أخبار عاجلة

مع القسمة الأزلية وكمال الفضل على جميع الخلق (4)

 اعلم أن بني إسرائيل لما دخلوا التيه، ورُزقوا المنّ والسلوى، واختار الله لهم ذلك رزقًا رزقهم إياه يبرز من عين المنّة؛ من غير تعب منهم ولا نصب، فرجعت نفوسهم الكثيفة لوجود العادة والغيبة عن شهود تدبير الله؛ إلى طلب ما كانوا يعتادونه…

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

غضب اللهِ تعالى يقدره على كل مَن حارب الرسل

الله تعالى يقول: )وَبَاءُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ( فلفظة )بَاءُواْ(: أي: رجعوا مجللين بالذلة والمسكنة من حيث أجسامهم، وبالمقت والغضب من حيث نفوسهم، فإن نفوسهم لا تتحرك ولا تهتم إلا بالخطايا؛ لأن غضب اللهِ تعالى يقدره على كل مَن حارب الرسل؛ لأن مَن خالف الأمر بجوارحه وتلومه نفسه لا يغضب الله عليه؛ ولكن يؤاخذه I.

ويَرِد سؤال في هذا السياق من تفسير الإمام أبي العزائم للآية: هل هذا الحكم يسري على معاصري رسول الله J من اليهود أم لا؟.

والحقيقة: أنه يحيط بهم؛ لأنهم حاربوا رسول الله J.

وكأن سائلًا سأل فقال: لم تلك العقوبات الصارمة؟، فقال الله تعالى: )ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ( (البقرة: 61).

لماذا نرى اليهود أغنياء العالم؟

وفي هذا السياق من تفسير الإمام أبي العزائم: “أسرار القرآن” ورد أنه سأل سائل فقال: إن الله حكم على اليهود بالمسكنة وإنا نراهم أغنياء العالم؟!.

والجواب: أن المعطي هو المانع، فأعطى اليهود المال الكثير وسلبهم غنى القلب، فتراهم في همٍّ وغمِّ وعناء وشقاء في سبيل جمع المال، وهذه هي المسكنة الحقيقية.

قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق

ومعنى كفرهم بآيات الله أي: يكذبون الأنبياء؛ لأن الأنبياء جاءوا بآيات الله تعالى، كما كذب معاصرو رسول الله J بآيات الله؛ وتكذيبهم كفر.

وفي معنى قول الله تعالى: )وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقٍّ(؛ القتل معلوم وهو إزهاق النفس، وكم قتل اليهود أنبياء: كزكريا ويحيى عليهما السلام وغيرهما.

وقوله تعالى: )بِغَيْرِ الحَقٍّ( مؤخر عن تقديم لحكمة؛ فبغير الحق متعلق بـ “يقتلون”؛ لأن القتل قد يكون بالحق وبغير الحق، وذلك لأن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق؛ لأن وضع تلك الكلمة مؤخرة عن تقديم تدل على أن في الأنبياء من يقتل بالحق، وذلك مستحيل شرعًا.

وفي تفسير الشيخ محمد سيد طنطاوي: (بِغَيْرِ الحق) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدًا، لإِفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم؛ لأنها تحرمه، قال تعالى: )مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا( (المائدة: 32).

فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم وتخليد مذمتهم، وتقبيح إجرامهم، حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ في الفهم، أو تأول في الحكم، أو شبهة في الأمر، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟، قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم؛ لأنهم لم يَقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيُقتلوا، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهًا يستحقون به للقتل عندهم.

)ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ( يتجاوزون الحدّ في المعاصي، وكرره للتأكيد، والعصيان: الخروج عن طاعة الله، والاعتداء: تجاوز الحد الذي حده الله تعالى لعباده إلى غيره، وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه.

أنواع المعاصي

وفي سياق تفسيره لقول الله تعالى: )ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ( (البقرة: 61)؛ يبين لنا الإمام أبو العزائم أن المعاصي ثلاثة أنواع:

– معاصي الجبروت.

– والمعاصي الإبليسية.

– والمعاصي الحيوانية.

وشرها وأكبرها: المعاصي الجبروتية التي هي الكبرياء والعظمة جحودًا ومنازعة الربوبية في جلالها وجمالها، وتلك الذنوب أعاذنا الله منها هي الموبقات الماحقات التي تسخط الله على العبد وتغضبه، وتجعل صاحبها مغموسًا في لعنة الله.

أما الذنوب الإبليسية – وهي قريبة من الذنوب الجبروتية – هي: إنكار الحق وعداوة أهله والحسد، والسعي بالإفساد بين أهل الصفا، وإغراء الناس على الفحشاء والمنكر، وإيقاع الحروب بين الأمم.

ولا يخلو إنسان لم يتجرد من بشريته – مهما كان فقيرًا أو غنيًّا – إلا وفيه شعبة من تلك الكبائر الجبروتية والإبليسية:

فترى العامل الفقير إذا خرج من عمله أو توجه إلى بيته تأوه وقال: العمل عناء، ماذا أفعل؟، أنا كدت أكفر.

وترى العالم الفقيه التقيّ الورع إذا جلس يقرر درسًا وكان دقيقًا في معناه ومبناه، قال: لولاي ما فهمتم؛ ومَن الذي يمكنه أن يفك تلك المعضلة غيري؟؛ وأنا الذي كشفت غوامضها.

وترى الوليّ صاحب الكرامات والبينات يقول لجماعته: حالي أعلى مقامكم، وهمتي منحتكم العلوم، أنا يمكنني بهمتي أفعل وأفعل وأفعل، ثم يذكر ميزته ويهمز ويلمز.

وترى مَن جمَّله الله بما ليس أهلًا له من الملك والمال وتنفيذ الكلمة، ويجهل أنه جرى في مجرى البول مرتين وينازع ربه تعالى، ويغضب على من لم يتملق بين يديه ويخاطبه بخطاب الألوهية قائلًا: يا جلالة الملك!.

والملك عبد مسكين، يأكل ويشرب ويتغوط وينام، وإذا خلا يفعل ما لا يفعله العاقل من المنكرات، ولجهله يعتقد أنه ملك حقًّا.

فالإنسان بهذه الصفة يجهل نفسه ويجهل ربه وينازعه في صفاته العلية، مع أن شريانًا صغيرًا لو تحرك حركة صغيرة لألزمه الفراش؛ يستغيث ويجأر ويستنجد بالأطباء وينسى دعواه الباطلة، فإذا شفاه الله وعافاه يرجع إلى الكبرياء والعظمة.

أما الذنوب الحيوانية: فهي أقل أنواع المعاصي؛ لأنها تكاد أن تكون فطرة في الإنسان؛ لأنه حيوان يمتاز عن البهائم بالنفس الناطقة، وهو بحيوانيته مضطر إلى منازعة الحياة لتكمل لديه ضرورياته.

وتلك الضروريات تقتضي تعاون كل أفراد الإنسان بعضهم لبعض.

إلا أن تلك الضروريات كلها يجمل أن يكون الإنسان العامل لأجلها محصنًا بالشريعة المطهرة، فإن الله أباح الكسب الحلال من وجهه، وأباح لنا جميع الطيبات من مأكل شهي، ولباس بهي، وفراش وطي، ومنكح وفي، قال تعالي: )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ( (الأعراف: 32).

وإنما حرمت الشريعة من كل الطيبات أن تتصرف في حقوق الغير، وأن تتعدى حدود الله فيما نهاك عنه.

وقد فتح الله تعالى باب التوبة على مصراعيه لمن ارتكب معصية من معاصي البشرية وأقبل على الله تائبًا نادمًا.

ولكن المعاصي الجبروتية والإبليسية فإن الله تعالى يقول في الجزاء عليها: )إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء( (النساء: 48)، وهذا معنى قوله تعالى: )ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ..( (البقرة: 61).

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (20)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …