أخبار عاجلة

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في الكون المحسوس؛ مرورًا بيوم الميثاق الأعظم؛ وعهد: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) (الأعراف: 172)، وأوضحنا الطرائق التي لا بد أن يتجاوزها الإنسان ليصل إلى ربه سبحانه.

واستعرضنا عمارة الأرض قبل خلق سيدنا آدم عليه السلام، والحكمة في إسكان آدم وحواء الجنة، ونجاة آدم بالـمـصـطـفـى صلى الله عليه وآله وسلم، وسر بعثة الرسل وإنزال الكتب وأنها لسعادة الإنسان وعمارة الأرض، وأن الله تعالى صاغَ الحقيقةَ الإنسانية عَلَى أحسنِ التقويمِ.

السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

وهنا نبين أن الإنسان هو المقصود من العالم كله:

الإنسان هو المقصود بالذات

الإنسان هو المقصود من العالم كله، كرَّمه الله تعالى وفضَّله على كثير مِن خلقه، قال سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70).

خلقه سبحانه بعد خلق جميع الكائنات، قال جل شأنه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 29)، وفي الآية التالية أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، فهو زبدة الموجودات وخلاصتها بحكمة عليّة تظهر لمن ذاق حلاوة قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)، ومَن تناول من طهور شراب: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) (القمر: 54 – 55)..

فالإنسان المقصود بالذات، خلقه الله تعالى ليجمل به ملكوته الأعلى، خلقه على صورته، جمَّله بمعاني صفاته، وأشهده بديع جماله؛ هو الإنسان المتخيل المتصور المفكر العاقل، وهو القابل للكمالات النفسانية، وما عداه فحيوان على صورة الإنسان أو أضل من ذلك لجهله بمبدئه ومعاده؛ وغروره بعاجل حظه وهواه سر قوله سبحانه: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْـعَــامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان: 44)، وقوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: 179).

همة الإنسان وسعادته:

وقد بيَّن الإمام أبو العزائم أن للإنسان جهات شتى، فإذا صرف همته إلى جهة من تلك الجهات؛ التحق بها:

جهة يكون فيها مقربًا من الله، آنسًا بشهود جماله سبحانه وتعالى… وجهه يكون بها في روضات الجنات… وجهه يكون بها في أسفل سافلين مع مردة الجنة والشياطين… فإذا صرف الإنسان همته إلى جهة من تلك الجهات المتقدمة؛ التحق بها… فإن وقف همه على حظوظ البهيمية رضي من أمر دنياه بالتغذي وتنقية الفضلات… وإن صرفها إلى الحيوانية كان إما غضوبًا كسبع، أو أكولًا كبقر، أو شرهًا كخنزير، أو جزعًا ككلب، أو حقودًا كجمل، أو متكبرًا كنمر، أو ذا روغان كثعلب، أو جامعًا لكل تلك الصفات؛ فيكون شيطانًا مريدًا وهو في صورة إنسان.

وإن صرف همته إلى الجهة الملكية يكن متوجهًا إلى العالم الأعلى ولا يرضى بالمنزل الأسفل والمربع الأدنى، فيكون مرادًا بقوله: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70)، والله الموفق، فسعادة الإنسان في تعلقه بربه، سيرًا على هدي رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

الإنسان خليفة ربه في أرضه

وجاءت جميع الرسالات لربط الناس بمعبودهم سبحانه؛ ليعملوا في الدنيا على النحو الذي يعلم الله فيه الخير لهم وللعالَم.

ولا يتم هذا النظام الكوني بنعمة الأرواح ونعمة الأشباح إلا على التقدير الذي أراده الله تعالى في الإنسان؛ قال سبحانه: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) (النحل: 78)،  فنفى عن الإنسان العلم بذاته، وأثبت له الاحتياج إلى التعليم من غيره، بل ونفى سبحانه عن كل كائن من عوالم الإنس والجن والملائكة العلم بغير معلِّم، وفي قوله تعالى: (أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا…) (البقرة: 31، 32) برهان على أن العالِمَ بذاته هو الله تعالى.

فلا ترى خيرًا وسعادة وعمرانًا ومدنيّة وأمنًا وعافية ورخاء إلا والإنسان سببه إذا عمل مستمدًّا من الله القوة والعون، شاكرًا له أنعمه، ومتابعًا لرسله؛ لأن الإنسان خليفة ربه فى أرضه.

ولا ترى خرابًا ودمارًا ووباءً وزلزالًا وصواعق وإبادة إلا والإنسان سببها إذا نسي ربه واليوم الآخر، وآثر نفسه على مَن يجب عليه أن يحب له ما يحب لنفسه؛ لأن الحق Y الذي أقامه خليفة عنه في أرضه بشَّره بالوعد، وأنذره بالوعيد.

أهل الدنيا حُرِموا بهجة الأرواح

وقد حُرِم أهل الدنيا بهجة الأرواح ومسراتها؛ فلم يروا إلا ما يلائم أجسامهم من المادة من مأكل شهي، وملبس بهي، وفراش وطي، ومنكح رضي، وهذه هي السعادات كلها عندهم.

ولو تفكروا لرأوا أن تلك السعادات – بأكمل معانيها – قد فازت بها البهائم بأكثر مما فاز بها الإنسان:

فإن الديك متمتع من حيث الوقاع بما لا يتمتع به الإنسان…

والطاووس من حيث اللباس بما لا يتمتع به الإنسان…

والخنزير من حيث الطعام بأشهى مما يتمتع به الإنسان…

والوحوش من حيث نفوذ الكلمة والقهر متمتعة بأعظم مما يتمتع به الإنسان.

وما بقي للإنسان من سعادات إلا السعادات الرُّوحانية، فإذا فقدها كان كالأنعام بل أضل، قال تعالى: Pوَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَO (العنكبوت: 43)، فحظر على أهل الجهل به سبحانه أن يعقلوا عنه شيئًا.

جعل اللهُ الرسلَ بمقاديرهم زمانًا ومكانًا وعلمًا وصناعة

ولما كان الإنسان خليفة الله في أرضه خلقه ليعمر به هذا الكون، وأرسل لذلك المقصد الأنبياء ليعلِّموا الخلق علوم الدين وفنون الدنيا، فجعل الرسل بمقاديرهم زمانًا ومكانًا وعلمًا وصناعة، وكلهم عليهم السلام يبتدئون دعوتهم بتوحيد الله سبحانه؛ وبما يناسب المكان والزمان.

وكان كل رسول يختص بأمة من الأمم أو فئة من الناس، كما اختص شيث عليه السلام بقومه، وكما اختص نوح A بقومه، واختص الخليل عليه السلام بقومه في بلاد فلسطين، واختص موسى عليه السلام بقومه من يهود إسرائيل في بلاد مصر وغيرها، واختص عيسى عليه السلام بقومه في بلاد فلسطين، وكانت معاداة الملوك والأمراء للرسل ناشرة لدعوتهم.

كما علَّم اللهُ تعالى الأنبياءَ الصناعات وعلموها لأممهم، فعلَّم آدمَ عليه السلام الزراعة، وعلَّم أولاده في زمنه تربية الحيوانات، وعلَّم نوحًا A النجارة، وعلَّم إدريس A الحياكة، وعلَّم إبراهيم A الحكمة النظرية، وعلَّم موسى A الحكمة العملية، وعلَّم داود A الحدادة، وعلَّم عيسى A الطب.

الكمال الرُّوحاني والجسماني برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

حتى استعد الإنسان لتحصيل الكمال الرُّوحاني والجسماني، فبعث الله سيدنا محمدًا J رحمة للعالمين رسولًا من الله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أنزل الله تعالى عليه كتابًا جمع له فيه ما به كمال الرُّوح والنفس والعقل والحِسّ والجسم، ولذلك كان خاتم الأنبياء والمرسلين ولا نبي بعده.

كما جمع الله له J كل الصناعات الجسمانية والرُّوحانية، فعلَّمَه رعي الدواب صبيًّا والتجارة شابًّا، والزراعة، وعلو الهمة في إتقان الصناعات الضرورية والكمالية، وكان J طبيبًا رفيقًا.

وعلَّمَه السياسة الحكيمة في تدبير المنزل والقرية والمدينة والمجتمع العام، وعلَّمَه J أكمل سياسات الجهاد.

وفوق ذلك علَّمَه J ما شاء اللهُ مِن علم الغيب المصون الذي به الفوز بالملك الكبير في جوار رب العالمين، وعلَّمَه سبحانه ما به كمال الأشباح؛ حتى يكون الإنسان عالَمًا أصغر ينطوى فيه العالَمُ الأكبر.

فكان بما تفضل الله به عليه J الحقيقة التي جملها اللهُ تعالى بما يحبه ويرضاه مِن خَلْقِه، وبما ينال به الخلق كمال النعمة ودوام المسرات، وكأن الله تعالى يقول: إن حبيبي محمدًا J جمَّلتُه بما أُحِبُّه مِن خَلْقِي عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا ومعاملةً وأحوالًا، وكلفتُ عبادي أن يطيعوه فيما أمرتُه به بقدر استطاعتهم، وأن ينتهوا عما نهاهم جملة واحدة إلَّا مَا اضْطُرُّوا إليه….

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الدروس المستفادة من قصة المرأة التي سمع الله شكواها

بعد عودة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية وقع أول …