أخبار عاجلة

غاية الإنسان في الحياة بين الإسلام والجاهلية (7)

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن الله تعالى يعلم ما لا تعلمه الملائكة عن حقيقة الخلافة في الأرض، والتي تختلف من حيث الظروف والأحوال والنتائج عن عبودية الملائكة وسائر المخلوقات لله عز وجل، ومن ثم أبطل الله تعجبهم بتعليم آدم الأسماء التي أقروا بعدم معرفتهم لها، بينما أنبأهم آدم بها.. وفي هذا المقال نواصل الحديث..

أ.د. فاروق الدسوقي

بقية: أهمية العلم لتحقيق الخلافة

بقية: رابعًا: التعبير عن المعلومات التي تلقاها آدم وتعلمها من الله تعالى “بالأسماء كلها” يفيد عدة نتائج:

ب- يؤكد تفسير الأسماء بهذا المعنى ارتباط الخلافة – كغاية عليا للإنسان – أوثق الارتباط بعلم الإنسان بالأشياء والأحياء وخصائصهما، كما أنه يُستبعد أن يكون علم الأسماء من اختصاص المعرفة الدينية التي تهدف إلى تحقيق عبودية الإنسان، والأدلة على صحة هذه النتيجة:

1- أن الأسماء ليست أسماء الله U، فلو كانت أسماء الله U لكان هذا العلم في مجال المعرفة الدينية.

2- عدم معرفة الملائكة للأسماء – وهم المسبحون والمقدسون لله – يبعد هذا العلم عن مجال المعرفة الدينية أيضًا.

3- انتهاء تعجب الملائكة من جعل الإنسان خليفة في الأرض بعد أن أنبأهم آدم بأسماء المعروضات، يربط هذا العلم بالأرض بما فيها وما عليها من أشياء وأحياء، ويجعل هذا العلم خاص بمجال آخر غير مجال تحقيق العبودية لله U.

ج- التعبير عن المعلومات التي تلقاها آدم “بالأسماء” يفيد أن الله U علم آدم خصائص الأشياء وصفاتها وأعراضها ولم يعلمه حقائق الأشياء وجواهرها وماهياتها؛ لأن الاسم لفظ يطلق على شيء لتمييزه عن الأشياء الأخرى، فلكل شيء اسمه، وهو عادة ما يدل على صفة من صفاته، أو خاصية من خصائصه، باعتبار أن الاسم ليس سوى علامة صوتية أو مصطلحًا لفظيًّا دالًّا على المسمى.

وكما أن لكل صفة أو خاصية من خصائص الشيء الواحد اسم يميزها أيضًا عن غيرها من الخصائص، كذلك لكل عنصر أو عضو أو جزء من أجزائه اسم يميزه عن سائر الأعضاء والعناصر والأجزاء.

وعلى هذا فمعرفة آدم بالشيء – وكذا سائر الناس – لا تتعدى الخصائص والصفات والعوارض والكيفيات، وكذلك لا يعرف الإنسان حقيقة أو جوهر الخاصية، وإنما يعرف اسمها فقط، فإذا أراد أن يعرف شيئًا عمد إلى تحليله إلى عناصره وخصائصه ومكوناته، ولكنه ينتهي – في الحقيقة – إلى معرفة أسماء العناصر والمكونات والخصائص لا إلى حقيقة هذه العناصر.

فإذا أراد أن يعرف الخاصية أو العنصر الواحد عمد إلى تحليله ليصل في النهاية أيضًا إلى معرفة عناصره، ولكنه لا يعرف من كل عنصر من هذه العناصر إلا اسمه، وخصائصه التي لا يعلم عنها إلا اسم كل منها، فإذا أراد أن يعرف كلًّا منها عمد إلى تحليل كل منها ليصل في النهاية إلى عناصرها الجديدة التي هي بالنسبة له – ليست شيئًا سوى أسماء – وهكذا.

فمعرفة الإنسان للأشياء تتمثل في معرفته لخصائصها وعناصرها متمثلة في أسمائها وفي التفاعلات والتأثيرات بين هذه الخصائص والعناصر، ولما كانت للتأثيرات والتفاعلات بين الأشياء أسماء أيضًا، فإن معرفة الإنسان بأشياء قاصرة على معرفة الأسماء، كما علمه U، وكما أخبرنا عن ذلك في القرآن الكريم.

يدل على ذلك أن الله U لو علم آدم حقيقة الشيء وجوهره لقال: (وعلم آدم الأشياء) ولكنه U قال: )وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ(، فثبت قصر علم الإنسان على الخصائص دون الحقائق.

الخلافة كتفضيل للإنسان وتكريم له وموقف الملائكة والشياطين منها

خامسًا: ليس أمر الله U بسجود الملائكة – بما فيهم الجن ممثلين في إبليس – ليس أمرًا بعبادة آدم، وإنما هو بمثابة الإقرار والاعتراف لآدم بالخلافة في الأرض.

ولكن – مما لا شك فيه – أن التعبير عن الإقرار والاعتراف بالسجود يتضمن تفضيل المسجود له على الساجد، من ثم فالخلافة درجة وجودية عليا بين المخلوقات، ومركز كوني سامي ومرموق بينهم، اصطفى الله الإنسان له من دونهم جميعًا، يدل على هذا أيضًا – بالإضافة إلى أمر الله الملائكة بالسجود – استشرافهم لهذا المركز الوجودي والمكانة العليا، وإن كتموا هذا في نفوسهم، ويدل على هذا أيضًا حقد إبليس وحسده للإنسان بسبب هذا التفضيل، ورفضه – لعنه الله – السجود، أي الإقرار والاعتراف للإنسان بهذا الفضل.

وليس يعني السجود مجرد الإقرار والاعتراف فقط بخلافة الإنسان في الأرض، وإنما يعني أيضًا ويتبعه عمل يتعلق بمساعدة الإنسان على تحقيق الخلافة، فالملائكة وهم جنود الله U في السماوات والأرض، مجندون – يقتضي السجود لآدم – لمساعدة الإنسان لتحقيق غاية وجوده العليا في هذه الحياة الدنيا المتمثلة في الخلافة، وهذا التجنيد بأمر الله U.

ويستتبع هذا المعنى لسجود الملائكة، معنى آخر وهو أن رفض إبليس وإبائه السجود لآدم، معناه توجيه فاعليته وإمكاناته ونشاطه هو وجنوده نحو هدف محدد هو منع الإنسان من تحقيق خلافته لله في الأرض.

لقد سخر الله U النواميس الكونية والطبيعية بحيث تلتقي غايات المخلوقات جميعًا وأهدافها لتحقيق غاية الإنسان.

سخر الله U للإنسان الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والنبات والأحياء والمعادن والأرض وكل ما على الأرض من عناصر وكل ما تحت الثرى من ثروات، سخر كل ذلك وجعله جميعًا قابلًا لتأثير الإنسان وفاعليته بحيث يتمكن الإنسان من تحقيق خلافته.

ولم يبق بعد خلق آدم إلا تجنيد الملائكة لهذه الغاية الإنسانية، فكان إخبار الله U لهم، بأنه جعل الإنسان خليفة في الأرض ثم كان الحوار الذي دار بين الله U وبينهم، والذي انتهى بإبطال تعجبهم ثم أمر الله لهم بالسجود لآدم.

ومن ثم كان هذا الأمر بمثابة دخول الملائكة مع بقية المخلوقات – بمشيئة الله – كعمال وموجهين لفاعليتهم التي هي فاعلية الله U لمساعدة الإنسان لتحقيق هدفه في الحياة.

وهكذا أصبح موقف الإنسان الوجودي بالنسبة لغايته العليا بين تأثيرين:

الأول: تأثير الملائكة الذين ينفذ الله بهم مشيئته في حياة الإنسان، فيساعدونه ويأخذون بيده نحو تحقيق الغاية التي خلق من أجلها، ومع الملائكة في هذا الموقف، نواميس الكون، وقوانين الطبيعة، وخصائص الأشياء والأحياء في الأرض، هذا من ناحية.

والثاني: تأثير الشياطين من الإنس والجن، جنود إبليس الذين يعملون جاهدين في محاولة منع الناس من الوصول إلى هذا الهدف، أو في محاولة تحريف اتجاههم عنه.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …