أخبار عاجلة

رأي الإمام أبي العزائم في مسائل العقيدة (11)

تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي: أصول الدين، وأحكام الشريعة.

وإن كانت المعرفة – بشكل عام – مطلوبة، ومرادة، وبكل فروعها، فيما يتعلق بالكون والحياة، وبخاصة ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه، وذوات جنسه من كافة المخلوقات، كالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، التي استقطبت جهودًا جبارة من المصلحين، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة، والعلماء، والصالحين من الناس.

الدكتور سامي عوض العسالة

بقية الفصل الأول: الإلهيات

المبحث الثالث: الصفات الإلهية

تمهيد:

تعد مسألة الصفات الإلهية من أهم مسائل علم الكلام؛ وذلك لأن معرفة الله وصفاته هي الأساس الذي تقام عليه بقية قضايا علم الكلام، ولما كانت معرفته تعالى بذاته خارج حدود العقل؛ لما يعتريه من قصور فإن الطريق لمعرفته تعالى هو الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وتصور كنه الذات أمر يستحيل على العقول، ولعل هذا ما تشير إليه العبارة المأثورة “لا يعرف الله إلا الله”؛ إذ إن كل ما تخيله العقل ويتصوره عن الله،  فالله بخلافه، ومن هنا نجد النبي J يحثنا علي النظر والتأمل في آيات الله وينهانا عن محاولة التفكر في ذات الله؛ حتى لا نهلك([1]) كما وأن القرآن الكريم يقرر أن الناس لا يمكنهم الوصول إلي معرفة حقيقة الذات الإلهية؛ حيث يقول تعالى: )يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا( (طه: 110).

كما وأن أهمية قضية الصفات تأتى علاوة علي ما سبق من أن إدراك صلة الله بالعالم من حيث الخلق والإبداع والتصرف والإحاطة والتدبير يتوقف علي معرفة صفاته سبحانه؛ وذلك لأن كل هذه الأفعال ما هي إلا آثار لتلك الصفات الواجبة لله سبحانه وتعالى. والإمام أولًا وقبل كل شيء سُنِّيٌّ، وانطلاقًا من هذا المبدأ فقد أيد الإمام أبو العزائم 0 الأشاعرة في الصفات الإلهية، غير أنه خالف الأشاعرة في القول بالصفات الزائدة، وهذا ما سوف نوضحه إن شاء الله تعالى.

وللإمام رأى حول مشكلة الصفات تختلف أو تتفق مع آراء الفرق الأخرى، ولكي نبين رأيه في مشكلة الصفات، ومدى استقلاله فيها، أو تبعيته لمدرسة معينة، يجب أن نبين آراء الفرق، والمذاهب الإسلامية التي تقدمت عليه، وكان لها رأى، ثم نتبعها ببيان رأيه بوضوح، ثم نبين مقدار مخالفته، أو موافقته.

تقسيم الصفات الإلهية:

تنقسم الصفات الواجبة لله تعالى عند أهل السنة إلى ثلاثة أقسام:

1- صفات نفسية: ويراد بها “الصفة الثبوتية التي يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد على الذات”([2])، وهي صفة واحدة “الوجود”.

صفات سلبية: وهي التي تسلب عن الله تعالى ما لا يليق بذاته المقدسة، وهي خمس صفات: القدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية.

3- صفات المعاني: ويقصد بها تلك الصفات التي تضيف معنى زائدًا على الذات. أو هي عبارة عن: المعنى القائم بالذات. فهي كل صفة قائمة بموصوف موجبة له حكمًا([3]).

وزاد المعتزلة قسمًا رابعًا وهو: الصفات المعنوية ككونه عالمًا، وكونه مريدًا، وكونه سميعًا، وكونه متكلمًا…. إلخ.

أما الحشوية فإنهم قالوا: إن لله صفات تشبه صفات الناس – I عما يقولون علوًّا كبيرًا – وأن يده يدًا جارحة، وهكذا.

أما الأشاعرة فقد أثبتوا لله تعالى صفات سبعة وهي: الحياة، العلم، الإرادة، القدرة، السمع، البصر، الكلام. إلا أنهم في صفة الكلام قالوا هو كلام نفسي قديم، وأهل السنة قالوا: كلام بحروف وصوت.

رأي الإمام في الصفات:

يقسم الإمام أبو العزائم صفات الله تعالى في كتاب اصطلاحات الصوفية والتصوف إلى:

(1) صفات ذاتية: الوجود.

(2) صفات سلبية: معبر بها عن سلب معنى لا يليق به تعالى وهـى: القـدم، البقاء، مخالفته تعالى للحوادث، قيامـه تعالى بنفسه، الوحدانية.

(3) صفات المعنى: القدرة، الإرادة، العلم، الحياة، السمع، البصر، الكلام.

وبهذا يكون رأي الإمام في تقسيم الصفات موافقًا لأهل السنة.

ويتحدث الإمام بشيء من التفصيل عن الصفات في كتابه: الإسلام دين الله، حيث يتحدث عن الصفات السلبية ويطلق عليها الصفات التنزيهية، غير أنه يضيف صفة الوجود إليها، حيث يقول: والصفات التي اعتنى بها الأئمة في مقام التنزيه هي: الوجود، والقدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، والوحدانية.

وبعد ذلك العرض المجمل نتحدث عنها مستعرضين آراء بعض الفرق التي سبقت الإمام في تلك المسألة، ثم نبين تبعيته أو عدم تبعيته، والفرق هي:

تنقسم من حيث إثبات الصفات أو نفيها إلى قسمين: فالمثبتون هم الأشاعرة والكرامية، والنافون هم الجهمية والمعتزلة والفلاسفة.

أ- فالأشاعرة: أثبتوا الصفات وقالوا: لله صفات ثابتة زائدة على الذات.

ب- الكرامية: أثبتوا لله تعالى صفات حادثة. أقروا قيام الحوادث بذاته.

ج- الجهمية: يعتقد الجهمية أن الله لا يوصف بما يوصف به عباده، فلا يجوز أن يقال في حقه عالم موجود([4])..

د- المعتزلة: أنكرت المعتزلة ثبوت صفات قديمة أزلية لله تعالى؛ لأن الصفة في معتقدهم وصف الواصف ولم يكن في الأزل وصف([5])..

ﻫ- الفلاسفة: نفى الفلاسفة الصفات الثبوتية مثل العلم والقدرة وأثبتوا العالمية والقادرية، وزعموا أنها ثابتة مع الذات، منكرين بذلك زيادة صفة زائدة على ذاته كالمعتزلة تمامًا([6]).

هذه هي آراء الفرق في مشكلة الصفات التي رأينا منهم من أثبتها لله تعالى كالأشاعرة والكرامية، وأن ما أثبتها الكرامية حادثة لله تعالى.

ومنهم من نفاها كالمعتزلة والفلاسفة وأيًّا ما كان فالذي يهمنا بعد هذا العرض لآراء الفرق رأي الإمام في الصفات ومدى تبعيته لفرقة أو عدم تبعيته لها.

=============================

([1]) انظر: إتحاف السادة المتقين: الزبيدي 10/108. طبعة بيروت.

([2]) شرح البيجوري على الجوهرة ص67.

([3]) شرح البيجوري على الجوهرة ص76.

([4]) انظر: الأسفراييني: التبصير في الدين ص64، والشهرستاني في الملل والنحل ص90.

([5]) انظر: القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، مكتبة وهبة – القاهرة، 1995م0 والتبصير في الدين ص37.

([6]) انظر: المواقف للإيجي 8/44، 45، والإبانة للأشعري ص18.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (26)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …