أخبار عاجلة

رسول الله في الإسراء والمعراج أعلى من الإنسانية وفوق الملائكية

لا شك في أن من تتبع أطوار نبي البشرية ورسول الإسلام سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من يوم أن بزغت على الدنيا شمسه، يرى أن الأرض بظهوره قد سعدت بحمل أعظم مخلوق وأكرم مبعوث، أحاطه الله بهالة من القدس الأعلى، وضرب عليه حصارًا من الكمال الذاتي؛ حتى لا تنفذ العقول إليه من أي جهة، بل تقف دونه مدارك البشرية وقوى الملائكة حيارى، لا يدرون كيف يهتدون للوصول إلى العلم بتلك المكانة، وكأن الله تعالى قد أحاطه بهذا السياج من العزة على أن تحصر آثاره العقول، أو أن تدرك حقيقة معناه القلوب والأرواح؛ حتى ينفرد الله تبارك وتعالى بالعلم بمرتبته صلى الله عليه وآله وسلم ، وليكون ذلك حكمًا أبديًّا من الله على أهل الأرض وعمار السماء بالعجز على أن يقدروا من قال الله له: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4).

داعي الطريقة العزمية الأول

فضيلة الشيخ إبراهيم أفندي الخطيب

ولما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محبوب الله ومجتباه، اقتضت حكمة إفراده بالمحبوبية أن ينبه الله العقول بشأنه، وأن يلفت الأرواح لأمره، بما خرق له من سياج العادة في كل مرحلة من مراحل حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، وما لازمه من يوم أن تدلت أنوار أشعته الذاتية لأهل الأرض من المعجزات الكونية، والآيات العجيبة التي أدهشت العقول وحيرت الألباب، مما هو ثابت ثبوتًا قطعيًّا لا يتطرق إليه الشك، ولن يصل إليه الريب؛ حتى أرغم الأعداء على الاعتراف بواقع هذا الأمر، الذي جعله الله دليلًا حيًّا مشهودًا يرمى إليه صدق نبوته من جهة، وعلو مكانته على من سبقه من الأنبياء والرسل من جهة أخرى.

وكيف لا؟ وهو نبي آخر الزمان الذي ختم الله به سجل النبوة، وأتم بدعوته رسالة الهدى، التي جمع الله فيها أقصى ما يمكن أن تصل إليه الإنسانية من النمو الفكري والسمو الروحي والغايات العليا، التي يتركز عليها الحق والعدل والحرية، ويعم بها الخير والمساواة؛ حتى تأخذ الحياة طريقها إلى الاستقامة، فتزدهر الدنيا ازدهارها العلمي في الحضارة والعمران والأخلاق، وليصل كل فرد من البشر إلى نهاية ما يمكن أن يصل إليه من الأهداف البعيدة، التي يتحقق بها منتهى الرقي في الدنيا، وغاية الكمال في الآخرة.

ولا بد لمن أكمل الله به بناء التشريع أن يسخر لمشيئته عوالم الأرض، ويطوع لمراده عمار الملكوت الأعلى؛ حتى يقوم هذا التسخير الكلي برهانًا قاطعًا بأن هذا الرسول صلوات الله عليه هو رسول الدنيا وعروس الأخرى من بين جميع المخلوقات.

ولقد سخر الله له جميع الحقائق الأرضية؛ حتى شهد أهل الأرض له من الآيات البينات ما لم يجتمع منها لأي داعٍ سبق من الأنبياء والرسل، وتوافرت لديه صلى الله عليه وآله وسلم الحجج القاطعة بأنه نسخة الكمال الذاتي يقرأ فيها أهل الأرض معاني أخلاق الحق وجمالات الرءوف الرحيم سبحانه.

وكأن الله تعالى لم يكتفِ بهذا القدر لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أن تكون له مثل تلك الكمالات وأعلى بين أهل السماء؛ حتى ينفرد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوصية تتضاءل بجانبها مكانة الأنبياء والرسل، وتضمحل أمامها مرتبة الملائكة المقربين.

فكانت خصوصية الإسراء والمعراج هي الطابع الرباني الذي ميز الله به حبيبه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ، وأثبت به عجز أهل السماء عن الدنو من تلك المكانة المحمدية.

ولقد كان لحادث الإسراء والمعراج من هزات عنيفة هزت القلوب والمشاعر إيمانًا بعلو قدره صلى الله عليه وآله وسلم على جميع المخلوقات علوًا وسفلًا، كما كان من أثر هذه الهزات أن ارتجت عقول، وتحطمت أفئدة لم تتذوق حلاوة التسليم لما هو فوق قدرتها، فأنكروا وقوفًا عند المألوف من العوائد الحسية، واستبعدوا الأمر قياسًا على الحوادث المادية.

وأنَّى للعقول المحجوبة بخضوعها لسلطان الحسِّ أن تنفذ من أقطار مادتها؛ حتى تشهد جمال هذه الخلوة الربانية لحبيبه ومصطفاه، أو تحوم حول هذه الخلوة المحمدية في سرادق قدس الحضرة الإلهية؟

أنى للعقول هذا؟ وقد أعجزها ما خفى من خواص الكائنات التي تحت إشرافها، وسر ما اندمج في مراتب الموجودات التي في دائرتها؛ حتى انقلب العقل خاسئًا وحسيرًا، وارتد الخيال حائرًا وحقيرًا، إقرارًا بعجيب قدرة القادر، وإكبارًا لحكمة البديع الصانع.

ولن يقف على سر الإسراء والمعراج إلا من وهب لهم عيون كشف تشهد كيف خلق الله الأنواع الحية، وكيف رفع السماء بغير عمد، وكيف نصب الجبال وبسط الأرض؛ حتى تطمئن القلوب بشهود ما خص الله به حبيبه المجتبى ورسوله المختار صلوات الله وسلامه عليه في تلك الليلة المباركة، التي أسرى الله به فيها من بلده الحرام إلى بيت المقدس، ومنه عروجًا إلى السماوات، فإلى سدرة المنتهى، إلى مقام قاب قوسين أو أدنى.

نسأل الله أن يمنحنا نورًا في قلوبنا نشهد به ضياء هذه المقامات شهودًا يرسم على نفوسنا ذلك الجمال المحمدي، ويسطر على ألواح أفئدتنا سر ما انفرد به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من الخلق الإلهي الممثل في إنسانيته والنور القدسي المطبوع في روحانيته؛ حتى ترتل الأرواح حقيقة معناه، وتظل أنواره مشرقة للقلوب فلا تنساه.

حديث الإسراء في القرآن

وحديث الإسراء حديث عجيب؛ لأنه من غرائب القدرة الربانية، ولذا استهله الله بكلمة (سُبْحانَ) التي تفيد التعجب، كما لو رأى الإنسان أمرًا غريبًا مدهشًا، فسرعان ما يقول: (سبحان الله)، وبهذا ينبه الله العقول إلى أن الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور النادرة العجيبة الخارجة عن نطاق العقل البشري.

وأيضًا تشير كلمة (سُبْحانَ) إلى التنزيه والبعد، أي تنزيه الله عما تتصوره العقول مما لا يليق بكمال الحق سبحانه من أن يكون الله تعالى في جهة أو مكان، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

ورضي الله عن سيدي وأستاذي السيد أبي العزائم قدس الله سره، فقد حلل كلمة (سُبْحانَ) تحليلاً لغويًّا نستخلص منه معاني التنزيه لله تعالى، وبعده عن كل ما يتعلق بالحوادث من الحلول في مكان أو جهة.

فقال: (سُبْحانَ) إما أن تكون علمًا على التنزيه، أو مصدرًا فعله سبَّح (بالتشديد) وأصله سبَح (بالتخفيف)، ويقال: سبح فلان في البحر، أي قطعه مرحلة؛ حتى بعد عن الأنظار.

ومنها يفهم بُعد الله عما يليق بكماله، وتنزه تفيد البعد إذ يقال فلان تنزه أي نأى عن النقائص والقاذورات والغوغاء داخل القرية أو المدينة، وبعد عنها إلى فسيح الإطلاق، ولقد استهل الله خبر الإسراء بهذه الكلمة منعًا للعقول من التصورات، وسدًّا للخيال من الأوهام.

وكلمة (الذي) التي بعد سبحان، اختار الله وضعها في هذا المكان من الآية لحكمة عالية لا تنكشف إلا لمن صاحب أولياء الله من العارفين، وسرها أن الله تعالى لم يقل: “سبحان الرب، أو سبحان القادر الذي أسرى بعبده”؛ حتى لا يكون تجلى الحق لحبيبه بقدر معنى الاسم المذكور بعد سبحان، بل أتى بالاسم الموصول إشارة إلى أنه موصول بجميع أسمائه وصفاته، ليكون تجلى الحق لحبيبه تجليًا كاملًا جامعًا لمعاني الربوبية؛ لئلا يغيب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الجلوة شأن من شؤون الحق سبحانه.

قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فإنه يتخلل بين تلك الكلمة من الآية الشريفة إشارات غريبة تميط اللثام عن الحقائق التي قد ذكر فيها وجاءت في سورة النجم، وتكشف أسرارًا فيها تغيير وتبديل وتحول، وكل هذه تحدثك بأعجب العجب في هذه القصة الفذة.

منها أن الله تعالى قال: (أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ)، ولم يقل أسرى برسوله؛ لما لمقام العبدية من المكانة العالية فوق مرتبة النبوة والرسالة، وليكون هناك مجاز لكل أولياء الله تعالى إذا ما سرت أرواحهم نفوذًا من أقطار السموات والأرض بقدر اتحادهم بالروح المحمدية الكلية، اتحادًا يبدل طبائعهم بما يظهر عليه من جمالات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لاستغراقهم الكلي في حضرته الأخلاقية والروحية.

وقوله تعالى: (لَيْلًا)  فيها على قصد السرى من السير ليلًا كلغة العرب، وهي تنطوي على إشارتين: تفصح إحداهما عن الإسراء والمعراج بأنه تم في جزء قصير من الليل نفسه الذي بدىء في السير، وتشير الأخرى إلى أن الرسول يوصف في هذه الليلة بأنه النجم المتألق في سماء الإنسانية؛ لأنه هو النور المتجسد لهداية العالم لقوله سبحانه: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ) وهو رسول الله، (وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: 15)، وهو القرآن.

ولقد كان من أسلوب القرآن البديع أن يعبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بالنجم لمناسبة الظرف الزماني الذي اختاره الله تعالى؛ لأن يجمع عليه؛ فهو حبيبه ومصطفاه، وهو الليل حيث تكون النفس قد سكنت إلى منفسها والجسم إلى بارئه.

وأيضًا لمناسبة الحالة التي كان عليها العرب من فساد العقائد وغلظ الطبع؛ حتى كانوا بذلك في ليل مظلم لرداءة الأخلاق وقسوة القلوب، فناسب أن يوصف الرسول بالنجم، وهو تعبير حكيم لا يتعدى الحقيقة، وليس لنا أن نقول لما اختير للرسول أن يكون نجمًا، ولم يكن شمسًا أو قمرًا، فإن الشمس تحقق وجود النهار المضيء، وهذا يخالف ما كان عليه العرب من ظلال دامس في العقائد والأخلاق، التي هي في قوة الليل الحالك.

ولا يناسب حالة الليل إلا نجم أو قمر، والنجم لهذا المناسبة أبلغ في التعبير عن حقيقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأن القمر يظهر في بعض الليالي ويغيب عن الأنظار في الأخرى، ولكن النجم دائم الظهور، ويهتدي به السالك كلما ضل الطريق، ويحقق هذا التوجيه أن قصة المعراج لم تذكر في آية الإسراء ولكنها ذكرت في سورة النجم- صلى الله عليه وآله وسلم – ، ولقد كان القرآن الكريم حريصًا كل الحرص، فلا يعطي الأشياء مسمياتها إلا بوصف الحالات السائدة والمناسبات الملتصقة بها.

وإن تعجب فعجب قوله سبحانه (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)، فمع وضوح العبارة إلا أنها تخفي وراء ألفاظها السر الذي يبهر العقول، ويميط اللثام عن تلك القوة الإلهية التي أشرف بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ حتى انبلجت له الحقائق من فوق الزمان والمكان يشهدها بغير قيود الحواس المحدودة مما مرده إلى قوة الله لا إلى مقدرة نفسه؛ لأن الذي أراه تلك الآيات هو الله بخلاف ما لو قال الله: (ليرى من آياتنا)، فإنه بذلك تكون الرؤية بنفسه في حدود قوتها وحواسها المحدودة.

وكأن الله تعالى نسب إلى نفسه الرؤية، بأنه هو الذي يريه، ليقطع على الناس طريق الاعتراض والإنكار؛ ولتتضح المعجزة التي هي من صنع الله.

ولعلك أيها القارئ الكريم تشهد معي أن هذا التغيير في فعل الرؤية وإحلال (لِنُرِيَهُ) بدلًا من (ليرى) هو بعينه يفيد تغيير الرأي من حالته البشرية في حدودها الآدمية إلى حقيقته الروحية المطلقة فوق الإنسانية والملائكية.

وفي قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) السر الأخفى، فمع دلالة هذه الكلمة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم السميع لما يتلقاه من الوحي بيانًا، البصير للحقائق والآيات عيانًا، فهو كذلك السميع لكلام الله من الله، والبصير الذي رأى الله بعين بصره وبصيرته كما أشار الله بذلك في سورة النجم بقوله: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (النجم: 17)، والزيغ والطغيان لا يكونان إلا للجسم بحواسه المحدودة، وذلك برهان على أن الإسراء والمعراج بالروح والجسد.

حديث الإسراء في السُّنَّةِ

ومن أمعن النظر وقلب القلب في معاني الإسراء يرى أن الجمع بين البراق والملك رمز يشير إلى تسخير الملك والملكوت لرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

كما يتخذ دليلًا يضاف إلى ما سبق من أدلة على أن الإسراء بالجسم والروح، إذ الروح وحدها لا تحتاج إلى دابة؛ لأنها مطلقة غير مقيدة، كما ينبلج هذا الدليل حالة استفتاح جبريل السماوات له صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ الروح المطلقة لا يستفتح لها ولا يستأذن لها؛ لأنها بصفائها تخترق الأسوار والأجواء والأرجاء.

ومن طرائف ما جاء عن الإسراء والمعراج أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على قوم يزرعون ويحصدون في كل يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: (ما هذا يا جبريل؟)، فقال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف.

ثم أتى على قوم ترضخ رؤسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: (ما هذا يا جبريل؟) قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة.

إلى غير ذلك مما طرزت به القصة ويوحي بتجسيد الأعمال في هذا الكون، فقد يحسبها الإنسان خيرًا لتقع شرًّا، أو يعتقدها مضرة وتعبًا، فتقع بها مسرة، إذ تتوارى صورها الزمنية، وتبقى صورها الأبدية التي نطقت بها حقائقها.

وأعظم برهان على علو مكانة الرسول فوق الملائكية توقف جبريل عليه السلام عن متابعة السير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما وصلا إلى سدرة المنتهى؛ حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أهنا يترك الخليل خليله؟)، فأجابه جبريل: تلك مكانتي، وأما أنت فتقدم؛ لأني لو تقدمت شبرًا لاحترقت، وهنا نقف برهة وقفة المتأمل الحائر أمام عجز الملائكية دون الوصول إلى المكانة المحمدية.

ولقد فرضت الصلاة في ليلة المعراج، وأظهر ما تشير إليه أنها لم تكن عن طريق الوحي بواسطة جبريل، بل كانت من الله لرسوله من غير واسطة، وذلك دليل على أهميتها العظمى في الإسلام، وأنها كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (عماد الدين).

وفي ترديد موسى لرسول الله على ربه يسأله التخفيف في الصلاة المفروضة؛ حتى صارت خمسًا بعد أن كانت خمسين، معنى لا يخفى على من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.

فموسى عليه السلام كان يطمع في تلك المكانة ليرى ربه وهو في الدنيا فلم يجبه ربه؛ لأنه لم يعده لها، ولأن الله تعالى أعد لها هذا السيد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان موسى كلما رأى ذلك الجمال الإلهي مشرقًا في محيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعيده إلى ربه لطلب التخفيف في الظاهر، والحقيقة أنه كان يستمتع بهذا التجلي الإلهي في صورة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

والحديث في الإسراء والمعراج محيط متلاطم بأمواج الأسرار والعوارف، فإذا أردنا أن تستوعب لحضرات قراء مجلة (المدينة المنورة) المحترمين ما استقيناه من خزانة العلوم الإلهية والمواهب الربانية إمامنا السيد أبي العزائم رضي الله عنه لم يتسع لذلك المكان والزمان.

فلأبي العزائم قدس الله سره من الإشارات في هذا المقام ما لا يمكن أن يحده العقل أو يسطر على الأوراق، ولكنه رضي الله عنه كان يلوح بهذه الأسرار العالية فترتسم معانيها على ألواح القلوب وصحائف الأفئدة.

خلاصة حديث الإسراء والمعراج

وإنا إذ نلخص موضوع الإسراء والمعراج بهذا الحديث، فإنما ننتهي منه بتلك الحقائق الآتية:

1- سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنسان، ولكنه فوق الإنسانية، وحقيقة نورانية أعلى من الملائكية.

2- كان البراق له صلى الله عليه وآله وسلم رمزًا للسرعة، وفي دعوته يكون زمان السرعة في كل ما يظهر على الأرض من النمو الفكري والسمو العقلي.

3- في دعوته يتصل أول العالم بآخره ماديًّا وروحيًّا بقدر ما أشار إليه البراق في سرعة خطاه. [i]

4- لا يكون المسلم مؤمنًا إلا إذا استنار سماء قلبه بشمس معانيه، التي تنقشع منها غيوم أهوائه ومبانيه، ولديها تشرق روحه على الملكوت وتتحد مع العالم الأعلى، فاللهم أوردنا هذا المورد الهني.

========================================

([i]) مقال نشر على حلقتين بمجلة (المدينة المنورة)، في العدد 46 من السنة 19، يوم الجمعة 8 شعبان 1366هـ – 27 يونيه 1947م، والعدد 47 من السنة 19، يوم الجمعة 15 شعبان 1366هـ – 4 يوليه 1947م.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (13)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …