أخبار عاجلة

حين فهم الأولون معني (الوطن) فأنتجوا فكرًا إسلاميًّا مستنيرًا! (2-2)

دأب الفكر الإسلامي المعاصر وبخاصة بعد النصف الثاني من هذا القرن وحتى يومنا هذا، على إعادة إنتاج قضاياه القديمة، وإعادة طرحها بنفس الشروط وذات المواصفات التي كانت ملازمة لها مع أوائل القرن التاسع عشر، وهي عملية تعكس في تقديرنا حالة الخلل البنائي الذي أصاب العقل المسلم، والعربي فجعله يقف عن الإبداع،..

د. رفعت سيد أحمد

مساهمة رفاعة رافع الطهطاوي

لقد تناول العالم الأزهري الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873م) إشكالية الوطنية في المجتمع المصري بشكل مختلف نسبيًّا عمن تلاه، حيث يعود ذلك ضمن أسباب عديدة إلى عدم بروز التناقض بين النموذج الإسلامي، والنموذج الوطني والمستمد فيما بعد من “فكرة الوطنية” كما استقرت في الفقه الغربي حين ربط الانتماء بأرض الوطن، وليس بالعقيدة، كما كان سائدًا في الفقه الإسلامي وقتذاك، نقول: هذا التناقض لم يكن بارزًا لهذا السبب، وأيضًا بسبب وجود دولة إسلامية (وطنية) قوية يخشاها الغرب وقتئذٍ، دولة محمد علي، وعليه لم تكن القضية مطروحة بنفس الإلحاح الذي عاصرته إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو ما يتضح في فكر الطهطاوي الذي تعرض لها من خلال تأكيده أن “الوطنية” لا تتنافى مع الإطار الإسلامي ومع الفهم الصحيح للإسلام خاصة إذا كان هذا الفهم خاليًا من التعصب، ومن إجبار الملوك لرعاياهم على تبديل عقائدهم الدينية – تحت دعوى التعصب للدين، وذلك لأنه وفقًا لقوله: “إن الملوك اذا تعصبوا لدينهم وتداخلوا في قضايا الأديان وأرادوا قلب عقائد رعاياهم المخالفين لهم، فإنهم يحملون رعاياهم على النفاق، ويستعبدون من يكرهونه على تبديل عقيدته، وينزعون الحرية عنه، فلا يوافق الباطن الظاهر، فمحض تعصب الإنسان لدينه لإضرار غيره، لا يُعد الا مجرد حمية، وأما التشبث بحماية الدين لتكون كلمة الله هي العليا فهو المحبوب والمرغوب” (رفاعة رافع الطهطاوي، كتاب مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، الفصل الثالث في د. محمد عمارة الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي، ج11 بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972م، ص556).

والطهطاوي في هذا يدلل على تأثره بالنموذج الغربي، وإدراكه للقضية على أنها تأتي في سياق صراع بين فكرية العصور الوسطى الإسلامية، والتي ترفض فكرة الوطن والوطنية كما أشيع وقتئذٍ في أوساط المتغربين، وبين فكرية النموذج الغربي، ولعل هذا ما دفع بعضهم إلى أن يصفه بأنه “أحد أقطاب فكرة الوطنية وأركان النهضة العربية وإمامها في مصر” (عمر طوسون، البعثات العلمية في عهد محمد علي ثم في عهد عباس الأول وسعيد (الإسكندرية) مطبعة صلاح الدين 1934م، ص: 47).

وبأنه “كان بحق أول من مزج الثقافتين الغربية والشرقية”. وعليه يعد رفاعة رافع الطهطاوي بهذا أول من اقترب بشكل واضح من إشكالية الوطنية وما ارتبط بها من قضايا مثل: الدين وعلاقته بالدولة وبالمجتمع المدني، وهو أول من تناول هذه الإشكالية بعد أستاذه الشيخ حسن العطار، الذي نصحه بمقولته الشهيرة: “إن بلادنا لا بد من أن تتغير، وأن يتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها”، وتمثَّل هذا الاقتراب من رفاعة رافع الطهطاوي في مؤلفه الشهير: “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” الذي وضعه بعد رحلته الى فرنسا عام 1826 – 1831م، وتمثَّل أيضًا في ترجماته الشهيرة عن التشريعات والعلوم والقوانين الغربية والفرنسية منها على وجه الخصوص، بهدف تأكيد وترسيخ مفهوم الوطنية كما فهمه.

وحاول الطهطاوي في كل هذا أن يوجد تيار التوفيقية الفكرية بين النموذجين الغربي والإسلامي بشأن هذه الإشكالية “الوطنية” وغيرها من الإشكاليات، وبهذا يكون – وهو عندما يعجب بالنمط الأوروبي ويدعو إلى أن نبدأ من حيث انتهت أوروبا لا يغلف دعوته هذه أو يداريها، فهو يريد “أن يوقظ سائر بلاد الإسلام من نوم الغفلة كي يبحثوا عن العلوم البرانية والفنون والصنائع، وهي التي كمالها ببلاد الإفرنج ثابت شائع، والحق أحق أن يتبع”.

 

والملاحظ على الطهطاوي أن ترجمته للقوانين الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص، لكي يرسخ مفهوم الوطنية كما فهمه في الغرب، لم يجعله يغفل عما في التراث الإسلامي من فقه في المعاملات جدير بأن “نحييه ونطوع قواعده لظروف الزمان والمكان وما جملت من تجدد في المصالح وتغيرات في العادات والأعراف” (رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز، المقالة الثالثة، الفصل الثالث عشر، مصدر، ص: 114).

(الوطن) في مساهمة الثورة العُرابية

يرى بعض المثقفين بشأن الثورة العرابية أن “العرابيين لم يكونوا يعرفون ماذا يريدون، أو على الأصح كانت ورطتهم أنهم كانوا يريدون أشياء متناقضة، كانوا من جهة يريدون (مصر للمصريين) أي يريدون القومية، ولكنهم من جهة أخرى كانوا يقبلون بالتبعية للثيوقراطية العثمانية، بعبارة أخرى كانوا في علاقاتهم بالخليفة السلطان العثماني، يقبلون الخليفة ولكن يرفضون السلطان، وبالمثل فبينما نجد أنهم كانوا يطلبون الحياة الديمقراطية الدستورية فقد منعهم تكوينهم النفسي المحافظ من إدراك أن الديمقراطية والدستورية هما في الأساس منتوجات أوروبية مؤسسة على نظرية الحق الطبيعي، وليس لها جذور في التراث الثيوقراطي التقليدي”.

ثم يصل هذا الرأي إلى نتيجة مؤداها أنه “حتى لو انتصر العرابيون فإن حيرتهم كانت كفيلة بتبديد طاقتهم دون جدوى بسبب عدم وضوح إدراكهم للاتجاه الصحيح، وأن مشكلتهم الحقيقية لم تكن موقفهم من الجيوش الغربية ولكن موقفهم من القيم الغربية” (د. لويس عوض، قصة العلمانية في مصر، المصور، العدد 3076 بتاريخ 23/6/1983م).

بيد أن هذا الرأي يُساق بشأنه العديد من التحفظات: أهمها، إغفاله للسياق الاجتماعي والسياسي الذي قامت فيه الثورة العرابية، والذي تمثل بوجود مجتمع يواجه بتحدٍ غربي على المستوى الحضاري والعسكري معًا، وبعملية تغريب من قِبَل الخديوي لمجمل المؤسسات والنظم والقيم السائدة، بالإضافة إلى هذا فإن الرأي السابق يتبنى المفهوم الأوروبي للعلمانية وللثيوقراطية ويطبقه على المجتمع المصري عام 1882م، دونما إمعان للفهم في اختلاف البيئتين حضاريًّا وسياسيًّا، والاقتصار على ظاهر الأمور، فكان منطقيًّا أن يصل إلى نتائجه السابقة.

ووضعنا لقضية ثيوقراطية الثورة العرابية في إطارها الصحيح وفي مواجهة الرأي السابق أيضًا، يرى آخرون أن أحمد عرابي حاول ما لم ننتبه إليه حتى الآن وهو أن يقوم بثورة وطنية في مصر، وفي الوقت نفسه المحافظة على الوحدة الإسلامية سواء سميت الخلافة الإسلامية أو الجامعة الإسلامية أو الجامعة الشرقية.

إن أحمد عرابي (1841 – 1911م) بهذا المعنى حاول أن يؤكد ثنائية الدور الذي قامت من أجله ثورته، فهي ثورة وطنية تسعى لتحقيق أهداف ومطالب سياسية داخلية بالأساس، وهي ثورة تهدف لتأكيد البعد الإسلامي الحضاري، (يتضح ذلك مليًّا في قراءة وتأمل:

15- مذكرات عرابي، كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية في عامي 1298و1299 الهجريين وفي 1881 و1882 الميلاديين، الجزء الأول (القاهرة – دار الهلال)، وهو ما استعصى على فهم بعض ممن يخضعون تاريخهم لمناهج البحث الغربي القاصرة، ولأن موقف الثورة العرابية، أتى في إطار عمليات طرح النموذج الغربي في مواجهة النموذج الإسلامي، فلقد أحدث ردود أفعال مختلفة تراوحت بين قبوله والسير في ركابه، أو مهادنته وانتظار نتائجه أو رفضه كلية.

ولعل في موقف رجال الأزهر من الثورة العرابية ما يفيد في تقويم مساهمتها في إشكالية الوطنية تلك، وهو الموقف الذي تراوح بين:

فريق أول: يمثله بعض مشايخ الأزهر الذين ساروا في طريق الثورة، وأفتى أحدهم “بأنه لا يصح أن يكون توفيق حاكمًا للمسلمين بعد أن باع مصر للأجانب باتباع ما يشير به عليه القنصلان، ولذلك وجب عزله.. وأن مصر تؤيد عرابي”. كما أفتى الشيخ حسن العدوي، بشرعية عصيان الخديوي فقال: “إنه بأمر الله ورسوله لن تطاع أوامر الخديوي، وإن الوقت قد حان لنشوب حرب مقدسة”.

وفريق ثانٍ: رفض الثورة كلية وتهادن مع الخديوي والإنجليز وكان على رأسه الشيخ محمد العباس، والشيخ حمزة فتح الله، وازدادت قوة هذا الفريق بعد استصدار الإنجليز من السلطان العثماني فتوى تقول بعصيان أحمد عرابي له، والتي مثلت قمة التوتر بين عرابي والسلطان، والتي قضت بالضرورة على مقولة ولائه المطلق للسلطان العثماني، أو تناقضه تجاه سلطانه ومتطلبات ثورته الوطنية.

أما الفريق الثالث: فقد توسط الفريقين وتريث قليلًا في موقفه من الثورة العرابية وإن انحاز إليه ومثل هذا الفريق الشيخ محمد عبده، وعلي مبارك، وهكذا أتت مساهمة الثورة العرابية في إشكالية الوطنية لتنتج آثارًا تجاوزت الزمن الذي وقعت فيه الثورة، وأضحت مثالًا مهمًّا وإيجابيًّا في فهم قيمة (الوطن) لدي كل الثورات التي تلت ثورة عرابي الوطنية المجيدة … والحديث متواصل.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (13)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …