أخبار عاجلة

شوارق التجلي الصوفي وروافده [2 /2]

أحسن الوصفَ والتوصيفَ فضيلةُ الإمام الأكبر شيخ الأزهر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب حينما قصد سرد المشهد الصوفي بأنه حالة ذاتية متفردة غير قابلة للتكرار، وأن لغة أصحاب هذه التجربة الروحية على اتساع مفرداتها تبدو ضيقة عاجزة عن الإفصاح بمكنونات اللحظة الصوفية قصيرة المدى وطويلتها المعروفتين بالحال والمقام،.

أ.د. بليغ حمدي

العصر الذهبي للثقافة الإسلامية

ما لبث التصوف في انطلاقه من محطة الزهد ليصل إلى محطات أخرى أكثر ارتقاء وازدهار بحكم ثراء الثقافة الإسلامية نفسها ونبوغ الفكر الإسلامي الذي أشرق على العالم كله لاسيما نهايات القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع الهجري الذي يعتبر بحق العصر الذهبي للثقافة الإسلامية. فنجد التصوف الإسلامي لم يعتبر نفسه مجرد محض زهد أو تقشف أو حتى ملازمة لقطع الشهوات والرغبات الباهتة الزائلة، بل تحول المشهد الديني إلى ممارسات عقلية أقرب إلى الطرح الفلسفي، كشف عن حقيقة راسخة وهي حضور الجانب العقلي وبزوغه في التجربة الروحية الخالصة.

فنجد الحارث المحاسبي الذي اشتغل بالتدريس – وهذا ينفي شبهة التعطل والبطالة عن أقطاب الصوفية الكرام – يسطِّرُ كتبًا تعد من جواهر المؤلفات العربية، التي تتحدث عن شوارق التصوف وأنواره مثل: “كتاب الرعاية لحقوق الله”، وكتاب “التوهم”، وكتاب “رسالة المسترشدين”، وفي كتبه جميعًا نجد منحى تحليليًّا عميقًا لأحوال النفس ومعالمها، وسردًا يخلو من المبالغة والعلو في التعبير، وهذا ما ميَّز كتابات عصر المحاسبي.

والحارث المحاسبي يواجه نفسه بسؤال: ما المحبة الأصلية ؟ وفي سؤاله هذا يقرن بين القلب والعقل، إذ إنه يتحدث عن أمر الوجدان بلسان العقل والروية، فيقول عن المحبة الأصلية: إنها حب الإيمان، مستدلًّا بذلك من أن الله تبارك وتعالى قد شهد للمؤمنين بالحب له فقال: )وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ( (البقرة: 165). يقول المحاسبي: “فنور الشوق من نور الحب وزيادته من حب الوداد، وإنما يهيج الشوق في القلب من نور الوداد، فإذا أسرج الله ذلك السراج في قلب عبد من عباده لم يتوهج في فجاج القلب إلا استضاء به، وليس يطفئ ذلك السراج إلا النظر إلى الأعمال بعين الأمان”.

والمستقرئ لتلك الكتابات يسهل عليه استنتاج التحول في تاريخ التصوف الإسلامي من الزهد في الشهوات وغايات الدنيا إلى تأصيل القيم الإسلامية، مثل: الحديث عن صفة الرياء، والتنبيه على معرفة النفس وسوء أفعالها والتحذير عن هوى النفس.

مقام الوجد

كما جاد فيض الصوفي المكتوب في الحديث عن الوجد حالًا ومقامًا؛ حيث إن الوجد هو المعاناة الدائمة لتمحض الإنسان وبلوغ حريته الخالصة في الإخلاص للحق. أي أسلوب تراكم سره. ومن هنا قول عمر بن عثمان: “لا يقع على كيفية الوجد عبارة؛ لأنها سر الله عند الموقنين”. ومقام الوجد كما أشار إليه ميثم الجنابي في دراسته الأكثر تميزًا وإثارة وتشويقًا الموسومة بـ “السماع لحقائق المطلق أو لعبة الوجدان والحقيقة في الإبداع الصوفي “يعني السر، والسر هنا هو حقيقة الباطن. ولهذا قالوا: “الوجد سر صفات الباطن”، أو حقيقة الأنا، أو حقائق الروح المبدع في معاناة تذوقه للمطلق في تجلياته اللامتناهية، وفي مكابدة مشاهداته ومكاشفاته. أي في مقاساة نماذج الإبداع العيانية والرمزية في إخلاص التجربة الفردية. فالوجد – كما يقول أبو سعيد ابن الإعرابي – هو “ما يكون عند ذكر مزعج، أو خوف مقلق، أو توبيخ على زلة، أو محادثة بلطيفة، أو إشارة إلى فائدة، أو شوق إلى غائب أو أسف على فائت، أو ندم على ماض، أو استجلاب إلى حال، أو داع إلى واجب، أو مناجاة بسر. وهي مقابلة الظاهر بالظاهر والباطن بالباطن، والغيب بالغيب والسر بالسر، واستخراج ما لك بما عليك مما سبق لك “.

ولا يمكننا تغافل ذكر أبي سعيد الخراز ونحن بصدد الإشارة عن شوارق التصوف الإسلامي وروافده الأصيلة، لاسيما وأنه صاحب الأسفار الكثيرة التي صقلت تجربته الروحية التي بدت أكثر عمقًا خصوصًا وأنه كان ملازمًا للاضطهاد الذي صوب سهامه القاضي الحنبلي غلام بن خليل للصوفية والتصوف، كما أنه كان معاصرًا للإمام الجنيد الذي تعددت ألقابه بين طاووس الفقراء وسيد الطائفة وشيخ المشايخ، وأبو القاسم الجنيد هو أحد أعلام التصوف الإسلامي، ويعد في ذاته منارة مضيئة للعقل والقلب معًا، وهو الذي أوسع حديثه في نعت القاصدين إلى الله، فيقول الإمام الجنيد: “اعلموا معاشر القاصدين إلى الله تعالى أن العبد كلما قصد إلى الله تعالى ومواصلته وقربه، فأول ما يجب عليه أن ينطلق بالسير على مركب المنطلقين إليه، ويبرز إلى محبوبه ويرتحل عن الكلية إليه بترك إرادة حظه من الدارين”.

وختامًا لحديث الواصلين حكي أن ذا النون رأى رجلًا يبكي في سجوده وهو يقول: اللهم ارزقني رزقًا حلالًا واسعًا وزوجني من حور العين في الجنة، فقال له ذو النون: يا مسكين في الدارين تبكي، تبكي في الدنيا للخبز وفي الآخرة تبكي على الحور العين، فمتى تتفرغ لمولاك.

ونال أبو سعيد الخراز قسطًا من التربية والتعلم على يد كبير الصوفية بشر بن الحارث الحافي، فنجده يكتب كتاب ” الصدق ” حيث شرح فيه معنى الصدق والإخلاص عند الصوفي، وأفاض في حديثه عن الوصل والواصلين، ومن شوارق ما خطه بيان الفرق بين الواصلين والمقربين؛ فيقول عن أهل الوصل:

الفرق بين الواصلين والمقربين

“واعلم أن الواصلين إلى الله عز وجل وأهل القرب منه، الذين قد ذاقوا طعم محبة الله تعالى بالحقيقة وظفروا بحظهم من مليكهم، فمن صفاتهم: أن الورع والزهد والصبر والإخلاص والصدق والتوكل والثقة والمحبة والشوق والأنس والأخلاق الجميلة، وما لم يكن يمكن أن يوصف من أخلاقهم، وما استوطنوه من البر والكرم فذلك كله معهم، وساكن في طبعهم، ومخفي في سرائرهم، لا يحسنون غيره؛ لأنه غذاؤهم وعادتهم؛ لأنهم فرضوا ذلك على أنفسهم فرضًا، وعملوا فيه حتى ألقوه، فلم يكن عليهم بعد الوصول كلفة، في إتيانه والعمل به، إذا حل وقت كل حال؛ لأن ذلك غذاؤهم، كما ليس لهم في أداء الفرائض ثقل ولا علاج”.

ثم يتجاوز الخراز حد توصيف علامات الواصلين واقفًا عند مقام القرب، وواصفًا أحوال المقربين، قائلًا: ” قلت: متى يألف العبد أحكام مولاه، ويسكن في تدبيره واختياره؟، قال: الناس في هذا على مقامين؛ فافهم، فمن كان منهم إنما يألف أحكام مولاه؛ ليقوم بأمره الذي يوصل إلى ثوابه، فذلك حسن وبه خير كبير، إلا أن صاحبه يقوم ويقع، ويصبر مرة ويجزع أخرى، ويرضى ويسخط، ويعبر ويراجع الأمر؛ فذلك يؤديه إلى ثواب الله ورحمته، إلا أنه معنى في شدة ومكابدة، وإنما يألف العبد أحكام مولاه، ويستعذب بلواه، ويسكن في حسن تدبيره واختياره بالكلية بلا تلكؤ من نفسه، إذا كان العبد آلفًا لمولاه ولذكره، وهو له محبٌّ وادٌّ، وبه راض، وعنه راض، فهل يكون أيها السائل، على المحب مئونة فيما حكم عليه محبوبه؟ كيف؟ وإنما يتلقى ذلك بالسرور والنعيم. هكذا قال في الخبر: حتى بعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة”.

أما أبو بكر الشبلي – الذي طلب منه الحلاج سجادته لكي يصلي عليها قبيل صلبه – فهو يمثل إشراقة لطيفة من إشراقات التصوف الإسلامي الرائق، ومجمل تجربته الروحية الذاتية تدور في فلك المحبة، ولقد أوضحت تجربته مدى عمق تفكيره وتأويلاته المستمدة من صميم القرآن الكريم، ولقد شرح مناسك الحج متجاوزًا الشكل الظاهري إلى تحقيق كنه العبادة والفريضة التي تجسد المحبة المطلقة لله تبارك وتعالى. وبه نختتم سطورنا بشعره حين قال:

بــاح مـجـنــون عـامــر بـهــواه

وكتـمـت الـهــوى فـمت بوجدي

فــإذا كــان فـي القـيـامـة نـودي

من قتيل الهوى؟ تقدمت وحـدي

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (13)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …