أخبار عاجلة

الأشعري والأشعرية (29)

يرى المتأخرون من الأشاعرة أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وأسماء وصفات بدعة من البدع المذمومة في العقيدة، وذلك للأسباب التالية..

د. محمد الإدريسي الحسني

موقف الأشاعرة من تقسيم التوحيد

الذي اختاره المجسمة من الوهابية

يرى المتأخرون من الأشاعرة أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وأسماء وصفات بدعة من البدع المذمومة في العقيدة، وذلك للأسباب التالية:

1- أنه لم يَرِدْ في الكتاب والسنة ولا في عصر السلف من أهل القرون الثلاثة، ولم يعرف لأحد قبل ابن تيمية ولم يدخل مقررات التوحيد؛ إلا في القرن الثاني عشر على يد ابن عبد الوهاب.

2- أنه يتعارض مع آيات من القرآن الكريم كقوله تعالى: )وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ( (آل عمران: 80)، وقوله تعالى: )يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ( (يوسف: 39)، ولو صح التقسيم لقال تعالى آلهة ولم يقل أربابًا. والله تعالى يقول عن المشركين: )أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ( (ص: 5)، وقال أيضًا: )لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا( (الكهف: 38)، ولو كان هناك توحيد ربوبية وألوهية لقال: لكنا هو الله إلهي ولا أشرك بإلهي أحدًا. وفي كتاب (مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام) للإمام عبد الله بن علوي الحداد: توحيد الألوهية داخل في عموم توحيد الربوبية بدليل أن الله تعالى لما أخذ الميثاق على ذرية آدم خاطبهم تعالى بقوله: )ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ( ولم يقل بإلهكم، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ومن المعلوم أن من أقرَّ له بالربوبية فقد أَقرَّ له بالألوهية إذ ليس الربُ غير الإله بل هو الإله بعينه، وأيضًا ورد في الحديث أن الملكين يسألان العبد في قبره فيقولان: من ربُك؟ ولم يقولا: من إلهك، فدلَّ على أن توحيد الربوبية شامل له.

3- أنه صار ذريعة لرمي الموحدين من أهل القبلة بالشرك وإراقة الدماء ونشر البغضاء. فلم يكن رسول الله يقول لأحد دخل في الإسلام: إن هناك توحيدين، وإنك لا تكون مسلمًا؛ حتى توحد توحيد الألوهية. ولا أشار إلى ذلك بكلمة واحدة، ولا نُقل ذلك عن أحد من السلف، أو أشار إليه أحد من الأئمة المتبوعين، وحتى جاء ابن تيمية في القرن السابع الهجري مقررًا إياه.

وقالوا: إن الإله الحق هو الرب الحق، والإله الباطل هو الرب الباطل، ولا يستحق العبادة والتأليه إلا من كان ربًّا، ولا معنى لأن نعبد من لا نعتقد فيه أنه رب ينفع ويضر، فهذا مرتب على ذلك. والله تعالى هو الرب، والرب هو الإله، فهما متلازمان يقع كل منهما موقع الآخر في الكتاب والسنة وكلام علماء الإسلام، وقد أومأ القرآن الكريم والسنة المستفيضة إلى تلازم توحيد الربوبية والألوهية: يقول تعالى: )أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ( (النمل: 25)، فسؤال الملكين للميت عن ربه لا عن إلهه؛ لأنهما لا يفرقان بين الرب والإله، وكان – ينبغي على مذهب هؤلاء – أن يقولا للميت: من إلهك؟ لا: من ربك؟! أو يسألاه عن هذا وذاك. وعلى ذلك فقصر توحيد الربوبية على الخالقية خطأ واشتباه، وذلك لأن معنى (الربوبية) ليس هو الخالقية فقط، كما توهم هذا الفريق بل هو يفيد تدبير العالم، وتصريف شؤونه، ولم يكن هذا موضع اتفاق بين جميع المشركين والوثنيين في عهد الرسالة، كما ادعى هذا الفريق. ولقد كان الكفار في عهد النبي منهم الدهريون المنكرون للبعث، ومنهم الملحدون، والمشركون (الذي يشركون مع الله في التدبير بعض خلقه من أوثانهم، وأهل الكتاب المعددون للآلهة)، ومع ذلك فابن تيمية وأتباعه يظهرون الكفار وكأنهم فرقة واحدة.

وأوجه بطلان تقسيم التوحيد كثيرة تحدث عنها باستفاضة:

1- الشيخ يوسف الدجوي المالكي الأزهري المتوفى سنة  1365 هـ، في مقال له بعنوان: (نقد تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية).

2- والشيخ محمد العربي التباني في كتابه (براءة الأشعريين من المخالفين) الذي نشره باسم مستعار هو أبو حامد بن مرزوق.

3- والشيخ أحمد محمود كريمة في كتابه السلفية بين الأصيل والدخيل.

4- والشيخ محمد صالح بن أحمد الغرسي في كتابه (منهج الأشاعرة في العقيدة بين الحقائق والأوهام).

5- والشيخ عمر عبد الله كامل في كتابه (كلمة هادئة في بيان خطأ التقسيم الثلاثي للتوحيد).

6- والشيخ جميل حليم الحسيني في كتابه (السهم السديد في ضلالة تقسيم التوحيد).

7- وحسن بن علي السقاف في كتابه (التنديد بمن عدد التوحيد: إبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية).

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …