أخبار عاجلة

أبو مدين الغوث حياته ومعراجه إلى الله (3)

ولد قرب أشبيلية في الأندلس، وعمل برعي الغنم وصيد البحر، ثم ترك الأسرة والبيت وميراثه من أجل العلم، فهاجر إلى (مراكش)، ثم استقر في (فاس)، وأخذ عن مشايخ كثر أشهرهم في التصوف (علي بن حرزهم وأبي يعزى)، ثم رحل إلى (بجاية) فاستقر بها طيلة عمره، وكان قد زار المشرق ومكة والتقى فيها بالقطب عبد القادر الجيلاني..

الأستاذ صلاح البيلي

بقية: اسمه ونشأته

يروي صاحب كتاب (التشوف) أنه لما مات والده عزم على قسمة ما تركه أبوه بينه وبين أخيه، فلما قام إلى ورده اشتغل سره بذلك، فلما أصبح بعث إلى أخيه أبي القاسم وقال له: (احضر الشهود لأتصدق عليك بميراثي)، فلما تمنع هدده بالتصدق به على الجذماء المرضى، فرضخ أخوه وقبل ميراثه كصدقة !

وهذا شبيه بما فعله أبو طلحة الأنصاري حين كان يصلي في بستان له فطارت يمامة وصارت تلمتس مخرجًا، فأعجبه حالها وظل يراقبها ساعة ففتنته عن صلاته، فذهب إلى رسول الله وحكى له ما حدث، ثم تنازل عن بستانه وقال للرسول: (هو صدقة لله فضعه حيث شئت).

وروى ابن حرزهم أنه سأل رب العزة في النوم حاجته، فقال: أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، فقال رب العزة: قد فعلت، فكان لا يبالي بشيء، وقد دعا بهذا الدعاء لغيره فنال بركته.

وكان ابن حرزهم من الأولياء الذين أخبروا الناس بقرب وفاتهم، وقال للناس: إنه لن يصوم رمضان المقبل معهم، وقد كان، رغم أنه لم تظهر عليه أعراض المرض.

وكان أبو مدين قد قرأ كتاب (الرعاية لحقوق الله) للحارث المحاسبي على شيخه ابن حرزهم، كما درس عليه كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي، وكان الغزالي قد أفاد من كتاب المحاسبي وقرأه، وقال أبو مدين: طالعت كتب التذكير فما رأيت كالإحياء للغزالي، فهو كتاب مبارك، وقد كان أبو الحسن الشاذلي يدرسه لمريديه ويحثهم على قراءته، ويقول: كتاب الإحياء يفيد العلم.

ثم درس أبو مدين كتاب السنن للترمذي، درسه على أبي الحسن بن غالب فقيه فاس، والذي مات سنة 568 هجرية، أما علوم الصوفية فقد درسها أبو مدين على الشيخ الصالح أبي علي الدقاق، وكان يقول: أنا أول من أخذ منه الشيخ أبو مدين علم التصوف، وكانت (الرسالة القشيرية) من الكتب المفضلة عند أبي مدين. وألفه عبد الكريم بن هوازن القشيري سنة 437 هجرية، وقد أبان الغزالي عن أهمية العلم والعمل للصوفي بقوله:

(أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل، وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة؛ حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب من غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله، وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل: (قوت القلوب) لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم..

حتى يقول: (.. فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق والحال وتبدل الصفات.. فعلمت يقينًا أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال..).

ومن فضل الله على أبي مدين أن قيض له شيخ التربية والسلوك وكان أبو يعزى، ويقول أبو مدين عن ذلك: (ثم سمعت الناس يتحدثون بكرامات أبي يعزى فذهبت إليه في جماعة توجهت لزيارته، فلما وصلنا جبل أيروجان ودخلنا على أبي يعزى أقبل على القوم دوني، فلما أحضر الطعام منعني من الأكل، فقعدت في ركن الدار، فكلما أحضر الطعام وقمت إليه انتهرني، فأقمت على تلك الحال ثلاثة أيام، وقد أجهدني الجوع ونالني الذل، فلما انقضت ثلاثة أيام قام أبو يعزى من مكانه فأتيت إلى ذلك المكان ومرغت وجهي فيه، فلما رفعت رأسي نظرت فلم أر شيئًا وصرت أعمى، فبقيت أبكي طول ليلتي، فلما أصبحت استدعاني وقال لي: اقرب يا أندلسي، فدنوت منه فمسح بيده على عيني فأبصرت، ثم مسح بيده على صدري وقال للحاضرين: هذا يكون له شأن عظيم، فأذن لي في الانصراف).

ثم تكررت زيارات أبي مدين لشيخه أبي يعزى حتى قال صاحب كتاب (أنس الفقير): (فنال من بركاته، وشاهد العجائب من كراماته). وكان أبو يعزى لا يجامل بل يفضح الخلق ويقول للزاني: يا زاني، وللسارق: يا سارق، فيتوب الشخص ويرجع إلى ربه، وإذا ما خوطب في ذلك قال: إنه مأمور، وقد جاء كتاب أبي شعيب من أزمور يقول له فيه: (استر عباد الله ولا تفضحهم)، فقال له: (والله لولا أني مأمور بهذا ما فضحت أحدًا ولسترت على الخلق).

وروى صاحب كتاب (التشوف) أن مؤذن أبي يعزى خاض فيه مع رجل ووصفه بالجهل؛ لأنه يقول لهذا: زنيت، ولهذا: سرقت، فاقطع كلامه ومنع من الكلام، ثم جاء أبو يعزى، فمسح على حلق مؤذنه فطارت علقة دم وتكلم وتاب إلى الله، فقال له أبو يعزى: مم تتوب يا بني وأنت لم تقل غير الحق، أنا جاهل لا أعرف إلا ما عرفني مولاي.

ويقول صاحب كتاب (أنس الفقير): إن أبا يعزى كان إذا حرث يخرج للضعفاء تسعة أعشار أرضه ويتمسك بالعشر، وكان يقول عن زكاة حرثه: (من سوء أدبي أن أخرج العشر وأتمسك بتسعة أعشار).

وحدث أن سجن سلطان مراكش الشيخ علي بن حرزهم، فقال لتلاميذه إنه لن يمكث في السجن؛ لأن الشيخ أبا يعزى يراه ولن يتركه، وكان بينهما مسيرة خمسة أيام، فأطلق من ساعته.

يقول أبو مدين: (طالعت أخبار الصالحين من زمن أويس القرني إلى زماننا فما رأيت أعجب من أبي يعزى، وطالعت كتب التذكير فما رأيت كالإحياء للغزالي..). وكانت وفاة أبي يعزى في شوال سنة 572 هجرية.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (13)

لما كان الإنسان جوهرة عقد المخلوقات وعجيبة العجائب، وقد جمع الله فيه كل حقائق الوجود …