أخبار عاجلة

شروح الحكم من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم (140)

 الحكمة الأربعون بعد المائة

بالحال تزكية النفوس، لا بالفلوس والدروس، قال سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَكَّاهَا) (الشمس: 9).

الأستاذ سميح محمود قنديل

فى هذه الحكمة يبين لنا الإمام أبو العزائم t أن تزكية النفوس من لقسها وأمراضها إنما يكون بالحال، وليس  بالفلوس ولا بالدروس، وعلينا أن نتعرف من كلامه وعلومه وأسراره t  على حقيقة الحال الذى تتزكى به النفوس، فنسمعه t يقول: الحال هو الحجة القائمة على صدق الدعوة، ويعرفه بأنه داع لبذل قصارى المجهود، لينتقل من الأعراف إلى التعريف، ومن التعريف إلى التعرف، ومن التعرف إلى المعروف سبحانه، ويزيدنا تعريفًا بأن الحال: معنى يرد على القلب من غير تَعهِّد، ولا تكسِّب من صاحبه.

فالحال القاهر حجة على المقام الظاهر، كما أن الأحوال نتائج الإرادات والهمم من قوى النفوس، وللحال تأثير روحانى على قلوب المريدين، ربما أخرجهم من الملك إلى الملكوت فى نفَس، ومن أنفسهم إلى منفِّسها سبحانه، وحقيقة الحال قهر النفس على ما لا يلائمها، وعمل عظائم الأمور فى طاعة الله، مما لا يتحمله إلا أهل العزائم.

وعند الإمام t أن الحال العلىّ ينوِّع الفكر الدنىّ، وأن الأحوال العلية لا تكون إلا بآداب سَنية، والحال لا يمكن ستره عن الظهور؛ لأنه كالمسك مهما استتر ظهر، والحال مهما استتر قهر، وعنده أن الحال محبة وخشية، فمن تسلطت عليه المحبة من غير خشية هلك بالأمن، ومن تسلطت عليه الخشية من غير محبة هلك بالقنوط.

ويبين الإمام t أيضًا أن الأحوال نتائج الشهود، والشهود نتائج المقامات، فمن غلب عليه مقامُه، قُهر حاله، وليس الحال بالتكلف، ولو كان الحال بالتكلف لناله أهل الرياضة، فالحال إذن وارد الحق يهجم على القلوب، فيصول عليها صولة حقانية، فيفر العبد إلى الله ناسيًا ما سواه.

وتعتبر الأحوال والمقامات عند الصوفية طريق موصل إلى معرفة الله عزوجل، وقد وصفها ابن خلدون في مقدمته بالغاية المطلوبة للسعادة، فيقول: ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام، إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة.

الفرق بين الحال والمَقام

الأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجُود ، والمقامات تحصل ببذل المجهود، الأحوال من ثمرات الاستغراق في ذكر الله سبحانه وتعالى، يخلقها الله في قلوب الذاكرين، وسميت أحوالًا؛ لأنها تتحول ولا تدوم، وقد تسمى وجدًا لوجودها في القلب، وإذا قويت قد تفيض عن القلب، فتظهر على الجوارح حركات اضطرارية أو بكاءً أو صراخًا يقول الامام الجنيد t: الحال نازلة تنزل بالقلوب فلا تدوم.

وقال القاشاني t عنه: الحال هو ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمِّل، كحزن، أو خوف، أو بسط، أو قبض، أو شوق أو ذوق، يزول بظهور صفات النفس، سواء أعقبه المِثل أو لا، فإذا دام وصارا ملكًا يُسمى مقامًا.

وقيل: الأحوال هي المواهب الفائضة على العبد من ربه، إما واردة عليه ميراثًا للعمل الصالح المُزكِّي للنفس المصفِّي للقلب، وإما نازلة من الحق امتنانًا مَحْضًا، وإنما سميت أحوال لتحول العبد بها من الرسوم الخلقية، ودركات العبد إلى الصفات الحقية ودرجات القرب، وذلك هو معنى الترقي، وقال الغزالي t عنه: والحال منزلة العبد في الحين فيصفو له في الوقت حاله ووقته، وقيل: هو ما يتحول فيه العبد ويتغير مما يرد على قلبه، فإذا صفا تارة وتغير أخرى قيل له الحال.

وقال الهجويري t في كتابه كشف المحجوب: والحال وارد على الوقت يزينه مثل الروح للجسد، والوقت لا محال يحتاج إلى الحال؛ لأن صفاء الوقت يكون بالحال وقيامه به، يقول الشريف الجرجاني t  في كتاب التعريفات: الحال في اللغة نهاية الماضي وبداية المستقبل.

ويقول السهروردي t: الحال سُمِّي حالًا لتحوله، والمقام مقامًا لثبوته واستقراره، وقد يكون الشيء بعينه حالًا ثم يصير مقامًا، مثل أن ينبعث من باطن العبد أي من دواعيه الداخلية داعي المحاسبة، ثم يزول الداعي بغلبة صفات النفس ثم يعود ثم يزول، فلا يزال العبد حال المحاسبة بتعاهد الحال، ثم يتحوّل الحال بظهور صفات النفس إلى أن تتداركه المعونة من الله الكريم، ويغلب حال المحاسبة وتنقهر النفس وتنضبط، وتتملّكها المحاسبة فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه، فيصير مقام المحاسبة بعد أن كان له حال المحاسبة، ثم ينازله حال المراقبة، فمن كانت المحاسبة مقامه يصير له من المراقبة حال، ثم يتحوّل حال المراقبة لتناوب السهو والغفلة في باطن العبد، إلى أن ينقشع ضباب السهو والغفلة، ويتدارك الله عبده بالمعونة، فتصير المراقبة مقامًا، بعد أن كانت حالًا، ولا يستقر مقام المراقبة إلا بنازل حال المشاهدة، فإذا منح العبد نازل حال المشاهدة استقرت مراقبته وصارت مقامه، ونازل المشاهدة أيضًا يكون حالًا يحول بالاستتار ويظهر بالتجلي، ثم يصير مقامًا وتتخلّص شمسه عن كسوف الاستتار، ثم مقام المشاهدة أحوال وزيادات وترقيات من حال إلى حال أعلى منه، كالتحقق بالفناء والتخلّص إلى البقاء، والترقي من عين اليقين إلى حقّ اليقين، وحق اليقين نازل يخرق شغاف القلب، وذلك أعلى فروع المشاهدة.

الحال حجة الفانى وجذبة المحبوب للمنان

يقول الإمام المجدد t فى احدى مواجيده:

الحال حجة دعْوى سالك فـــان

والحال جذبة محبوبٍ لمنــــــان

الحال ينكره أهل الجهالة بـــــل

أهل الضلالة من خِب وشيطان

لكن أهل الصفا يخفون حالهمو

عن كل مبتدع عن جاهلٍ جـان

والحكمة تؤكد أن تزكية النفوس وشفاءها من أمراضها ومن لقسها، ومن رعونتها ورغباتها، لا يكون بالفلوس وإلا كان الأمر أصبح سهلًا، وأصبحت الولاية تشترى بالمال، وكانت نفوس الأغنياء أفضل النفوس، وكذلك لا تتزكى النفوس بالدروس، وإلا كان أهل الدروس أكثر الناس قربًا وأرفعهم منزلة، لكثرة كلامهم وقراءتهم ودروسهم، مع أن المُشاهَد والمعروف غير ذلك، وإنما تكون تزكية النفوس بالحال الصادق الصادر عن قلب مخلص، فالأحوال العلية لا تكون إلا بآداب سنية كما أخبر الإمام t.

وعلى العبد أن يتفقد أحوال نفسه ويراجعها، ليطمئن أن أحواله هى من أحوال الصديقين، ويتجمل فيها بالعباد المخلَصين، وأنه لا يقصد بها إلا وجه الكبير المتعال، الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، ويتأسى فيها بأحوال سيد المرسلين r، ويجعل حزنه وفرحه، وقبضه وبسْطه، وخشيته وبكاءه، وورعه وتقواه، وهمته وقربه من مولاه، وتواضعه ورضاه، خالصًا لوجهه الكريم بلا شوب يشوبه، يقول مولانا الإمام t على لسان الحضرة الإلهية:

حاسِب ضميرك والْحَظن أسرارى

واعكُف على باب الصَّفا يا سارى

ودَع الأمور مُسَلِّما ومُسَالمـــــــــــا

والشأنُ لى فاعلم به أقـــــــــــدارى

كن راضيًا عنى فإنى ظاهـــــــــــرٌ

بمظاهر الآيات والآثـــــــــــــــــار

والزم حصُون الأمن من شُغل بمـا

تهوَى من الأعمال والأذكــــــــــار

وعن اشتغالك بالخلائق فابتعــــــــد

بالصدق مبتدرًا إلى الأنـــــــــــــوار

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …