أخبار عاجلة

الفرق بين الإيتاء والإعطاء، وبيان الهداية والتوبة (2)

في إشارة للإمام أبي العزائم يخاطب الأرواح: أن من علامات قبول التوبة أن يتحقق التائب بالرضا عن قَدَر الله تعالى ولو كانت المعصية أكبر كبيرة، وأن يكون غضبه وسخطه على نفسه التي ارتكبت الخطيئة…..

فضيلة الشيخ قنديل عبدالهادي

خطاب للأرواح

في إشارة للإمام أبي العزائم يخاطب الأرواح: أن من علامات قبول التوبة أن يتحقق التائب بالرضا عن قَدَر الله تعالى ولو كانت المعصية أكبر كبيرة، وأن يكون غضبه وسخطه على نفسه التي ارتكبت الخطيئة.

وهنا أجيب من ذاقوا حلاوة التوحيد إذا جاش بخلدهم: كيف يمقت الإنسان نفسه على عمل الخطيئة والفاعل المختار هو الله؟.

فأجيبه: إن الفاعل المختار المقدِّر هو الله تعالى، ولكن مقت النفس على تقدير الله إياها أن تكون مظهرًا لمعاصيه وأن يجعل المعاصي سببًا قائمًا لمساخط الله ومغاضبه، وهنا يثلج الصدر، ويطمئن القلب، وتقوم الحجة على قبول الله تعالى توبة التائب.

أما من تاب وندم وغضب وسخط ولم يرض عن الله فيما قدّر الله فغضبه على الله أكبر من خطيئته؛ ويجب عليه أن يتوب من توبته؛ فإن توبته مشوبة بشرك خفي عليه.

إشارة إلى جذب العواطف

وفي قول الله تعالى: )إِلَى بَارِئِكُمْ( (البقرة: 54) إشارة إلى جذب العواطف، فإن البارئ هو الذي خلق الإنسان على أحسن صورة، كما قال هارون لموسى C: )يَا ابْنَ أُمَّ( (طه: 94)، ولم يقل: يا أخي؛ ولا: يا رسول الله؛ لأن الأخوة والرسالة لا تقتضي الرحمة ولا عطف القلوب، فكذلك قوله: )إِلَى بَارِئِكُمْ( أي: توبوا إلى من جمَّلكم بالنعم الغزيرة العظيمة.

فمِن معاني خَلَق: أوجد الشيء من العدم، وبَرَأ: سواه على أحسن التقويم، قال تعالى: )الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى( (الأعلى: 2)، فمعنى )فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ( أي: إلى خالقكم خلقًا مُسَوًّى.

)فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ( والفاء هنا للترتيب مع التعقيب؛ أي: إذا حصلت منكم التوبة القلبية وتيقنتم قبول الله لها؛ فاقتلوا أنفسكم تكملة لشروط التوبة.

)ذَلِكُمْ( الإشارة من الله تعالى المفيدة للبعد لم تكن لبعد الزمان ولا المكان، ولكن البعد هنا شدة وقع الأمر على أنفسهم، وتوقع الضرر على أبدانهم.

)خَيْرٌ لَّكُمْ( بالنسبة لما ينالونه من مغفرة الله لهم، ومن تبديل الله سيآتهم حسنات، وربما كان هناك تنزل بالحنان الإلهي فيكون الرضوان عنهم من هذا الخير.

)عِندَ بَارِئِكُمْ( (البقرة: 54) يعني أن الخير يكون لهم عند بارئهم سبحانه الذي أوجدهم وأمدهم، وقوله تعالى: )بَارِئِكُمْ( إشارة إلى التنزل بالاسم الجمالي الذي به إيجاد العالم وتسخيره للإنسان، لتحصل عاطفة القلوب والطمع في نيل هذا الخير.

معنى قتل بني إسرائيل أنفسهم

يبين الشيخ العقاد في تفسيره أن قتل النفس من حيث الظاهر إزهاق الرُّوح ومفارقة الحياة الدنيا، وتحتمل الآية أن يكون القتل حِسِّيًّا؛ بمعنى أن من لم يعبد العجل يأخذ السيف ويقتل مَن عبد العجل، ويكون ذلك هو الطهارة من نجاسة الكفر.

ويجوز أن يكون القتل معنويًّا؛ وهو منع النفس عن شهواتها وحظوظها، وتضييق الخناق عليها؛ حتى تُقتل فتحيا الرُّوح ويشرق النور في الهيكل.

وإنما قال: )فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ( ولم يقل: إلى الرحيم أو الرحمن؛ لأن البارئ هو الذي خلق هذا الهيكل بتركيبه العجيب، ومن شاهد هذا الهيكل تذكر الخلاق الحكيم الذي أبدع هذه الصور المتباينة وألبسها حلل الجمال، وكلفها ألا تخضع إلا لجنابه العليّ، فكيف تعبد جمادًا لا ينفع ولا يضر؟…

وقد قال رجل: يا رب افتح لي بابك، فقال له بعض العارفين: متى أغلق مولاك بابه؟، فهو مفتوح في كل الأنفاس، ولكن؛ افتح باب قلبك وارجع إلى ربك بالإخلاص والصدق.

وقد ذكر الإمام أبو العزائم في قوله تعالى: )فَتَابَ عَلَيْكُمْ( (البقرة: 54)، معناه: أنهم قتلوا أنفسهم كما أمرهم ربهم، فتاب عليهم أي: قبلهم ربهم، ومعنى قتلهم أنفسهم أن الذين عكفوا على العجل جلسوا مستعدين لقتلهم، ووقف الذين حافظوا على الإيمان مع هارون A وبأيديهم الخناجر وعلتهم ظلمة؛ حتى صاروا لا يرى بعضهم بعضًا، فقتلوا أنفسهم بالفعل؛ حتى تداركهم الله بالعفو، فأمر برفع القتل بعد أن قتل منهم سبعون ألفًا.

وعند الألوسي: نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل حيث نالوا درجة الشهداء، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين.

وأورد ابن عاشور: ومن الناس من حمل الأمر بقتل النفس هنا على معنى القتل المجازي وهو التذليل والقهر…

وعن القشيري: وقتل النفس في الحقيقة التبري عن حوْلِها وقوتها أو شهود شيءٍ منها، ورد دعواها إليها، وتشويش تدبيرها عليها، وتسليم الأمور إلى الحق سبحانه بجملتها، وانسلاخها من اختِيارها وإرادتها، وانمحاء آثار البشرية عنها، فأمَّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطرَ له ولا عبرةَ به.

ويقول الإمام أبو العزائم 0:

لو قيل: بح باسم من تهواه يا ماضي

لذبت بل وجوابي كــــــان إعراضي

مهلًا فإن الذي أهـــواه متعــــــــــني

بمشهـــد الصفو حتى نلت أغراضي

وصار موتي فيــــــــــه منتهى أملي

ولذَّ لي فيــه تعذيبي وأمـــــــراضي

العقل محجوب عن الإشراف على سر القدر

وفي قول الله تعالى: )إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( (البقرة: 54)، أكد الخبر بــ: “إنَّ”؛ لأن العقل لا يدرك حقيقة معنى التواب ولا الرحيم، لأن لفظة تواب مبالغة في قبول التوبة ولكنها ليست مبالغة في أسماء الله تعالى، فالتواب اسم من أسماء الله تعالى.

ويطلق هذا اللفظ ويراد منه: كثير التوبة من الذنوب إلى الله تعالى، فإن العلماء الراسخين يرون أنفاسهم في غير شهود وحضور ومراقبة؛ ذنبًا، ويرون أنهم إذا لم يعاملوا الله في كل أعمالهم ومعاملاتهم؛ أخطأوا، فهم دائمًا في توبة إلى الله تعالى لنظرهم كثرة خطاياهم؛ لدوام مواجهتهم عظمة الله وكبرياءه، ولاعتقادهم العجز عن التقوى رعاية لقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ( (آل عمران: 102).

والعقل محجوب عن الإشراف على سر القدر، فلا يتصور بل ولا يتمثل وسعة الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، فأتى بحرف التوكيد ليتقبل العقل هذا الخبر مسلمًا، وقد تقدم بيان التوبة.

)الرّحِيمُ( اسم من أسماء الله تعالى معناه: الذي يمنح المؤمنين يوم القيامة الخير الذي يليق بكمال عطفه وحنانه سبحانه.

العارفون يتوبون من التوبة

وفي إشارة للإمام أبي العزائم في هذا السياق من تفسيره أن هنا تحسن الإشارة إلى قوله تعالى: )ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم( (البقرة: 54)، إذ يقتضي أن كل مخالف للشريعة في قول أو عمل أو حال ظلم نفسه، والواجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى بقدر ظلمه لنفسه.

وأسرع الناس إلى التوبة أهل المعرفة بالله تعالى الربانيون الراسخون في العلم؛ لأن الهفوة عندهم كأكبر كبيرة عند الجاهلين بالله، لأنهم يعلمون حق العلم مَن يواجهونه بهفواتهم.

كما يعتقد أهل الجهالة لاحتجابهم عن شهود ربهم أن الكبائر ليست شيئًا مذكورًا، ولذلك يقال: إن الصغيرة عند المواجهين كبيرة، بل ربما كان أرجى عمل يقرب إلى الله هو عندهم من الكبائر لخوفهم أن يشوب العمل شرك خفيّ أو أخفى، وكم يتوب العارفون من التوبة بعد استيفاء شروطها الشرعية، وخوفًا من تسرب الشرك إلى القلوب من حيث لا يعلم، قال J: (يَا أبَا بَكْر إنَّ الشِّرْكَ لَيَجْرِي في ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم).

فما تقول في رجل يرى دناءته وحقارته بعين اليقين؟، ويرى الفاعل المختار هو الله؟، ويرى أن الله الكبير المتعال تنزل لنا بسوابغ نعمائه وجميل آلائه فضلًا منه وإحسانًا؟، ويرى أن الطاعة والقربات نعمى عظمى تعين على الشكر؟، ويرى أن الشكر من أعظم النعم عليه؛ فيشكر الله على الشكر؟.

فلم يبق إلا العجز عن الشكر؛ وهو الشكر، وهم العبيد الذين عند ربهم، كما قال J: (يقولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِندَ المنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي)، يقول الإمام في قصيدة له:

إن كان شكرك فرضًا

فمَن يقوم بشكـــــــرك

أنت الشكـــــورُ إلهـي

بالفــضل وفِّـقْ لذكرك

الشاكرون عبــــــــــادٌ

لن يدركوا سِــرَّ قدرِك

وشكرُهــــــم لك نُعمى

وَالَتْهُمُو مـِـــــن خيرِك

إلى أن يقول:

إنا عجزنا جميعـًـــــــا

عن أن نقوم بـشــكرِك

والعجزُ حمدٌ وشــــكرٌ

والعبدُ قد صار يُدرِك

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (13)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …