أخبار عاجلة

عبقرية الإمام عليٍّ (13)

هجم الثوار على باب الخليفة، فمنعهم الحسين بن عليٍّ وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وطائفة من أبناء الصحابة…

المفكر الإسلامي الكبير المرحوم عباس محمود العقاد

بقية: البيعة

كانت حيرة عليٍّ بين التقريب والإبعاد، أشد من حيرته بين الخليفة والثوار … فكان يؤمر تارةً بمبارحة المدينة ليكف الناس عن الهتاف باسمه، ويستدعى إليها تارةً ليردع الناس عن مهاجمة الخليفة، فلما تكرر ذلك، قال لابن عباس الذي حمل إليه رسالة عثمان بالخروج إلى ماله في ينبع: «يا ابن عباس … ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملًا ناضحًا بالغرب – أي: الدلو – أقبل وأدبر … بعث إليَّ أن أخرج، ثم بعث إليَّ أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج … والله لقد دفعت عنه؛ حتى خشيت أن أكون آثمًا» …

ثم بلغ السيل الزُّبَى، كما قال عثمان 0 فكتب إلى عليٍّ يذكر له ذلك ويقول: «إن أمر الناس ارتفع في شأني فوق قدره … وزعموا أنهم لا يرجعون دون دمي، وطمع فيَّ من لا يدفع عن نفسه:

فإن كنتُ مأكولًا فكن خير آكلٍ، وإلا فأدركني ولمَّا أمزَّقِ»

فعاد عليٌّ، وجهد في إنقاذ الخليفة جهده، ولكنه كان يعالج داءً استعصى دواؤه وابتلي به أطباؤه … فكلهم يريد تغييرًا يأتي من قبل الغيب أو يأتي من قبل الآخرين، ولا يغيِّر شيئًا من عمله أو مستطاعه، ولعل الخليفة لو شرع في التغيير المرجو يومئذ لما أجدى عليه عظيم جدوى، لفوات أوانه وانطلاق الفتنة من أعنتها، وامتناع التوفيق والصفاء بعد ما وقر في النفوس ولغطت به الأفواه …

وعد الخليفة وعدَه الأخير … ليصلحن الأحوال ويبدلن العمال..

وأحاطت به بطانته كدأبها في أثر كل وعد من هذه الوعود، تنهاه أن ينجزه وتخيفه من طمع الناس فيه، إن هو أنجز ما وعدهم حين توعدوه.

وكانت المرأة أصدق نظرًا من الرجال في هذه الغاشية التي تضل فيها العقول … فأشارت عليه امرأته السيدة نائلة باسترضاء عليٍّ، والإعراض عن هذه البطانة، ولم يكن أيسر على بطانته من إقناعه بضعف هذا الرأي بعد سماعه من امرأة ضعيفة، فكان مروان يقول له: «والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها» …

وكان هو يأذن له أن يخرج ليكلم الناس، فلا يكلمهم إلا بالزجر والإصرار … كما قال لهم يومًا: «ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب، شاهت الوجوه … جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا … ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبون على ما في أيدينا.»

إذن بطلت الرويَّة، ولم يبق إلا لحظة طيش لا يدرى كيف تبدأ، ولا يؤتى لأحد إذا هي بدأت أن يقف دون منتهاها.

هجم الثوار على باب الخليفة، فمنعهم الحسين بن عليٍّ وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وطائفة من أبناء الصحابة …

واجتلدوا فمنعهم عثمان، وقال لهم: «أنتم في حلٍّ من نصرتي.» وفتح الباب ليمنع الجلاد حوله … ثم قال رجل من أسلم يناشد عثمان أن يعتزل، فرماه كثير بن الصلت الكندي بسهم فقتله، فجنَّ جنون الثوار يطلبون القاتل من عثمان، وعثمان يأبى أن يسلمه، ويقول لهم: «لم أكن لأقتل رجلًا نصرني وأنتم تريدون قتلي …» وعزَّ على الثوار أن يدخلوا من الباب الذي كان قد أغلق بعد فتحه، فاقتحموا الدار من الدور التي حولها … وأقدموا على فعلتهم النكراء بعد إحجام كثير.

لو لم تقع الواقعة في هذه اللحظة الطائشة، لوقعت في لحظة غيرها لا يدرى كيف تبدأ هي الأخرى … فإنما هي بادرة واحدة من رجل واحد تسوق وراءها كل مجتمع حول الدار من المهاجرين أو المدافعين، ولا أكثر من البوادر بين ثوار لا يجمعهم رأي، ومدافعين لا يضبطهم عنان …

ونقل الخبر إلى المسجد، وفيه عليٌّ جالس في نحو عشرة من المصلين، فراعه منظر القادم وسأله: «ويحك ما وراءك؟» قال: «والله قد فرغ من الرجل.» فصاح به: «تبًّا لكم آخر الدهر …» وأسرع إلى دار الخليفة المقتول … فلطم الحسن، وضرب الحسين، وشتم محمدًا بن طلحة وعبد الله بن الزبير وجعل يسأل ولديه: «كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟» فأجابه طلحة: «لا تضرب يا أبا الحسن ولا تشتم ولا تلعن، لو دفع مروان ما قتل.»

قال سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه: «بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان، وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، والمصريون يلحون على عليٍّ وهو يهرب إلى الحيطان([i])، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم: لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى، فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم … فرجعوا إلى عليٍّ فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس … وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا عليٌّ، فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر، بايعه من لم يبايعه بالأمس وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: «إنا لله وإنا إليه راجعون.» ثم الزبير، ثم قال الزبير: «إنما بايعت عليًّا واللج على عنقي والسلام»

وهذا الخبر على وجازته، قد حصر لنا أسماء جميع المرشحين للخلافة بالمدينة عند مقتل عثمان … وربما كان أشدهم طلبًا لها طلحة والزبير اللذان أعلنا الحرب على عليٍّ بعد ذلك … فقد كانا يمهدان لها في حياة عثمان، ويحسبان أن قريشًا قد أجمعت أمرها ألا يتولاها هاشمي، وأن عليًّا وشيك أن يذاد عنها بعد عثمان كما ذيد عنها من قبله، وكانت السيدة عائشة تؤثر أن تئول الخلافة إلى واحد من هذين … أو إلى عبد الله بن الزبير؛ لأن طلحة من قبيلة تيم والزبير زوج أختها أسماء، وفي تأييد السيدة عائشة لواحد منهما مدعاة أمل كبير في النجاح …

على أن الرأي هنا لم يكن رأي قريش، ولا رأي بني هاشم … فلو أن عثمان مات حتف أنفه، ولم يذهب ضحية هذه الثورة لجاز أن تجتمع قريش فتعقد البيعة لخليفة غير علي بن أبي طالب، وجاز أن يختلف بنو هاشم … فلا يجتمع لهم رأي على رجل من رجالهم الثلاثة المرشحين للخلافة، وهم: عقيل، وعليٌّ، وابن عباس.

ولكنها الثورة الاجتماعية التي تنشد رجلها دون غيره ولا محيد لها عنه … فإن ترددت أيامًا، فذاك هو التردد العارض الذي يرد على الخاطر لا محالة، قبل التوافق على رأي جازم … ثم لا معدل للثورة عن الرجل الذي تتجه إليه وحده على الرغم منها …

فطلحة والزبير، كانا يشبهان عثمان في كثير مما أخذه عليه المتحرجون في الدين، وتمرد له الفقراء المحرومون … كانا يخوضان في المال، ولا يفهمان الزهد والعلم على سنَّة الناقمين المتزمتين، فإذا طلب الثائرون خليفة على شرطهم ووفاق رجائهم … فما هم بواجديه في غير عليِّ بن أبي طالب، وقد قال بحق: «إن العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر.» ولو شاء لقال عن الخاصة الذين لا يطمعون في الخلافة مقالته عن العامة في انقيادهم إليه بغير رهبة ولا رغبة … فقد كان أولئك الخاصة جميعًا على رأي العامة في حكومة عثمان وبطانته، وإن أخفى بعضهم لومه … ولم يذهب بعضهم في اللوم مذهب الثوار في النزق وسفك الدماء …

ونعتقد كما أسلفنا أن هذه الحقيقة هي أولى الحقائق بالتوكيد والاستحضار، كلما عرض أمر من أمور الخلاف والتردد في خلافة عليٍّ رضي الله عنه … فإذا هي فهمت على وجهها، فكل ما عداها مفهوم البواطن والظواهر منسوق الموارد والمصادر … وإذا هي لم تفهم على الوجه الأمثل أو تركت جانبًا، وبحث الباحثون عن العلل والعواقب في غيرها، فالعهد كله غامض مجهول، والموازين كلها مختلة منقوصة سواء في تقدير الرجال أو تقدير الأعمال، وجاز حينئذ أن يرمى عليٌّ بالخطأ … ولا خطأ عنده يصححه غيره في موضعه، وإنما هو حكم الموقف الذي لا محيد عنه، وجاز كذلك أن ينحل خصومه فضل الصواب ولا صواب عندهم؛ لأنهم مضطرون إلى ورود هذا المورد … فكروا فيه أو طرقوه اعتسافًا بغير تفكير..

==============================

([i]) البساتين.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (25)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …