أخبار عاجلة

أبو الحسن الشاذلي.. الصوفي المجاهد إمام السائرين إلى الله (13)

أثبت الشاذلي أن طريق التصوف يبدأ بالاستغفار والتوبة والاستقامة، ولزوم الذكر، وتكون ثمرته تحقيق مقامات الرضا والتوكل والورع والزهد والمحبة..

الأستاذ صلاح البيلي

الشاذلي الصوفي

أثبت الشاذلي أن طريق التصوف يبدأ بالاستغفار والتوبة والاستقامة، ولزوم الذكر، وتكون ثمرته تحقيق مقامات الرضا والتوكل والورع والزهد والمحبة.

وأكد أن طريق القوم لا يستقيم بغير اتباع القرآن والسنة وأداء الفرائض من صلوات وذكر، وما كان عليه أبو بكر والفاروق والصحابة والتابعون وأئمة الهدى.

الاستدلال على وجود الله عند الشاذلي كما جاء عن النبي، فالله هو من يستدل به، ولا يستدل عليه إلا به، ليس بالعقل، ولا بالمنهج الوثني، ولا بالبحث العلمي؛ لأن وجود الله قبل كل شيء، وفي كل شيء، ومحيط بكل شيء.

لما سئل رسول الله J عن الإسلام قال: (أن يسلم لله قلبك، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك)، رواه مسلم، وهكذا كان الطريق الذي سلكه أبو الحسن الشاذلي، أي إسلام القلب لله، وهذا لم يأتِ إليه إلا بإخلاص العبودية لله، وحسن التوكل على الله، واستهداف ثمرة الإخلاص، والمحبة، وغيرها من أحوال المؤمنين، ولما سئل الشاذلي عن التصوف، قال:

(التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية).

أما الصوفي فهو:

(الصوفي فيه أربعة أوصاف: التخلق بأخلاق الله U، والمجاورة لأوامر الله، وترك الانتصار للنفس حياء من الله، وملازمة البساط بصدق البقاء مع الله).

ولما وصف أهل الله وخاصته قال:

(أهل الله وخاصته، هم قوم جذبهم عن الشر وأصوله، واستعملهم بالخير وفروعه، وحبب إليهم الخلوات، وفتح لهم سبيل المناجاة، فتعرف إليهم فعرفوه، وتحبب إليهم فأحبوه، وهداهم السبيل إليه فسلكوه، فهم به وله، ولا يدعون لغيره، ولا يحجبون عنه، بل هم محجوبون به عن غيره، لا يعرفون سواه، ولا يحبون إلا إياه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب).

الإخلاص:

حكى النبي J عن جبريل عن رب العزة قال:

(الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببت من عبادي).

وتحدث أبو الحسن عن صفات المخلصين بكلام نفيس نقتبس منه هذه الفقرات خشية الإطالة، فيقول: (رجال جلبهم على حسن عبوديته، وأخلصهم لإخلاص توحيد ربوبيته، واتباع شريعته، فيما منع أسرارهم بأنوار حضرته، وأمد أرواحهم بمعاني المعارف، وخصائص عنايته، وآجال عقولهم في عظمته..

وجعل منهم مفاتيح لقلوب الورى، وينابيع الحكمة الكبرى يتلقونها شرعًا، ويلقونها لأهلها سرًّا وجهرًا، ومنهم من سترته الأقدار، وحجبته عن الأغيار.. باطنهم مع الحق، وظاهرهم مع الخلق، يتخلقون بأخلاق نبيهم J، كما قال العلي الأعلى: )وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى( (الضحى: 8)، أفتراه أغناه بالمال؟ وقد شد الحجر على فؤاده، وأطعم الجيش من صاع، وخرج من مكة على قدميه وركب فوق البراق، وعرج به إلى السماء إلى سدرة المنتهى ورأى ما رأى، ما كذب الفؤاد ما رأى.. فأعطى الأولياء منه ميراثًا من النبين بين الخلق، إذ هم قوم أخذوا بالتأسي بجد، واعتقدوا قول: كان الله ولا شيء معه.. فخذ السر جهرًا إليك، واحبس عليه بكلتا يديك، ولا تكترث بحسادك، فقد قال لنبيه A: )قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ( (الفلق: 1) حتى قال له: )وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ( (الفلق: 5)، فكأنه U يقول له: سلني أن أكفيك شر حسادك ولا تسألني أن أقطعهم عنك، فإن الحساد مع النعم، ولا بد من نعمة عليك، فتأس يا مسكين إن أردت الشفا.

التوبة:

وأول ما يبدأ به المريد السالك هو التوبة إلى الله، والتي تبدأ بالاستغفار، كما قال المولى في قرآنه: )وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ( (الأنفال: 33).

النية:

وقبل ذلك كله لا بد من نية، كما قال رسول الله J: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، والنية تعني القصد والعزم والإرادة عند بدء العمل، وارتباط القلب بالجوارح، لقوله J: (من صلحت نيته صلح عمله)، وبقدر الإخلاص في النية يكون الأجر والثواب.

الطريق إلى الله:

والطريق إلى الله أربعة أشياء من حازها فهو من الصديقين، ومن حاز ثلاثة منها فهو من الأولياء، ومن حاز منها اثنتين فهو من الشهداء، ومن حاز منها واحدة فهو من عباد الله الصالحين، أولها: الذكر، وثمرته النور. وثانيها: التفكر، وثمرته العلم. وثالثها: الفقر إلى الله، وثمرته المزيد منه. ورابعها: الحب، وثمرته الوصول بالمحبوب.

الخلوة:

لا بد لكل ولي لله من خلوة وعزلة يخلو فيها إلى الله U، والخلوة تكون في كهف أو مغارة أو حتى في غرفة بيته، المهم أن ينقطع عن الخلق فترة يخلو فيها لله U، فلا يرى غيره، وما من ولي أو قطب إلا وعاش الخلوة فترة من أول أمره، قد تطول لشهور، وقد تقصر لأسابيع أو لأيام، وهذه الخلوة مر بها كل نبي، وآخرهم سيدنا النبي الذي كان يعتزل قريش ومكة كلها ويأوي للغار يتحنث لله U على دين الحنيفية السمحاء، دين الخليل إبراهيم. وثمرة العزلة مع الأنبياء كانت رسالة السماء نزل بها أمين الوحي جبريل، أو رفع الله U الحجب وكلم المختار من خلقه مباشرة مثلما كلم موسى، فكل عزلة يعقبها هبة من الله وعطايا، ورفع الحجب، وتقريب وقرب ومعرفة نورانية رحمة من الله بعبده الذي انقطع له.

الجهاد:

ولا بد للمريد السالك من جهاد للنفس وللعدو وللشيطان، وصحة التوكل تكون بهجران النفس، ونسيان الخلق، والتعلق بالحق، وملازمة الذكر، والثبات على الذكر.

النفس:

وإذا ذكر جهاد الشيطان ذكرت النفس وشهواتها إلى المخالفة، وحب الطاعة والعجب بها، والميل للراحة، والعجز عن أداء المفروضات، وعلاج موت النفس يكون بالعلم والمعرفة والعمل بالكتاب والسنة، وكما قيل: إذا أردت جهاد النفس فاحكم عليها بالعلم، واضربها بالخوف، واسجنها في قبضة الله أينما كنت، واشكُ عجزك إلى الله كلما غفلت.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (26)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …