أخبار عاجلة

دستور آداب السلوك إلى ملك الملوك (4)

الحمد لله الهادى من أحبه للصراط المستقيم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، القريب ممن تقرب إليه بالسمع والطاعة لرسوله J، المجيب لمن استجاب له سبحانه بالعمل بسنة رسول الله J، الذى قدر الذنوب وقدر التوبة، وأنزل التوابين منزلة أهل محبته، فكان تقدير الذنوب على المؤمنين الذين سبقت لهم الحسنى سببًا فى رفعة مقامهم عند الله تعالى، وعلو منزلتهم لديه سبحانه..

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم

رسالة الشفاء([1])

الحمد لله الهادى من أحبه للصراط المستقيم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، القريب ممن تقرب إليه بالسمع والطاعة لرسوله J، المجيب لمن استجاب له سبحانه بالعمل بسنة رسول الله J، الذى قدر الذنوب وقدر التوبة، وأنزل التوابين منزلة أهل محبته، فكان تقدير الذنوب على المؤمنين الذين سبقت لهم الحسنى سببًا فى رفعة مقامهم عند الله تعالى، وعلو منزلتهم لديه سبحانه، قال Y: )إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ( (البقرة: 222). والتواب هو المذنب الذى رجع بالإخلاص إلى الله تعالى، والمتطهر هو المتنجس الذى تطهر من حظه وهواه ورأيه، مفردًا قصده متجردًا بحول الله وقوته مما يحجبه عن شهود جمال الله تعالى، وكفى بأهل الذنوب التائبين منها شرفًا أن الله تعالى يحبهم، لأن أعلى مقامات السالكين محبة الله إياهم.

والصلاة والسلام على الحريص على العالم أجمع الرءوف الرحيم بالمؤمنين، مَنْ هو أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، سيدنا ومولانا محمد J.

وبعد، فمن خديم الفقراء محمد ماضى أبى العزائم لأحبابى فى الله ورسوله، وإخوانى فى الأخذ بالعزائم بقدر الاستطاعة، وأولادى فى مجاهدة النفس وتطهيرها من نزوعها إلى البدع المضلة، وميولها إلى فِطَرِهَا الْمُهْمَلَةِ، أَيَّدَنِى الله وإياهم بروحٍ منه، وَأَمَدَّنَا بروحانية رسول الله J.

السلام على أهل الوفا والصفا، من أبنائى المخلصين فى عبادة الله، الصادقين فى معاملة الله، القائمين شهداء لله ولو على أنفسهم، أدام الله لنا الاستقامة والكرامة والعناية، إنه مجيب الدعاء.

اعلموا إخوانى – أَيَّدَنِى الله وَإِيَّاكُمْ بروحانية رسول الله J- أن السالك فى طريق الله تعالى له مائة منزلة، لكل منزلة ثلاثة مقامات، ولكل منزلة من تلك المنازل علومٌ وذوقٌ وكشفٌ وشهودٌ، ووجودٌ وفناءٌ وبقاءٌ، وقـد جمعتها فى رسالة خاصة تطبع قريبًا بمشيئة الله تعالى، ولمَّا كانت تلك المنازل، لا ينزلها السالك إلا بالمرشد المعلم، العالم الربَّانى، الوارث المحمدى، الحى بالله بعد الموت بالفناء فيه سبحانه، القائم بالله لله، العامل بظاهر الشريعة وباطنها، الممثل لحضرة رسول الله Jأكمل تمثيل، الممنوح روحانية رسول الله J؛ لأن الله Y، لم يشأ أن يجعل مخلوقًا يتصف بصفة من صفاته بذاته، بل بتعليم من غيره، ولذلك فقد جعل للملائكة معلمًا وهو آدم، وجعل للرسل معلمًا وهو جبريل u، وجعل للسالكين معلمًا بعد رسول الله J، وهو المرشد الحى بالله القائم بالله لله، الدال على الله الحى القيوم Y.

ولما كانت تلك المنازل، لا يحصل فيها الأمن والهداية للسالك، إلاَّ بعد أن يحل فى كل منزلة حتى يتمها، ولديها يكون ممن قال الله تعالى فيهم: )أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ( (الأنعام: 82)؛ لأنه آمن إيمانًا لم يلبس إيمانه بشرك، ولأنه قبل أن يحل فى تلك المنازل يكون إيمانه ممزوجًا بشرك، وكم من وَلِىٍّ وَرِعٍ زَاهِدٍ عَابِدٍ وهو مشركٌ، إلَّا أنه يخفى عليه شِرْكُهُ.

وإنما صحبة المرشد للتجريد من هذا الشرك الظاهر أو الخفى والأخفى، فإن فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، للمصريين، وهذا العابد الزاهد قد يرى عبادته تنفعه، أو يرى أنه فعل العبادة – غير ملاحظ التوحيد الخالص من غير شوب – أو يظن أنه نفع المريدين بحاله وعلمه وكراماته، أو يعتقد أنه قام بعمل لرسول الله ولله، أو يقصد بعمله غير وجه الله العظيم، وكل ذلك فى طريقنا من الشرك، قال الله تعالى: )وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ( (يوسف: 106).

ولما كانت أمراض النفوس لا تحصى ولا تحصر، كان من الواجب على السالك أن يكون كالميت بين يدى الأستاذ؛ حتى يحيا، فإذا أُحْيِىَ كان كالطفل فى حضانة الأستاذ؛ حتى يَشِبَّ، فإذا صار شابًّا كان ولدًا للأستاذ، فإذا بلغ سن الصبا كان للأستاذ خادمًا أو وزيرًا؛ حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده منح أمانته، فشكر الله تعالى على ما وهبه من النعم، وشكر الأستاذ على ما أجراه الله له على يده، وهذا الشكر فريضةً فرضها الله تعالى، قال الله تعالى: )أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ( (لقمان: 14) ولزمه أن يتأدب للأستاذ، فينسب إليه تربيته وعلومه وأسراره وأحواله أدبًا مع رسول الله J، ولا يُدَلِّسُ، فإن مَنْ دَلَّسَ فى طريقنا كفر.

والتَّدْلِيسُ فى الطريق كِبْرُ الواصل إلى الله عن أن ينسب فضل الله الواصل إليه على يد الأستاذ الذى أجراه الله له على يديه، كما تنسب الحرارة والضوء إلى الشمس، ومن تَكَبَّرَ على الشمس وأغمض عينيه وقال: أنا أمشى من غير نور الشمس، هوى فى هاوية الكبر، أعوذ بالله.

لا تظن أن رجلًا صحب رجلًا، ورأى مرشدًا كاملًا دالًّا على الله فتبعه قد أساء، ولكنه أحسن إلى نفسه، ولكن الإساءة أن يصحب المرشد الكامل فينزله فى أول منزلة من منازل الطريق فيذوق بها حلاوة الإقبال، ولذة التوبة، وبهجة العمل الصالح، والأنس بذكر الله، والغيرة لله بالقول والعمل والبذل لله، فيتجمل بحال التوابين ومقام النبيين، فيغتر بما تفضل الله عليه على يد المرشد، وخصوصًا إذا أطلق الله لسانه بفضائل المرشد ومحاسنه، ومواهب الله التى تفضل بها سبحانه عليه، فيقبل الله عليه بوجوه الخلق، فيظن المسكين أنه اتصل ووصل، فيقبل على الناس ويلتفت عن المرشد، جاهلًا بطريق الله، وهى أول عقبة فى طريقنا سعد – والله – من اقتحمها، وأول غُلٍّ فى عنق السالك، فاز – والله – من فك رقبته منه. قال الله تعالى: )فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ( (البلد: 11- 13).

ولما كان علاج تلك الأمراض هو كعلاج الأجسام، إما بتعاطى الأدوية الْمُرَّةِ الْحَرِّيفَةِ، أو بترك الأطعمة اللذيذة المألوفة، فكذلك علاج تلك الأمراض يجب أن يكون بتكليف المريد بأعمالٍ شاقةٍ مؤلمةٍ، وتجريده من حظوظٍ وشهواتٍ مرغوبٍ فيها، فإذا أبى المريض أن يتعاطى الأدوية الْمُرَّةَ ويترك الأطعمة الشهية اللذيذة هلك، وكذلك السالك إذا تكبر أن يقوم بالأعمال التى يأمر بها المرشد، وتكبر عن ترك عوائده وحظوظه التى ينهاه عنها المرشد هلك، ولا يضر إلَّا نفسه.

لذلك أحببت أن أبيِّن لإخوانى – عصمنى الله وإياهم من النزوع إلى الحظ الْوَبِىِّ، والشرك الْخَفِىِّ، والظلم الْجَلِىِّ – وأبيِّن لهم أن كل خير نالوه وكل فضل أوتوه، وكل نعمة وصلت إليهم، هى ولا شك بتقديرٍ من الله وفضله، إلَّا أن الله Y وتقدست صفاته، لا يدركه Y إلَّا هو، وكل من سواه يرى آياته سبحانه فى غيره.

فمن الشرك الخفى والكفر الجلى أن يكفر المرء برسول الله J، كما فعل أهل الغواية فقالوا: ما وجدناه فى كتاب الله عملنا به وما لم نجده فى كتاب الله تركناه، كبرًا على رسول الله، وقد أعطى الله رسوله القرآن وأكثر من القرآن، وفرض سبحانه علينا طاعته وطاعة رسوله، فطاعته I فيما أنزل فى كتابه، وطاعة رسوله فيما سَنَّهُ J لنا.

وتلك النفوس – نعوذ بالله منها – تصحب الرجل لعلة خفية، وحظ خفى، فإذا نالت غايتها أَلْفَتَت الناس إليها، وسعت فى تنقيص المرشد، وهذه النفوس تفعل كذلك مع رسول الله، فتترك سنته J وتعمل برأيها، وتعمل ذلك مع الله، فتترك أحكامه وتعمل بما يوافق حظها، وكم من مفارق الكتاب والسنة وله شيعة يعتقدون أنه أكبر أولياء الله، وهو يعلم حق العلم أنه ما عمل هذا العمل إلا للذته وحظه، أعاذنا الله من مرض لا يعتني من قام به بمعالجته؛ حتى يهلكه.

لذلك كله أحببت أن أنبه إخوانى إلى المسارعة إلى الطبيب الروحانى، عند الشعور بأعراض المرض خوفًا من الهلاك الأكبر، أعاذنى الله وإياهم من الفتن المضلة والأهواء المضلة، وكم أهلك إبليس اللعين رجالًا افتتحوا سيرهم بالإخلاص والصدق.

واعلموا يا إخوانى أن السالك يجب عليه أن يجتهد فى تفريد قصده؛ حتى لا يقصد غير الله تعالى، فقد يبتدى سيره بالإخلاص موحدًا قصده، فيكون المرشد قصده فى بدايته، ليوصله إلى الله تعالى ويبيِّن له طريق الوصول إليه، ويوضح له سنن رسول الله J، ويناوله من شراب المحبة أرواه، ومن العلوم أنفعها، ومن الأحوال أعلاها، ومن الشوق إلى الله أصفاه، فينزله فى أعلى مراتب قلبه؛ كما قال السالك لأستاذه:

أُحِبُّكَ حُبًّا لَوْ يُفَضُّ يَسِــــــيرُهُ

عَلَى النَّاسِ مَاتَ النَّاسُ مِنْ شِدَّةِ الْحُبِّ

وَمَا أَنَا مُوفٍ بِالَّذِى أَنْتَ أَهْــــلُهُ

لأَنَّكَ فِى أَعْلَى الْمَرَاتِبِ مِنْ قَلْـــبِى

وكما قال ابن حمدون لإمامه سيف الدولة:

فَلَيْتَ الَّذِى بَيْنِى وَبَيْنَكَ عَامِـــــرٌ

وَبَيْنِى وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَـــــرَابُ

وَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيــــــرَةٌ

وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِــــضَابُ

إِذَا صَحَّ مِنْكَ الْوَصْلُ فَالْكُلُّ هَـــيِّنٌ

وَكُلُّ الَّذِى فَوْقَ التُّرَابِ تُــــرَابُ

ولا عجب، فإن المرشد فى عين السالك كدليل لسائر فى صحراء، لا نجاة له من هولها إلا بالسمع والطاعة له.

والسالك يهلك إن لم يتعود على السمع والطاعة للمرشد، من بدايته إلى نهايته، فى الرخاء والشدة، والكسل والنشاط، وما علم وما لم يعلم، ما دام المرشد عاملًا بكتاب الله وبسنة رسول الله حالًا ومقالًا، فإذا رأى منه ما يجهل حكمته، أسرع إلى المرشد فعرض ما ورد عليه ليبيِّن له ما يطمئن به قلبه، فإن للطريق غوامض أسرار تخفى على كبار العلماء، بل وعلى أكمل المريدين.

فإذا خطر على قلب سالك خاطر وأخفاه عن المرشد دل على مرض نفسه، وهى النكتة السوداء التى ينكتها إبليس عليه لعنة الله. وكيف يقتدى السالك بإمام يبلغ حبه فيه مبلغًا؛ حتى يفرده بالقصد لنيل سعادته الدائمة، ويلتفت عنه لوارد أو لخاطر قد يكون من إبليس؟ هذه الأمراض تعترى أهل البعد عن الله تعالى الذين لم يُقَدِّر الله لهم الحسنى السابقة.

ويشبه هذا المرض مرض آخر، يكون مقصد السالك تحصيل ما به يكون شهيرًا ميسرًا له رزقه، مُعَظَّمًا بين الناس، فإذا بلغ قصده تحقق بالمرشد جحده، قال الله تعالى: )وَمَا نَقَمُواْ إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ( (التوبة: 74) أعاذنى الله وإياكم من الخلط فى القصد.

ويشبه هذا المرض مرض آخر – وهو أنكى الأمراض وأشدها على السالك – وهو أن يأنس السالك بنفسه فيرى أنه مُنِحَ لسانًا تصغى إليه الآذان، وذوقًا تميل إليه الأجسام، فيكره بحالته المرشد ومداناته؛ لأنه يميل إلى احترام الناس له وتعظيمه، ويبعد من عرفه عن المرشد ليدوم له الاحترام – وهذا دليل على خبث النفس ونجاساتها – أو يبعدهم عنه؛ لأنه أفسد عليهم عقائدهم بما بيَّنه لهم من الضلالات، ليتمكن من أموالهم ومن أعراضهم.

ومن ذلك ما حصل من بعض أهل الضلال فى بيان منزلة الفناء – التى وضحناها فى باب اصطلاح الرجال – فيقول لهم: إن الفناء شهود الأشياء أنها كلها فِعْلُ الله، والفعل صفة الفاعل. وهو صريح الكفر.

والأشياء مفعول بفعل الله، ومقهورة بقهر الله، والفعل غير المفعول، وكيف يكون الكون فِعْلُ الله تنزه، وهو حادث أبدعه وأوجده بعد أن لم يكن، فالكون كله مخلوق لله تعالى، مقهور به، مربوب له سبحانه.

أو يقول لهم: إن الفناء الْغَيْرَةُ على الله من أن يكون الإنسان له عمل أو وجود أو مُلْكٌ مع الله تعالى.

والغيرة على الله تعالى ضلال؛ لأنه لا يغار الإنسان إلا على من يخاف عليه من ضرر غيره، وهو سبحانه قهار قادر، إنما يُغَارُ له سبحانه أن يعصى، وأهل الضلال لجهلهم يغارون عليه سبحانه فيقعون فى الكفر، أعوذ بالله تعالى.

فإذا تمكن من قلوب الجهال فيقول لهم: من صلى أو صام أو تقيد بقيود الشريعة أثبت له وجودًا وعملًا مع الله تعالى.

وهذا كفر بالطريق، فيتركون العمل بالشريعة، وإذا قبلوا مُسَلِّمِينَ له قال لهم: فكوا قيود الشريعة فى التحريم والتحليل، والتمليك والتكليف.

وهى الغاية التى يرمون إليها، ولديها ينال كل أغراضه من التصرف فى الأموال والأعراض كما يحب، وهؤلاء هم ضلال الأمة كما قال سيدنا ابن مسعود t: (خط لنا رسول الله J خطًّا ثم قال: هَذَا سَبِيلُ اللهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ وقال: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِّنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثم قرأ: )وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِه( (الأنعام: 153)([ii]).

كل تلك البلايا يبتدعها أهل الضلال، ليتمكنوا من رفع ستر الله عن العرض والمال، ويستندون فى تلك الأباطيل إلى إشارات أهل العرفان، الذين علمهم الله ما شاء، وكاشفهم بما شاء من غوامض أسراره، قال الله تعالى مُشَنِّعًا على هؤلاء القوم: )فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ( (آل عمران: 7) وقال Y مُثْنِيًا على أهل العلم بقوله: )وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا( (آل عمران: 7).

أما الفناء فقد بيَّنتُ علومه وأسراره بيانًا شافيًا فى كتاب (اصطلاح الرجال) وهنا أكشف لكم بعض سره.

حقيقة الفناء:

الفناء: هو تجريدٌ عن لوازم البشرية، ومقتضيات الآدمية، ونوازع الإبليسية، وميول النباتية، ودواعـــى الجمادية، مسارعة إلى الزهد فى الدنيا، والمجاهدة لتلك النفوس بتحمل فادح الآلام صبرًا وعزيمة، تشبهًا بالعالم الروحانى، اقتداءً برسول الله J، وبأئمة الهدى؛ حتى يكون ممن أثنى الله عليهم بقوله: )قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( (المؤمنون: 1- 11) وممن مدحهم الله تعالى بقوله: )مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ( (الفتح: 29) من الخشوع فى الصلاة، وإعراضهم عن اللغو، والمسارعة إلى تزكية النفس وحفظ الفرج، ورعاية الأمانة والعهد، والمحافظة على الصلوات فى الآية الأولى، ومن الشدة على أعداء الله والرحمة بالإخوان، ودوام الركوع والسجود ابتغاء فضل الله ورضوانه، وصبغة الله التى تظهر الخشوع على الوجه، إلى آخر معانى الآية الثانية.

بذلك يكون السالك فانيًا حقًّا – عَمَّنْ وَعَمَّ وَفِيمَنْ – عن نفسه التى تدعوه إلى الشرور، وعن أكثر ضرورياته وكمالياته، وفيمن: فى رسول الله J، تشبهًا بأكمل المعانى المحمدية، وفى الله تفريدًا له سبحانه بالألوهية والربوبية، وأما الفناء عن الكمالات المحمدية وعن تنزيه الإله فى الألوهية والربوبية، إلى الرذائل الإبليسية والإباحة البهيمية، والقبائح البشرية والحظوظ الآدمية؛ حتى يخلد إلى الأرض – وهو مطالب بأن يشهد ملكوت السموات والأرض – هذا ليس فناءً عندهم، ولكنه بلاءٌ، أعاذني الله عز وجل وإياهم من أهل الضلال، ومن الاقتداء بمن تركوا كتاب الله I وسنة رسول الله J وراء ظهورهم، خصوصًا إذا التفتوا عن المرشد الحي القائم بالحي القيوم، الدال على الله Y بالحكمة والموعظة الحسنة، العامل بكتاب الله U بالعلم والحال واليقين، وهذا دليل على خبث النفس ونجاستها.

أمراض أخرى:

ويشبه هذا المرض مرض آخر هو: أن من سبقت له العناية قد يمتحنه الله في سلوكه إما بغنى أو فقر، فيدخل عليه إبليس من حيث لا يعلم فيطغيه بالغنى أو ييئسه بالفقر، ولو أنه صبر لكتب عند الله I أمينًا، ومنحه التصريف الأكبر، ولو أن الغني شكر؛ لكتب عند الله Y شكورًا، ومنحه المزيد من فضله – ولكن لعنة الله U على إبليس – ولسبق العناية يتداركهم الله تعالى.

وهناك أمرض أخرى تعتري السالك في طريق الله تعالى، وأضرها: فهم كلام المرشد ممن لم تزك أنفسهم، فيبينون إشاراته بما يؤدي إلى الضلال أو الحلول، وهذه الأمراض وإن كانت أضر الأمراض، إلا أنها أقرب علاجًا من الأمراض الأخرى؛ لأنهم قصدوا الله I، فإن مازج هذا المرض مرض آخر، أعاذنا الله Y منه، وهو استعمال تلك الأمراض للتحصيل على دنيا أو شهرة أو رئاسة أو سمعة، أنتج البعد عن الله تعالى، وكم من سالك زلقت قدمه فتداركته عناية الله U بخفي ألطافه فنشلته من وحلة التوحيد وأنجته من بادية الإلحاد؛ لأنه قصد الله I وحده، وقصد المرشد المبين له، وهو تعالى أرحم وأحن وأشفق على حسن نواياهم وسلامة ضميرهم، وقد يبلغ بعد انتشالهم من تلك الوحلة مبلغ القرب والحب.

واعملوا إخواني: إني سأرسل الأدوية النافعة لمن أصابتهم الأمراض في طريقي، وأكلفهم بتعاطي الأدوية أمرًا ونهيًا، إن سرًّا وإن علنًا بحسب كل مرض، فمن وفقه الله تعالى وأعانه على مجاهدة نفسه، وسارع إلى نجاتها، كان ممن أثنى الله Y عليهم بقوله تعالى: Pوَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌO (الأنعام: 54).

وكنا جميعًا على صفاته U، ومن أعماه حظه وهواه عن قبول الأدوية، وكبرت نفسه عليه أن يذلها للحق: سمعنا وأطعنا، لقول الله تعالى: Pإِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍO (الزمر: 41).

وسأكتب إن شاء الله تعالى أسماء من أستحسن تأديبهم بالهجر؛ حتى تهجرهم الإخوان جميعًا زمنًا معينًا لهم، تأديبًا لهم، وتزكية لنفوسهم، عناية بهم من الله تعالى، وحق عن الله I علينا جميعًا بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تعالى، والسير على الصراط المستقيم؛ حتى نفوز بالبشائر التي بشرنا الله تعالى، بقوله: Pفَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًاO (النساء: 69).

وسأبين ما ينبغي أن يكون عليه كل أخ في طريقنا بحسب منزلته، وما يجب أن نتمسك به من الآداب، وما يجب عليه أن يقوم به لنفسه أولًا وبالذات؛ حتى تكون نفسه زكية طاهرة، وأسأل الله Y لي ولجميع إخواننا في سائر البلاد أن يعيننا على مجاهدة أنفسنا، ويبين لنا عدونا الحقيقي وهو الشيطان، وحظنا وهوانا، ويبين لنا حبيبنا الحقيقي وهو الله U ورسوله J، والعمل بكتاب الله I وسنة رسول الله J، وإخواننا من أهل الصفا والوفا والتقوى العلماء الحلماء، الحكماء الرحماء الفارون إلى الله Y بالله U، المتحققون أن الدنيا ملعونة ما فيها إلا ذكر الله I وما والاه، ولديها نوالي الله تعالى ورسوله J والمؤمنين عملًا وحالًا، مجاهدة بالقلب واللسان واليد؛ حتى نكون ممن أثنى الله Y عليهم بقوله تعالى: Pوَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَO (العنكبوت: 69).

والله تعالى وليي عليكم، وخليفتي عليكم، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، آمين.

=====================================

([1]) رسالة كتبها الإمام t فى سنة 1334هـ لإخواننا فى الفيوم وصعيد مصر لإعادة صحتهم الروحانية.

([ii]) جاء فى تخريج الأحاديث والآثار الواقعة فى تفسير الكشاف للزمخشرى، تأليف/ جمال الدين عبد الله بن يوســف بن محمـد الزيلعي، دار النشـر/ دار ابن خزيمة – الرياض – 1414هـ الطبعــة الأولى: ورواه ابن حبان فى صحيحه فى النوع الحادى عشر من القسم الثالث، والحاكم فى مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه أحمد وأبو داود الطيالسي وإسحاق بن راهويه والبزار فى مسانيدهم، قال البزار: ورواه عن أبى وائل غير واحد، ورواه أبو يعــلى الموصلى فـى مسنده، وسنده عن حماد بن زيد عن عاصم بن أبى النجود.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الدروس المستفادة من قصة المرأة التي سمع الله شكواها

بعد عودة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية وقع أول …