أخبار عاجلة

أبو الحسن الشاذلي.. الصوفي المجاهد إمام السائرين إلى الله (5)

كان الشاذلي يأخذ عن رسول الله J ويستمد منه وكان يقول: (والله لو حجب عني رسول الله طرفة عين؛ ما عددت نفسي من المسلمين). وقال نفس العبارة خليفته أبو العباس المرسي بعد ذلك حين ورث حاله..

الأستاذ صلاح البيلي

نستكمل ما بدأناه عن سيرة الشاذلي 0، حيث ذهب الشيخ (شاذلة)، وهي بلدة قرب تونس، وأقام فترة تعبد فيها في مغارة جبل (زعفران)، وكان بصحبته بعض تلاميذه مثل أبي محمد عبد الله الحبيبي، وهو من أهل البلدة، وشاهد من شيخه أحوالًا وكرامات، ثم جاء الإذن الإلهي لأبي الحسن في الخروج للناس، فيقول – كما روى صاحب كتاب (المفاخر العلية) -:

(قيل لي: يا علي! اهبط إلى الناس ينتفعوا بك، فقلت: يا رب أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخالطتهم، فقيل لي: انزل فقد أصحبناك بالسلامة ودفعنا عنك الملامة، فقلت: يا رب، تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم؟ فقيل لي: أنفق يا علي وأنا الملي، إن شئت من الجيب، وإن شئت من الغيب، فقلت: يا رب، لم سميتني بالشاذلي ولست شاذليًّا؟ فقيل لي: يا علي، ما سميتك بالشاذلي، إنما أنت الشاذ لي، يعني المفرد لخدمتي ومحبتي).

فتنة قاضي تونس

وتوجه الشاذلي إلى تونس فسكن دارًا في مسجد البلاط تفتح للقبلة، والتف حوله نخبة من فضلاء تلاميذه، أشهرهم خادمه أبو العزائم ماضي، وأبو الحسن الصقلي، وأبو عبد الله الصابوني، وذاعت شهرة الشيخ فخاف القاضي أبو القاسم بن البراء على منصبه، أن ينزعه منه، فوشى به إلى السلطان أبي زكريا، وزعم أن الشاذلي (فاطمي)، فعقد السلطان مجلسًا للمواجهة بين القاضي والشاذلي بحضور الفقهاء، وحضره السلطان متخفيًا، وذكر الشاذلي نسبه، ورد على جميع الأسئلة فبهت القاضي، وقال السلطان لقاضيه: (هذا رجل من أكابر الأولياء وما لكم به طاقة).

فيشتعل الحقد في قلب القاضي فيقول للسلطان: والله لئن خرج في هذه الساعة ليدخلن عليك أهل تونس ويخرجوك من بين أظهرهم فإنهم مجتمعون على بابك. وهنا يأمر السلطان بإخراج الفقهاء، واستبقاء الشاذلي بقصره، ويدخل بعض أصحاب الشاذلي إليه، ويخبرونه بما يتحدث به الناس: يا سيدي! الناس يتحدثون في أمرك يقولون يفعل به كذا وكذا من أنواع الأدب، وإذا بالشيخ يبتسم ويقول: (والله لولا أني أتأدب مع الشرع لخرجت من ههنا، ومن ههنا)، وأشار بيده، وكلما أشار لجهة انشق الحائط، ثم قال لخادمه: (ائتني بإبريق وسجادتي وسلم على أصحابي؛ وقل لهم: ما نغيب عنكم إلا اليوم خاصة، وما نصلي المغرب إلا معكم إن شاء الله تعالى).

فيتوضأ الشيخ أبو الحسن ويصلي ويدعو، ويقع للسلطان أن تصاب جاريته العزيزة على قلبه وتمرض وتموت من ساعتها، وأثناء انشغال الناس بغسلها أغفلوا مجمرًا في القصر فالتهبت النار فأحرقت كل ما في البيت من الفرش والملابس والذخائر والأموال مما لا يعد ولا يحصى. وكان أخا السلطان من خلص أتباع الشيخ فصب جام غضبه لما عاد من سفره على أخيه، وأخذه للشيخ معتذرًا يسترضيه، ومني القاضي (ابن البراء) في آخر حياته بالفتنة في ولده وماله وساء أمر دينه ولم يختم له بخير.

مواجهة سلطان مصر

وارتحل الشيخ أبو الحسن من تونس متوجهًا إلى الإسكندرية في مصر، وقاصدًا المشرق للحج، ولكن (ابن البراء) كان قد سبقه وأرسل برقية إلى سلطان مصر يتهم الشيخ فيها بالتشويش على السلطان وإثارة الفتنة، فتم التحفظ على الشاذلي وصحبه في الإسكندرية، ثم جاءت جماعة من القبائل تشكو من ظلم السلطان، فعزم الشيخ على التوجه للقاهرة لملاقاة السلطان والحديث معه في رفع الظلم عن الناس، وخرج وصحبه من المعتقل دون أن يشعر بهم الحراس، ووصل الشاذلي إلى السلطان في القاهرة متشفعًا في المظلومين، فقال له السلطان: (اشفع في نفسك)، ويبرز له عقد (ابن البراء) الذي جاءه من تونس متهمًا إياه، فقال له الشاذلي: (أنا وأنت والقبائل في قبضة الله)، وقام الشيخ منصرفًا، فلما مشى عشرين خطوة كلم القضاة السلطان فلم يتكلم، وحركوه فلم يتحرك، فأسرعوا إلى الشيخ يقبلون يديه ويسترضونه، فعاد إلى السلطان وحركه بيده فتحرك، ونزل عن كرسيه يقبل يديه ويعتذر إليه، ويسأله الدعاء، ونفذ جميع مطالبه ورد مظالم القبائل.

أبو العباس المرسي خليفته

ثم طلع أبو الحسن لأداء مناسك الحج، ثم عاد لتونس للقاء وارث حاله وخليفته، حيث قال: (ما ردني إلى تونس؛ إلا هذا الشاب)، وكان هذا الشاب هو أبو العباس المرسي، الذي قال فيه الشاذلي: (يا أبا العباس ما عرفتك إلا لتكون أنت أنا، وأنا أنت). ومن هذه اللحظة لم يفترقا، ولازم المريد شيخه؛ حتى وافته المنية وغسله ودفنه بيديه.

رؤيا النبي ووصاياه

وذات ليلة يرى الشاذلي في منامه رسول الله J، ويقول عن ذلك: (رأيت رسول الله J في المنام فقال لي: يا علي! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: انتقل إلى الديار المصرية تربي بها أربعين صديقًا، – كان ذلك في زمن الصيف وشدة الحر – فقلت: يا سيدي يا رسول الله، الحر شديد، فقال لي: الغمام يظلكم، فقلت: يا حبيبي أخاف العطش، فقال لي: إن السماء تمطركم في كل يوم أمامكم)، وقال الشاذلي: (ووعدني في طريقي بسبعين كرامة).

وينتقل الشاذلي إلى مصر بوصية النبي J، وإرشاد شيخه ابن مشيش الذي وعده بوراثة القطبانية، فقد دخل الشيخ أبو علي يونس بن السماط على الشيخ أبي الحسن وهو بمقربه من الإسكندرية وجلس معه، وتأدب معه بالكلام، ثم قبَّل يديه وانصرف وهو يبكي، فتعجب منه أصحابه وسألوه أثناء الطريق عن ذلك فقال لهم:

(رأيت البارحة النبي J، وقال لي: يا يونس! كان أبو الحجاج الأقصري بالديار المصرية قطب الزمان فمات البارحة، وأخلفه الله تعالى بأبي الحسن الشاذلي، فأتيت إليه حتى بايعته بيعة القطبانية).

وأصبح الشاذلي موضع نظر الله من خلقه، وقطب الزمان، ويستمد من النور المحمدي، وأقام في الإسكندرية في مسكن وقفه عليه السلطان في برج من أبراج السور، وتزوج وأنجب ذرية طيبة. وهتف به هاتف: (يا علي! ذهبت أيام المحن وأقبلت أيام المنن عشرًا بعشر اقتداء بجدك J).

وقال عن ذلك: (أخذت ميراثي من رسول الله فمكنت من خزائن الأسماء، فلو أن الجن والإنس يكتبون عني إلى يوم القيامة لكلُّوا وملُّوا).

وروى الشيخ أحمد بن عطاء الله السكندري أنه قيل للشيخ الشاذلي: من هو شيخك؟ فقال: (كنت أنتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، وأنا الآن لا أنتسب إلى أحد بل أعوم في عشرة أبحر، خمسة من الآدميين، النبي J، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح).

كان الشاذلي يأخذ عن رسول الله J ويستمد منه وكان يقول: (والله لو حجب عني رسول الله طرفة عين؛ ما عددت نفسي من المسلمين). وقال نفس العبارة خليفته أبو العباس المرسي بعد ذلك حين ورث حاله.

وتتلمذ على يد الشاذلي في مصر أساطين العلماء ومنهم: (سلطان العلماء العز ابن عبد السلام، وتقي الدين بن دقيق العيد، وعبد العظيم المنذري، وابن الصلاح، وابن الحاجب، وأبو العلم ياسين تلميذ محيي الدين ابن عربي) وغيرهم.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (20)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …