أخبار عاجلة

العلاقة بين العلوم الدينية والعلوم التجريبية (16)

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن الإنسان لا يستطيع أن يجني فائدة المعرفة الدينية التامة الكاملة؛ إلا من الدين الصحيح، وأما ما عداه من أديان وضعية كانت أم سماوية محرفة فإن الفائدة التي يجنيها الإنسان منها فائدة جزئية محدودة، والشر والظلم والشقاء يطغى في حياة الإنسان على الخير وعلى النفع وعلى سعادة الإنسانية، وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول…

أ.د. فاروق الدسوقي

بقية: الاستقلال والاختلاف بين المعرفتين من حيث الفائدة والنفع للحياة الإنسانية وللوجود الإنساني

بقية: ب- الفائدة والنفع من المعرفة الدينية:

لما كان التوحيد الاسلامي هو التعبير الإسلامي عن الحق الكوني أو الحقيقة الكونية الشاملة لكل حقائق الكون الجزئية، نجد أن معرفة الله واحدًا لا شريك له هي أساس الخير والعدل في الحياة الدنيا.

والعكس لذلك صحيح حيث إن الشرك والكفر بالله هما أساس الشر والظلم في الوجود البشري.

ومن ثم يمكننا القول بأن الأساس في فائدة المعرفة يكمن في التوحيد، كما أن أساس الخير الكامل والعدل التام في معرفة شريعة الله عز وجل والعمل بها، وليس في معرفة الشرائع الوضعية الأخرى والحياة وفق أنظمتها.

إن المعرفة وحدها أمر لا يأتي بفائدة ولا يحصل منه خير، بل لا بد من العمل، وليس العمل فقط، بل لا بد من العمل وفق المعرفة الصحيحة؛ لأن العمل وفق معرفة باطلة لا يؤدي إلى الخير والعدل المنشودين.

فحقيقة التوحيد الإسلامية هي الحق الكوني لكنها لا تعود بفائدة على الإنسان إلا إذا عاش الإنسان وعمل بمقتضاها، فمعرفة الله عز وجل من نوع معرفة الفلاسفة له لا تنفع ولا تجدي ولا تترك أثرًا على حياة الإنسان، بينما معرفة الله عز وجل حسب عقيدة التوحيد الإسلامية يتبعها خشية من الله وسلوك خلقي قائم على الخير والعدل وحياة إنسانية نابعة وموافقة لهذه المعرفة.

كذلك يستتبع إسلام المسلم وجهه لله تطبيق شريعته؛ حتى أن النتيجة هنا تكون دليلًا على المقدمة، كما أن المقدمة تكون دليلًا على النتيجة. ونقصد بالمقدمة هنا معرفة الحق والنتيجة فعل الخير وتحصيله.

فلو أن إنسانًا زعم أنه يعرف الله واحدًا لا شريك له بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه في كتابه الكريم، ثم لم يكن لهذه المعرفة أي أثر من آثار الخير والعدل على أفعاله فهو كاذب.

وكذلك إذا وجدنا إنسانًا يعيش بمقتضى ما شرع الله ولا يأتي من الأفعال إلا الحلال؛ فيحق لنا أن نشهد له بالإيمان والمعرفة بالله على عقيدة صحيحة.

ومن ثم فالعلوم الدينية الإسلامية هداية للحق (العقيدة)، وترشيد إلى العدل والخير (الشريعة)، وكفى بالحق والعدل والخير فائدة لهذه العلوم، أو لهذا النوع من المعرفة في الإسلام، فمنفعة العلوم الدينية لا تخص ولا تعود على الإنسان في آخرته فقط بل في آخرته ودنياه؛ لأن موضوعها هو الذات الإنسانية والعلاقات الإنسانية.

كذلك من الظن الخاطئ أن يظن بعض الناس أن فائدة العلوم التجريبية تعود على الإنسان في دنياه فقط، بل فائدتها تعود عليه في دنياه وآخرته معًا، وذلك الارتباط الوثيق بين الدنيا والآخرة في الاسلام، ألا وهو رباط الغاية المطلقة من وجود الإنسان ونعني بها الخلافة.

فإذا تذكرنا أن الخلافة عبودية وسيادة، وأن فائدة العلوم الدينية تنصب على تحقيق العبودية.

وأن فائدة العلوم التجريبية تنصب على تحقيق السيادة – كما سنرى بعد – إذا تذكرنا ذلك كله ثبت لنا أن فائدة العلوم التجريبية تخص الآخرة كما تخص الدنيا أيضًا.

ومن ثم فتقسيم الفكر الغربي المادي العلوم إلى دينية ودنيوية تقسيم خاطئ ومخالف لما عليه هذا الأمر في الإسلام، فكلا النوعين من العلوم يخدم الدين والدنيا والحياة والآخرة معًا؛ لأن هدف الإنسان وغايته في الدنيا والآخرة واحدة، وكلا النوعين يساهم بفائدته الخاصة في تحقيق هذا الهدف، وإن كان لكل منهما فائدة خاصة مستقلة عن فائدة الآخر.

فالدينية لتحقيق العبودية عن طريق إرشاد وتوجيه وتسديد الإرادة الحرة في الفاعلية الإنسانية إلى اختيار الحسن والخير والعدل.

والتجريبية ترمي إلى إرشاد وتوجيه وتسديد الاستطاعة البشرية في الفاعلية الإنسانية إلى فعل الصواب وتجنب الخطأ؛ حتى تتحقق الأفعال المرادة للناس في حياتهم، ومن ثم تتحقق السيادة لهم في الأرض.

وبتحقيق العبودية والسيادة تقوم الخلافة في الأرض.

ج- فائدة العلوم التجريبية ومقياس الحق فيها:

تتمثل حصيلة البحث التجريبي فيما يتوصل إليه العلماء التجريبيون من قوانين كونية وطبيعية وحيوية، تعتبر تفسيرًا صادقًا وصحيحًا عن تأثير المخلوقات المادية والحية بعضها في بعض.

ومن ثم فمقياس الحق في هذه المعرفة هو مطابقة هذه القوانين لهذه التأثيرات وتعبيرها الدقيق عن الواقع الفعلي القائم بين المخلوقات وخصائصها وتأثيرها.

ولذلك يعتبر المقياس أو الميزان للمعرفة التجريبية هو الصواب والخطأ. وهو ميزان مغاير ومستقل عن ميزان نتائج العلوم الدينية التي هي الحق والباطل بالنسبة للعقائد والخير والشر بالنسبة للشرائع.

وتعتبر نتيجة البحث التجريبي – سواء كانت تعبيرًا عن قانون أم وصفًا لخاصية من خصائص الكائنات – صوابًا، إذا كانت موافقة لما عليه واقع الشيء أو تأثيره، ولا يثبت هذا إلا بالتجربة، وتوصف هذه النتيجة بالخطأ إذا كانت مخالفة لذلك وتكذبها التجربة.

فليس في مجال العلوم التجريبية مجال لوصف نتائجها بالخير أو بالشر، أو لوصفها بأنها حق أو باطل، ولا بأنها هدى أو ضلال، ولا بأنها حسنة أو قبيحة، ولا حلال أو حرام؛ لأن هذه المعايير هي في الأساس معايير وموازين ومقاييس خلقية لا تصلح إلا للحكم على الأفعال الخلقية، والفعل الخلقي هو ما كان صادرًا من المخلوق بعلم وإرادة مختارة واستطاعة منفذة وفي موقف ابتلائي يترتب عليه مصيره في الآخرة، وليس هذا كله إلا للإنس والجن المخلوقين المبتلين في هذه الحياة.

أما تأثيرات الأشياء والأحياء الأخرى فليست أفعالًا خلقية؛ لأنها لا تصدر عنهم بإرادة وعلم واستطاعة.

ولذلك لا توصف أفعال وتأثيرات هذه المخلوقات بالحلال والحرام، أو بالخير والشر، وإنما توصف بالسلب والإيجاب، أو الصواب والخطأ، فعندما يقع الحجر على كائن حي ويقتله، لا نقول: إنه ارتكب جريمة قتل، وإنما نقول: إنه أصابه، ولا توصف النار مثلًا بأنها شريرة؛ لأنها أحرقت إنسانًا وآلمته أو قتلته … وهكذا.

فكل الأشياء والأحياء على الأرض سوى الإنس والجن هي كائنات وقوى وتأثيرات ومؤثرات وطاقات محايدة للخير والشر، بمعنى أن الإنسان يستطيع توجيهها للخير وتوجيهها للشر، لكن الذي يحمل الصفة الخلقية في فعله هو الإنسان بخلاف هذه الأشياء والأحياء، لما يتصف به من علم وإرادة واستطاعة.

وكذلك الأمر بالنسبة لكل المخترعات التكنولوجية القائمة على العلوم التجريبية لا توصف بأنها حق أو باطل، ولا بأنها خير أو شر، بل توصف أفعالها وآثارها وتأثيراتها بأنها صواب أو خطأ.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (26)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …