أخبار عاجلة

أسس منهج الإمام أبي العزائم في تقرير عقيدة السلف (9)

تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.

وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.

الدكتور سامي عوض العسالة

بقية موقف الإمام من قضية العقل والنقل وأثر ذلك على منهجه في إثبات العقائد

بقية موقف الإمام من قضية العقل والنقل:

العقل الصريح عند أهل السنة يوافق النقل الصحيح، وعند الإشكال يقدمون النقل ولا إشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أن يتقبله، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كل ما أخبر به ولا العكس.

ولا يقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إن العقل لا يتقدم على الشرع – وإلا لاستغنى الخلق عن الرسل – ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سموا أهل السنة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النبي J قال الله تعالى: )فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( (القصص: 50).

والإمام يؤكد هذا المعنى فى تفسيره لقوله تعالى: )الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ( (البقرة: 3) حيث يقول: “العلم ينال بثلاثة طرق: بالحس الصحيح، والعقل السليم، والخبر الصادق ـ والخبر الصادق فوق الحس الصحيح والعقل السليم ـ والخبر الصادق هو رسول الله”([1]).

فالمقصود بقول الإمام” الخبر الصادق”، القرآن والسنة لقوله تعالى: )وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ( (النجم: 3).

وفى مسألة الحسن والقبح نجد أن الإمام يجمع بين العقل والشرع فيهما، ونحن نعلم أن المعتزلة يقولون بالحسن والقبح العقلى ، يقول الدكتور العراقى: “لقد ترك لنا المعتزلة مئات الصفحات فى كتبهم ورسائلهم، والتى إن دلت على شىء فإنما تدل على أن المعتزلة اهتموا اهتمامًا لا حد له بالبحث فى مشكلة الحسن والقبح أو الخير والشر إلى العقل 0لقد كان متوقعًا من المعتزلة كفرقة من الفرق الإسلامية التى اعتزت بالعقل اعتزازًا كبيرًا، أن تجعل معيار التميز بين الخير والشر، أى بين الحسن والقبح، إلى العقل أساسًا. إن المعتزلة قد ذهبوا إلى أن الله تعالى قد خلق لنا عقولًا لا نستطيع بمقتضاها وعلى أساسها بين شىء يعد خيرًا وشىء يعد شرًّا، شىء يعد حسنًا وشىء آخر يعد قبيحًا –”([2]).

وهنا يقول الإمام: “العلم بالْحَسَنِ شرعًا، والقبيح شرعًا، بعقل يعقل علمًا يمكَّن النفس من استحضار فوائد الحسن العاجلة والآجلة”([3]).

الخلاصة: مما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالًا وتفصيلًا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة وصدق الرسول J، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.

وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها، فهو يشهد له بالصحة تصديقًا وتعضيدًا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.

فإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحًا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعى، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته.

أثر قضية العقل والنقل على منهج الإمام فى إثبات العقائد:

موقف الإمام من قضية العقل والنقل واضح، فهو يرى أنه لا يوجد تعارض بين العقل الصحيح والنقل الصريح، وأنه عند التعارض فإن ذلك منشأه أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعى، وعند الإشكال يقدم النقل؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أن يتقبله، وهذا هو منهج السلف الصالح فى إثبات العقائد.

هذا وقد سلك السلف الصالح في إثبات العقيدة مسلكًا خاصًّا حيث وقفوا عند نصوص الكتاب والسنة، ولم يتكلفوا دليلًا عقليًّا أو قياسًا وبرهانًا منطقيًّا، فتمسكوا بالنصوص نفيًا وإثباتًا، فأثبتوا ما أثبتته، ونفوا ما نفته، دون أن يعطلوا أو يأوِّلوا، أو يشبِّهوا.

كما وأن تقسيم الصفات إلى أقسامها الأربعة المعروفة والمثبتة في كتب المتكلمين لم تكن معروفة لديهم؛ إذ لم ينشغلوا رضوان الله عليهم بتقسيمها إلى صفات نفسية، وسلبية، ومعان، ومعنوية، بل آمنوا بثبوت هذه الصفات لله تعالى ولم يسألوا رسول الله Jعن شيء من هذه الصفات مثلما سألوه عن كثير من أمور الدين في الحال والمآل، ولو سألوه عن شيء من هذه الصفات لنقل إلينا.

وإذا أردنا أن نتعرف على منهج الإمام الذى اعتمد عليه فى بيان العقيدة فإننا نستطيع أن نقرر أنه جمع بين عدة مناهج مختلفة، الأول منهج السلف فى تقرير العقيدة، والثاني منهج المتكلمين في بحثهم مختلف المسائل الكلامية، والثالث منهج الصوفية، أو بمعنى آخر المبحث النصِّي، والمبحث الكلامي، والمبحث الصوفي.

المبحث النصِّي، وفيه اعتنى 0  بمسائل العقيدة معتمدًا على منهج السلف، المتمثل فى الكتاب والسنة، وأقوال السلف0

والمبحث الكلامي، وفيه اعتنى الإمام 0 بالمسائل الكلامية المعقدة مثل الكلام في الاسم والمسمى، والمعاني والجواهر والأعراض، وغيرها من المسائل الكلامية الدائرة على ألسنة المتكلمين.

والمبحث الصوفي، وفيه لجأ الإمام أبو العزائم 0 إلى بعض الإشارات، والإلهامات العرفانية، التى تعتمد على الكشف والذوق، شريطة عدم تعارضها مع الأصول الثابتة.

===========================================

([1]) أسرار القرآن للإمام أبى العزائم ج 1 ص 26.

([2]) الفلسفة العربية، د/ عاطف العراقى ص 56.

([3]) النور المبين للإمام أبى العزائم ص 32.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …