أخبار عاجلة

تأملات في الخطاب الديني المعاصر (2 / 2)

في مصر تجري معركة حامية الوطيس بين طوائف شتى وفئات متفرقة المنبع والمشرب حول مشروعية النقاب وحكم ارتداء المرأة له، والنواتج النفسية والاجتماعية وربما السياسية أيضًا المترتبة على ارتدائه؛ حتى ظننت أن طرح هذه المسألة الاجتماعية وليست الدينية ضمن سلسلة أفلام عجلة الزمن التي تدور إلى الخلف.

أ.د. بليغ حمدي

تضارب بيانات المؤسسة الدينية

هكذا نجحت المؤسسة الدينية بامتياز أن تجعلنا ندق مسمارًا جديدًا في نعش حضارتنا ونهضتنا بإصدارها تصريحات وأوامر متباينة؛ مرة بمنع ارتداء النقاب للمعلمات والطالبات، ومرة أخرى بجواز وإباحة الارتداء، وهرعت الجامعات المصرية العريقة التي خرجت من سباق تصنيف الجامعات العالمية ذات الجودة الحقيقية تعلن عن هذا المنع تارة، وحق الطالبة والأستاذة في ارتدائه مرة أخرى، ربما من أجل تسريع دخولنا طوعًا وليس كرهًا إلى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية نتيجة تضارب الرأي.

ولي حق السؤال: هل منع النقاب داخل المعاهد الدينية سيجعل خريجيها وخريجاتها في قوة وعلم ومتانة وحجة الشيخ محمد عبده؟ وهل في منعه ارتقاء بمستوى أئمة ودعاة المستقبل؟ وهل في منعه بالجامعات المصرية البعيدة عن التصنيف العالمي سننافس جامعات تل أبيب؟ وهل لو أصدرنا بعد قليل ـ وهذا وارد ـ بيانًا آخر نعلن فيه رجوعنا عن قرار المنع ولقد حدث فعلًا هل سيعود الإرهاب والمتطرفون والتكفيريون من جديد؟.

وإلى أن تجاب عن أسئلتي السابقة سأهتم بمعرفة آخر أخبار قضية عودة مطرب المهرجانات حمُّو بيكا إلى الغناء بتصريح رسمي مباشر من نقيب الموسيقيين.

وأذكر أنني في أكثر من مقال لي قد ناقشت مع أحد القراء الأماجد والأفاضل حديثًا قصيرًا عن النقاب، وقتما أثير على يد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الأسبق ـ رحمه الله ـ وما صاحب وواكب رأيه في النقاب من جدل واسع ولغط بين العامة وعموم القوم آنذاك، وبلغ اللغط مداه؛ حتى فرض بعض رؤساء الجامعات قوته وسطوته في منع دخول المنتقبات لجان الامتحانات بها؛ لأن التعليم ماء وهواء والمنتقبة تخفي فمها فكيف ستشرب وتستنشق هواء العلم، الذي هو في غالب الظن بدا غائبًا تمامًا عن التعليم الجامعي.

وهل في منعه أو وجوبية ارتدائه وإلزامه ارتقاء بمستوى الثقافة الجامعية؟ وأظن أن الثقافة بوجه عام أصبحت في خبر كان وأخواتها، ويكفينا أننا خارج حسابات الثقافة العالمية منذ حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب.

فرنسا والنقاب

وبعد أن باغتتنا فرنسا ـ وهي لمن لم يدرك كنهها بعد دولة جمهورية علمانية طاغية في الحريات الفردية والشخصية ـ بقانون جديد لحظر ارتداء النقاب هناك، بل وفرض عقوبة مالية في هيئة غرامة على كل من ترتدي النقاب في الأماكن العامة، وقام المشرعون للقانون الجديد بتحديد المواضعة الخاصة بالأماكن العامة في الفضاء العام، وهو ما يعني الشوارع والميادين والأماكن المخصصة للجمهور (مواطنين وأجانب) كالحدائق والأندية مثلًا، وأيضًا الأماكن الخدمية مثل المستشفيات والمدارس والجامعات والبنوك والمصارف والشركات وغيرها.

وقبل أن يباغتني قارئ بتعليق مثير حول مدى أهمية قانون النقاب في فرنسا، ويشير علي بضرورة الحديث عن دون كيشوت المصري أعني الدكتور محمد البرادعي، أو عن أزمة مصر بشأن حصتها في مياه النيل، أو عن ضرورة رجوع تنظيم حسن البنا إلى المشهد السياسي باعتبار أن غيابهم عن الواقع المجتمعي هو سبب حالات انتحار الشباب، أقول لهم على استحياء: قدموا شكواكم وهمومكم دون خجل أو استحياء أو ملل لعقولكم التي باتت اليوم أكثر حاجة لإعماله وتثويره بالعصف الذهني.

وبدأت سوريا الشقيقة تداعب أفكار الشارع السوري بضرورة منع ارتداء النقاب، ولا أعلم إن كان منعه سيكون عامًّا أيضًا مثل فرنسا، أم سيحظر ارتداؤه فقط داخل أروقة الجامعات البعيدة أيضًا عن أي تصنيف علمي عالمي.

ونعود لقضية النقاب الذي سيتم منعه قريبًا جدًّا في فرنسا التي تتزعم حركة الحريات في العالم وتذكر معي عزيزي القارئ سجن الباستيل، والثورة الفرنسية، وإعلان حقوق الإنسان وغيرها من المؤشرات التاريخية التي تؤكد حق فرنسا في اعتلاء منصة المناداة بالحريات. فلقد تضمن نص القانون بعض الاستثناءات منها عندما يكون الزي منصوصًا عليه بقانون أو قواعد مثل ارتداء الخوذة (غطاء الرأس المعدني) بالنسبة لراكبي الدراجات النارية أو إذا كان مسموحًا به لحماية سرية هوية الشخص كأفراد الشرطة، أو مدرجًا في إطار الاحتفالات والأعياد مثل الأقنعة التي تستخدم في عيد المرفع لدى المسيحيين.

بعيدًا عن المشروعية وعدمها

ولست بصدد البحث عن مشروعية النقاب من عدمها، بل إن ظاهرة الحظر نفسها تتطلب التأويل وإعمال العقل والتفكير في استشراف مستقبلنا الذي قد لا ينبئ بوقع مغاير أو بجدة، فبين منتقبات يرتدين النقاب دون سند أو نص صريح يعللن به فقه الارتداء، وبين تشريعات وقرارات إدارية تجيز وتبيح حظر ارتدائه يقف المجتمع في حالة هلع وارتباك حول قيمه ومعتقداته وأفكاره، ويبحث عن مسكنات جديدة تجعله مغيبًا طول الوقت.

ولعل السجال الراهن اليوم بين دعاة ورجال دين وحقوقيين وحقوقيات وإعلاميين وفضائيين لم يغادروا الأرض إيابًا للمريخ أو كوكب الزهرة، وكذلك فنانات وكتاب وكاتبات قصة ورواية في الوقت الذي لم يعد يقرأ فيه الشباب حرفًا واحدًا سوى بعض سطور إجبارية وإلزامية مقررة عليهم من قبل أستاذ أراه مسكينًا معرفيًّا ـ جاء فرصة سانحة وطيبة لبعض نجوم الفضائيات الفراغية، وصار كل واحد منهم سوبر ستار لدى مشاهديه، فصار هذا يدلل على أن ارتداء النقاب هو شرط دخول الجنة، وأصبح هذا يؤكد أن منع النقاب داخل الحرم الجامعي جريمة تنافي القيم والتقاليد الإسلامية، وذهب ثالث بدلًا من أن يعرض لنا أسس المذاكرة والتفكير للمستقبل ذهب بعيدًا إلى الهجوم على الدولة ومؤسساتها بدعوى أنها تجبر المنتقبات على الانزلاق في الرذيلة والخطية، وتجاوز رابع فأخذ يندد بفرنسا الملحدة والكافرة والسافرة والفاجرة، وهكذا صار الموضوع لهم مصدر رزق ومزايدة.

أما هنا في مصر فالأمر مختلف تمامًا ـ فكان علينا في البدء بعدم تقزيم أنفسنا، أي مناقشة أمورنا الاجتماعية بشيء من التصغير والامتهان، فماذا لو أننا بصّرنا أخواتنا المسلمات أن الحجاب هو الزي الإسلامي الشرعي الذي جاء في القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع الأرض.

ولم يعد لنا حق الرد على القوانين التي تتعلق بأمور عباداتنا وشعائرنا الدينية في خارج القطر المصري ما دمنا في حيرة من أمرنا، ولا نزال نصدّر للغرب الأسلحة الضارية التي يهاجموننا بها وبعد ذلك نكيل لهم التهم والجرائم.

وكفى بالمرء علمًا أن يخشى ربه، فيفكر في مستقبل أمته، وكيف يرتقي بها، لا أن يجد نفسه خاويًا من أي تجديد فيهرع إلى شغل وقته وإزهاق جهده وقوته في مساجلات لا تسمن ولا تغني من جوع، وستكتشف المنتقبات والمحجبات والسافرات عند تخرجهن أنهن بلا ثقافة، وبلا علم، وبلا فقه يسيرهن به حياتهن، وأخيرًا بلا نقاب أو حجاب، فربما يأتي نهار علينا نناقش فيه حظر دراسة علوم اللغة بحجة التواصل مع الآخر، وأن نعتمد كليًّا على ثقافة الإنترنت في تداول المعرفة الأكاديمية بدلًا من ثقافة الكتاب الذي لم يعد له رسوخ كما كان من قبل، والنتيجة بالطبع خريج عاطل يعاني من فراغ معرفي، وبطالة فكرية.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …