أخبار عاجلة

لماذا اختارت السيدة زينب الهجرة إلى أرض مصر؟

بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام وعودة نساء أهل البيت من الشام، وَاصَلَتِ السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ الكُبْرَى عليها السلام حَدِيثَ كَرْبَلاءَ لنِسَاءِ المَدِينَةِ، اللَّاتِي نَقَلْنَ الأخْبَارَ لرِجَالِهِنَّ، فامْتَلأتِ القُلُوبُ غَيْظًا علَى بَنِي أُمَيَّةَ؛ مِمَّا جَعَلَ حَاكِمَ المَدِينَةِ عَمْرَو بنَ سَعِيدٍ يَرْفَعُ التَّقَارِيرَ إلى يَزِيدَ ويُخْبِرُهُ عن نَشَاطَاتِ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ، ويُنْذِرُهُ بالانْفِجَارِ، وانْفِلَاتِ الأمْرِ من يَدِهِ، قَائِلاً: إنْ كانَ لكَ في المَدِينَةِ حَاجَةٌ فأخْرِجْ مِنْهَا زَيْنَبَ.

فماذَا كانَ جَوَابُ يَزِيدَ؟.

نُسِبَ لابنِ الأثِيرِ في الكَامِلِ، والأصْفَهَانِيِّ في مَقَاتِلِ الطَّالِبِيِّينَ، أَنَّهُمَا ذَكَرَا رَدَّ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ علَى وَالِي المَدِينَةِ بقَوْلِهِ: أخْرِجْ زَيْنَبَ مِنَ المَدِينَةِ، وفَرِّقْ البَقِيَّةَ البَاقِيَةَ مِنْ آلِهَا في الأمْصَارِ والأقْطَارِ.

والحِكْمَةُ الإلهِيَّةُ في هذا الأمْرِ: أنْ يَعُمَّ نُورُهُمْ أرْجَاءَ المَعْمُورَةِ، ولا يسْتَطِيعُ عَدُوٌّ أنْ يَسْتَأْصِلَهُمْ بعدَ ذَلِكَ.

إذًا أمَرَ يَزِيدُ بإبْعَادِ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ مِنْ مَدِينَةِ جَدِّهَا الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم، فنَادَى حَاكِمُ المَدِينَةِ السَّيِّدَةَ زَيْنَبَ عليها السلام بالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والإقَامَةِ حَيْثُ تَشَاءُ إلَّا مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ؛ لِأنَّ القَوْمَ رَغْمَ قُوَّتِهِمُ المَادِيَّةِ يخَافُونَ من لِقَاءِ عَقِيلَةِ بَنِي هَاشِمٍ معَ الحَجِيجِ وفَضْحِ جَرَائِمِ بَنِي أُمَيَّةَ.

فقَالَتِ السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ عليها السلام – ما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ القَزْوِينِيُّ في كِتَابِهِ (زَيْنَبَ الكُبْرَى مِنَ المَهْدِ إلى اللَّحْدِ)، والعُبَيْدِلِيُّ في كِتَابِهِ (أخْبَارِ الزَّيْنَبَاتِ)([1])-: (قد عَلِمَ اللهُ ما صَارَ إليْنَا، قُتِلَ خَيْرُنَا، وانْسَقْنَا كمَا تُسَاقُ الأنْعَامُ، وحُمِلْنَا على الأقْتَابِ([2])، فواللهِ لا خَرَجْنَا وإنْ أُهْرِيقَتْ دِمَاؤُنَا).

إذًا، امْتَنَعَتِ السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ؛ لِأنَّهَا لا تَهَابُ المَوْتَ، ولا تَخَافُ مِنْ أيِّ رِجْسٍ مِنْ أُولَئِكَ الأرْجَاسِ، ولكنَّ عَدَدًا مِنَ السَّيَّدَاتِ الهَاشِمِيَّاتِ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهَا، وذَكَّرْنَهَا بيَزِيدَ وطُغْيَانِهِ، وأنَّهُ لا يَخَافُ اللهَ تعالَى، ومِنَ المُمْكِنِ أنْ تتَكَرَّرَ فَاجِعَةُ كَرْبَلاءَ، بأنْ يَأْمُرَ الوَالِي بإخْرَاجِ السَّيِّدَةِ مِنَ المَدِينَةِ قَسْرًا وجَبْرًا، فيَقُومَ بَعْضُ مَنْ تَبَقَّى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لأجْلِ الدِّفَاعِ، وتَقَعَ الحَرْبُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وتُقَامَ المَجْزَرَةُ الرَّهِيبَةُ.

فقَالَتْ لهَا زَيْنَبُ بِنْتُ عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ: يا ابْنَةَ عَمَّاهُ!! قد صَدَقَنَا اللهُ وَعْدَهُ، وأوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ نَشَاءُ، فطِيبِي نَفْسًا، وقَرِّي عَيْنًا، وسَيَجْزِي اللهُ الظَّالِمِينَ.

أتُرِيدِينَ بَعْدَ هذَا هَوَانًا؟!. ارْحَلِي إلى بَلَدٍ آمِنٍ.

ثُمَّ اجْتَمَعَ علَيْهَا نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ، وتَلَطَّفْنَ مَعَهَا في الكَلامِ، ووَاسَيْنَهَا.

فقَرَّرَتِ السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ الكُبْرَى عليها السلام الهجرة إلى بِلادِ مِصْرَ.

لِمَاذَا اخْتَارَتِ العَقِيلَةُ مِصْرَ؟!!

أوَّلًا: لِمَا سَمِعَتْهُ السَّيِّدَةُ الطَّاهِرَةُ عَنْ أهْلِ مِصْرَ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لآلِ البَيْتِ ووَلائِهِمْ ومَوَدَّتِهِمْ لذَوِي القُرْبَى، مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ إلى هذَا اليَوْمِ، والسَّبَبُ في ذلكَ أنَّ أفْرَادًا مِنَ الخَطِّ المُوَالِي للإمَامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام كانُوا قد حَكَمُوا مِصْرَ في تِلْكَ السَّنَوَاتِ، أمْثَالَ: قَيْسِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ الأنْصَارِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما.

ثَانِيًا: لِمَا تَعْرِفُهُ السَّيِّدَةُ الطَّاهِرَةُ مِنْ أنَّ مِصْرَ كِنَانَةُ اللهِ في أرْضِهِ، مَنْ أرَادَهَا بسُوءٍ قَصَمَهُ اللهُ، وقد جَاءَ في كِتَابِ اللهِ تعَالَى ذِكْرُ مِصْرَ بقَوْلِهِ تعالى: )وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ( (يونس: 87)، وكذَلِكَ قَوْلُهُ تعالَى: )فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ( (يوسف: 99)، وغَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ الكَرِيمَةِ.

ثَالِثًا: لِمَا سَمِعَتْهُ السَّيِّدَةُ الطَّاهِرِةُ مِمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، ورَوَاهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِنْ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أوْصَى بأهْلِ مِصْرَ فقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ([3]) فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا)([4])، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: (ذِمَّةً وصِهْرًا)، إضَافَةً إلى تَبْشِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم صَحَابَتَهِ بفَتْحِهَا، وتَنْوِيهِهِ بجُنْدِهَا، وتَوْصِيَتِهِ بأهْلِهَا خَيْرًا، وأنَّهُمْ في رِبَاطٍ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ.

رَابِعًا: اخْتَارَتِ السَّيِّدَةُ الطَّاهِرَةُ مِصْرَ؛ لتَكُونَ في شَرَفِ اسْتِقْبَالِ رَأْسِ أخِيهَا الإمَامِ أبي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ عليهما السلام، فقد نُسِبَ لابْنِ الأثِيرِ في الكَامِلِ([5]) أنَّ وَالِي المَدِينَةِ سَألَهَا: لماذَا اخْتَرْتِ مِصْرَ؟ فقَالَتْ: (لأكُونَ وأنَا في بَرْزَخِي بَعْدَ سَنِينَ تَمْضِي، في شَرَفِ اسْتِقْبَالِ رَأْسِ أخِي الحُسَيْنِ الذي سَوَّدْتُمْ تَارِيخَكُمْ بدَمِهِ الطَّاهِرِ البَرِيءِ).

خَامِسًا: اخْتَارَتِ السَّيِّدَةُ الطَّاهِرَةُ مِصْرَ؛ لِأنَّهَا كَنْزُ الخِلافَةِ، وفِيهَا سَتُقَامُ دَوْلَةُ أهْلِ البَيْتِ في آخِرِ الزَّمَانِ، وهي خِتَامُ الدُّوَلِ في الإسْلامِ، إنَّهَا دَوْلَةُ العَدْلِ والقِسْطِ والهُدَى والنُّورِ، فمُنْذُ أنْ سَلَّمَ الإمَامُ الحَسَنُ عليه السلام الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ تعَاقَبَتْ علَى المُسْلِمِينَ الدُّوَلُ، وكَثُرَ فِيهَا القَتْلُ والظُّلْمُ.

==============================================================

([1]) ينظر: زينب الكبرى للقزويني ص525-526، وص613-614، وأخبار الزينبات للعبيدلي ص115-117.

([2]) القَتَبُ: رحل صغير على قدر سَنام البعير.

([3]) وحدة من وحدات الوزن المستخدمة في مصر في النقود.

([4]) ينظر: صحيح مسلم 4/1970 ح226.

([5]) لم أعثر على النص عند ابن الأثير حتى الآن.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (13)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …