زياد: “بلغني ما ذكرت من كتاب أمير المؤمنين، وإني وجدت كتاب الله تعالى قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه “والله لو أن السماء والأرض كانتا رتقًا([2]) على عبد، ثم اتقى الله جعل له مخرجًا، والسلام”.

إلا أن الولاة الذين أطاعوا وبالغوا في الطاعة أكثر من الذين ذُِكروا بالمخالفة، وكلما اشتدت الحاجة إلى المال اشتد الطلب على الرعية، وعمد بيت المال إلى احتجاز حصة الزكاة من الأعطية لحسبانها في الهبات والهدايا، وفتح هذا الباب على مصراعيه فتوسع فيه كل خليفة بعد معاوية؛ حتى جعلوا يحاسبون الناس “على التخمين”، ويحصون عليهم ثمراتهم قبل أن تنبتها الأرض، فيحسبونها عليهم بثمن دون ثمنها، ويأخذون منها ما يصل إلى أيديهم بالثمن الذي اختاروه، وتمادى هذا العسف إلى عهد عمر بن عبد العزيز الذي استنكره، وكتب إلى بعض ولاته يقول: “إن عمالك يخرصون([3]) الثمار عن أهلها، ثم يقومونها بسعر دون سعر الناس الذين يتبايعون به، فيأخذونها قرفًا([4]) على قيمتهم التي قوموها”… ولم ينته هذا العسف؛ حتى كانت نهايته بداية للخراب، وإفلاس الدولة في ختام عهدها، فكان إفلاسها هذا – على حين حاجتها إلى مضاعفة المورد – سببًا من أسباب التعجيل بزوالها.

وكأنما كان غرام معاوية بأبهة الملك زهوًا في قرارة النفس لا يبالي أن يباهي به من صادفه، ولو كان من الزهاد المنكرين للترف والسرف، وخيلاء الثراء والفخر بالبناء والكساء، فلما بنى قصر الخضراء بلغ من إعجابه بالبناء أن سأل أبا ذر داعية الزهد والكفاف من الرزق: كيف ترى هذا؟

فسمع منه جوابًا كان خليقًا أن يترقبه لو لم يكن لزهوه بما ابتناه لا يصدق أن أحدًا يراه بغير ما رآه، قال أبو ذر: “إن كنت بنيته من مال الله فأنت من الخائنين، وإن كنت بنيته من مالك فأنت من المسرفين”.

([1]) الشوط: الجري مرة إلى الغاية، يقال: عدا شوطًا كما يقال: عدا طلقًا.

([2]) رتقًا: رتق الشيء سده ضد فتقه.

([3]) يخرصون: خرص الكرم والنخل قدره بظن.

([4]) قرفًا: قرف على القوم: خلط وكذب.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …