أخبار عاجلة

رسالة في الحقوق والآداب (2)

من العلاج الناجع في معالجة الغضب لدى الطفل تعويده على المنهج النبوي في تسكين الغضب….

الدكتور جمال أمين

بقية: حق الرفيق

ومما يتفرع عن حق الرفيق المؤمن الدائم حق الرفيق المؤقت، وهو الذي يصحبك في سفر أو دراسة أو وظيفة، وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم حين قال: )وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ( (النساء: 36). هذا الرفيق ينبغي أن ينال ممن جاوره كل عطف ورعاية وإكرام، وتعاون وإيثار، ولين جانب، وكرم أخلاق. وهذا هو رسول الله J – وهو القدوة الصالحة – كان يعطي لأمته الأسوة الحسنة في ملاطفة أصحابه في السفر والحضر، والسلم والحرب، والحل والترحال.

أسند الطبري أن رسول الله J كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل رسول الله J غيضة (مجتمع شجر)، فقطع قضيبين أحدهما معوج، فخرج وأعطى لصاحبه القويم (أي الجيد منه)، فقال الرجل: كنت يا رسول الله أحق بهذا! فقال: (كلا يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسئول عن صحبته ولو ساعة من نهار).

وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: (للسفر مروءة وللحضر مروءة، فأما المروءة في السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله؛ وأما المروءة في الحضر؛ فالإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله U).

ومما ينسب لبعض بني أسد قولهم:

إذا مـا رفـيـقي لـم يـكن خلف ناقتي

له مركب فضلًا فلا حملت رجـلـي

ولم يك من زادي له شطر مزودي

فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فـضـل

شـريكـان فيـما نحـن فيـه وقد أرى

عليّ له فضلًا بما نال مـن فـضـلي

تلكم – أيها المربون – أهم الأسس والقواعد في تلقين الولد منذ أن يفتح عينيه – حق الرفيق، واحترام الصديق، وهي من أعظم العوامل في تنمية النزعة الاجتماعية، وتقوي ظاهرة المحبة في الله لدى الولد؛ هذه النزعة حينما تقوم على أسس المحبة والإخلاص، والوفاء والإيثار، والبذل والتعاون، فإن دعائم التكافل والسلام والاستقرار تترسخ في المجتمع المسلم، وإن مبادئ العدل والإخاء والمساواة، تنتشر في ربوع الأرض، وأطراف المعمورة، لماذا؟؛ لأن الفرد المسلم أعطى لكل ذي بصيرة النموذج الحي عن الإسلام في سلوكه وأخلاقه، وملاطفته ومعاملته.

فما أحوج المجتمع الإسلامي إلى مربين أفاضل، وآباء أكارم، يغرسون في الولد منذ نشأته هذه الأسس من التربية الفاضلة، والأخلاق القويمة؛ حتى ينشأ الولد على كريم الخصال، ويترعرع على أفضل المكارم، وإنكار الذات!!.

حق الكبير

الكبير: هو من كان أكبر منك سنًّا، وأكثر منك علمًا، وأرفع تقوى ودينًا، وأسمى جاهًا وكرامة ومنزلة.

فهؤلاء إن كانوا مخلصين لدينهم، معتزين بشريعة ربهم، فيجب على الناس أن يعرفوا لهم فضلهم، ويؤدوا لهم حقهم، ويقوموا بواجب احترامهم، امتثالًا لأمر النبي J الذي عرَّف المجتمع فضلهم، وأوجب على الناس حقهم.

وإليكم طاقة عطرة من توجيهاته الكريمة في توقير الكبير:

– روى الترمذي عن أنس 0 قال: قال رسول الله J: (ما أكرم شاب شيخًا لسنِّه إلا قيّض الله، أي: قدّر، له من يكرمه عند سنِّه).

– وروى أبو داود والترمذي عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي J قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا).

– وروى أبو داود عن أبي موسى 0 قال: قال رسول الله J: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، أي: التارك له، وإكرام ذي السلطان المقسط، أي: العادل).

– وروى أبو داود عن ميسون بن أبي شبيب رحمه الله أن عائشة 1 مر بها سائل فأعطته كسرة (قطعة خبز)، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك؟ فقالت: قال رسول الله J: (أنزلوا الناس منازلهم) وفي رواية: (أمرنا رسول الله J أن نُنزل الناس منازلهم).

– وروى مسلم عن ابن عمرو 0 أن النبي J قال: (أراني في المنام أتسوك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر؛ فنالت السواك الأصغر “منهما”، فقيل لي: كبر فدفعته إلى الأكبر منهما).

ونستخلص من مجموعة هذه الأحاديث الصحيحة الأمور التالية:

أ- إنزال الكبير منزلته اللائقة به:

كأن يستشار الكبير في الأمور، ويقدم في المجلس، ويبدأ به بالضيافة، تحقيقًا لقوله عليه الصلاة والسلام: (أنزلوا الناس منازلهم). ومما يؤكد هذا ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن شهاب بن عباد أنه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون: قدمنا على رسول الله J، فاشتد فرحهم، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا، فقعدنا، فرحب بنا، ثم نظر إلينا، فقال: (من سيدكم وزعيمكم؟) فأشرنا جميعًا إلى المنذر بن عائذ، فلما دنا منه المنذر أوسع القوم له؛ حتى انتهى إلى النبي J، فقعد عن يمين رسول الله J، فرحب به وألطفه، وسأله عن بلادهم… إلى آخر الحديث.

ومن الأمور المسلم بها والمجتمع عليها لدى أهل الحديث: أن الصحابة 7 كانوا يبدؤون بالضيافة الرسول J، ثم من كان على يمينه، فظل هذا الفعل سنة متبعة من هديه عليه الصلاة والسلام.

ب- البدء بالكبير بالأمور كلها:

كأن يتقدم الكبير على الصغير في صلاة الجماعة، وفي التحدث إلى الناس، وفي الأخذ والعطاء عند التعامل، لما روى مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله J يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى “هم: الرجال البالغون” ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم).

وروى الشيخان عن أبي يحيى الأنصاري قال: انطلق عبدالله بن سهل ومحيصة ابن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صُلح؛ فتفرقا فأتي محيصة إلى عبد الله وهو يتشحّط في دمه قتيلًا ثم قدم المدينة؛ فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي J، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال J: (كبّر كبّر)، أي: يتكلم الأكبر سنًّا)، وهو – أي عبد الرحمن – أحدث([i]) القوم… الى آخر الحديث وسبق أن ذكرنا قبل قليل حديث السواك، وأنه عليه الصلاة والسلام أُمر في المنام أن يناوله إلى الرجل الأكبر.

================

([i]) أي أصغرهم سنًّا.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (25)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …