أخبار عاجلة

عبقرية الإمام عليٍّ (16)

قال الإمام عليٌّ يصف قسمته من الأنصار، وقسمته من النوازل والعثرات: “لو أحبني جبل؛ لتهافت”….

المفكر الإسلامي الكبير المرحوم عباس محمود العقاد

بقية: البيعة

قال الإمام عليٌّ يصف قسمته من الأنصار، وقسمته من النوازل والعثرات: “لو أحبني جبل؛ لتهافت”.

وقال يصف أنصاره: “أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء … ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل دفاع ذي الدين المطول … أي دار بعد داركم تمنعون؟، ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ … المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل([i])، أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم، ما بالكم؟ … ما دواؤكم؟ … ما طبُّكم؟ … القوم رجال أمثالكم، أقولًا بغير علم؟ … وغفلة من غير ورع؟ … وطمعًا في غير حق؟”…

وهي صيحة لا تصف إلا بعض ما يعانيه من حيرة، لا مخرج له منها في سياسة أصحابه، فإنه لم يفرغ من التحكيم الذي أذعن له وهو كاره؛ حتى فوجئ بطاقة أخرى من أنصاره يرمونه بالكفر؛ لأنه قبل ذلك التحكيم، وزعموه قبولًا للتحكيم في كلام الله وفي دماء المسلمين، وهو عندهم كفر بواح، أولئك هم الخوارج الذين حاربوه بالسلاح، وكانوا يحرمون عليه حرب معاوية قبل ذاك!

ثم اجتمع الحكمان بدومة الجندل التي وقع عليها الاختيار؛ لتكون وسطًا بين العراق والشام، ولم يكن قرار الحكمين خافيًا على من عرفوا أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، فإن أبا موسى لم يكتم قط أن السلامة في اجتناب الفريقين والقعود عن القتال، فليس أيسر من إقناعه بخلع صاحبه وخلع معاوية على السواء، ثم يرجع الرأي إلى عمرو بن العاص في إقرار هذا الخلع، أو الاحتيال فيه بالحيلة التي ترضيه.

إلا أن الدهاة من العرب، كانوا يتوقعون من عمرو بن العاص أن يحتال لنفسه؛ حتى يفرغ وسعه قبل أن يحتال لصاحبه الذي أنابه عنه.

ومن هؤلاء الدهاة المغيرة بن شعبة الذي اعتزل الفريقين من مطلع الفتنة إلى يوم التحكيم، فلما اجتمع الحكمان علم أنها الجولة الأخيرة في الصراع … فخرج من عزلته ودنا ليستطلع الأمور، على سنَّة الدهاة من أمثاله، إذ يتنسمون الريح قبل هبوبها، ولا يقلقون أنفسهم بمهبها قبل أوانها … فلقي أبا موسى وعمرو بن العاص، ثم ذهب إلى معاوية وهو مشغول البال بطول الاجتماع بين الحكمين، واضطراب الظنون فيما وراء هذا الإبطاء المريب … فقال له وهو يرى اشتغال باله: “قد أتيتك بخبر الرجلين”…

قال معاوية: وما خبرهما؟ …

قال المغيرة: “إني خلوت بأبي موسى لأبلو ما عنده فقلت: ما تقول فيمن اعتزل عن هذا وجلس في بيته كراهية للدماء؟ … فقال: أولئك خيار الناس، خفت ظهورهم من دماء إخوانهم وبطونهم من أموالهم. فخرجت من عنده وأتيت عمرو بن العاص، فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن اعتزل هذه الحروب؟ … فقال: أولئك شرار الناس لم يعرفوا حقًّا ولم ينكروا باطلًا”.

ثم عقب المغيرة قائلًا: “أنا أحسب أبا موسى خالعًا صاحبه وجاعلها لرجل لم يشهد، وأحسب هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذي عرفته، وأحسبه سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد الله، ولا أراه يظن أنك أحق بهذا الأمر منه”.

وقد أحسن المغيرة حزره نقل الحرف بالحرف في تقدير نية الرجلين، فإنهما ما اجتمعا هنيهة؛ حتى أقبل أبو موسى على عمرو يقول له: “يا عمرو! … هل لك فيما فيه صلاح الأمة ورضا الله؟”

قال: “وما هو؟”…

قال: “نولي عبد الله بن عمر، فإنه لم يدخل في نفسه شيء من هذه الحروب”…

فراغ عمرو قليلًا يحاول أن يلقي في روع صاحبه أنه يريد معاوية، ثم عاد يسأله: “فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته؟”.

فأوشك أبو موسى أن يجيبه لولا أنه قال: “إن ابنك رجل صدق، ولكنك غمسته في هذه الحروب غمسًا”.

وتكرر بينهما هذا القول وأشباهه في كل لقاء، وطفقا يبدئان منه ويعيدان إليه بعد كل جدال؛ حتى وقر في خلد الأشعري أن خلع الزعيمين أمر لا مناص منه، ولا اتفاق بينهما على غيره، فتواعدا إلى يوم يعلنان فيه هذا القرار …

وتقدم أبو موسى فقال بعد تمهيد: “أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليًّا ومعاوية، ونستقبل الأمة بهذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليًّا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا”.

وتلاه عمرو فقال بعد تمهيد: “إن هذا قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان 0 والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه”.

فغضب أبو موسى، وصاح به: “ما لك لا وفقك الله غدرت وفجرت، إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث”.

فابتسم عمرو، وهو يقول: “إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا”.

كلب وحمار فيما حكما به على نفسيهما غاضبين، وهما يقضيان على العالم بأسره ليرضى بما قضياه …

وانتهت المأساة بهذه المهزلة، أو انتهت المهزلة بهذه المأساة.

وبان أن اجتماع الحكمين لم يفض إلى اتفاق بين الحكمين، فعاد الخلاف إلى ما كان عليه … إلا أنه استشرى واحتدم بعد قصة الحكمين بما زاد عليه من فتنة الخوارج المنكرين للتحكيم.

فقد أجمعوا وأبرموا فيما بينهم … إن هذين الحكمين قد حكما بغير ما أنزل الله، وقد كفر إخواننا حين رضوا بهما، وحكموا الرجال في دينهم ونحن على الشخوص من بين أظهرهم، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق”.

وخرجوا وعليٌّ يأبى قتالهم حتى ييأس من توبتهم، ولقيهم بالجيش، فآثر أن يلقاهم مناقشًا قبل أن يلقاهم مقاتلًا، واقترح عليهم أن يخرجوا إليه رجلًا منهم يرضونه، يسأله ويجيبه ويتوب إن لزمته الحجة ويتوبوا إن لزمتهم، فأخرجوا إليه إمامهم عبد الله بن الكواء.

==========================

([i]) الأفوق هو السهم المكسور في موضع الوتر، والناصل العاري من النصل.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (26)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …