أخبار عاجلة

أباطيل الإسلام السياسي (الأسس الفكرية للإرهاب) [43]

من يقرأ أدبيات جماعات الإسلام السياسى على تنوعها، يجدها متفقة على أن هدفها المعلن هو تطبيق شرع الله والحكم بما أنزل الله..

الدكتور محمد حسيني الحلفاوي

هذا حكم الله

من يقرأ أدبيات جماعات الإسلام السياسى على تنوعها، يجدها متفقة على أن هدفها المعلن هو تطبيق شرع الله والحكم بما أنزل الله.

وطبعًا هذا الكلام ” لازمه ” أننا نعيش فى جاهلية ولا نطبق شرع الله!!

وعندما قامت ثورات ما عرف بالربيع العربى فى 2011م، ووصلت هذه الجماعات لسدة الحكم، وسيطرت على الأغلبية بالمجالس التشريعية فى مصر وتونس وليبيا وغيرها، كان من أولى أولوياتها ” تغيير الدستور والقوانين لتتطابق مع الشريعة الإسلامية كما يفهمونها “.

وفى الجمعية التأسيسية كان جهادهم الأكبر هو تعديل المادة الثانية من الدستور المصرى والتى تنص على: ” الإسلام هو دين الدولة، واللغة العربية هى لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيس للتشريع “.

لتصبح كالتالى:

” الإسلام هو دين الدولة، واللغة العربية هى لغتها الرسمية، وأحكام الشريعة الإسلامية هى المصدر الوحيد للتشريع ”

مدعين أن كلمة مبادئ الشريعة لا تفى بالغرض ولا بد من تغييرها، وكأنهم لا يعترفون بمبادئ الحق والعدل والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية!!

وحدث خلاف في الجمعية التأسيسية وخارجها حول هذه القضية؛ وكان الحل هو إضافة مادة تفسيرية بالدستور تحدد ما هو المقصود بمبادئ الشريعة؛ حتى لا يترك التفسير للمحكمة الدستورية العليا التى تعاديها هذه الجماعات!!

وبالفعل تم وضع المادة 219 فى دستور الإخوان 2013م والتى نصت على:

” مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، فى مذاهب أهل السُّنة والجماعة “.

وبعد ثورة الشعب المصرى على الإخوان فى ثورة 30/6/2013م كان أول مطلب لعلماء الأزهر وللمثقفين ولعلماء القانون وقادة الأحزاب السياسية هو ضرورة حذف هذه المادة، ووصفوها بأنها ” طائفية وكارثية “.

ونحن فى هذه السطور سنناقش هذا الموضوع لنعرف ماذا كان يراد بمصر.

– مبادئ الشريعة لماذا؟!

المنتقدون لنص ” مبادئ الشريعة ” يحتجون بدعوى قد تنطلى على البعض، فهم يقولون: إن مبادئ الشريعة بتفسير المحكمة الدستورية العليا بمصر تعنى الأمور قطعية الورود قطعية الدلالة، وهذا يرمى بمعظم أحكام الشريعة فى البحر، حيث إن أغلبية أحكامها ظنية الورود أو ظنية الدلالة!!!

الرد:

حقيقة رأى المحكمة الدستورية العليا بمصر:

إن الأمور والمسائل ” قطعية الورود ” مثل القرآن الكريم والسنة المتواترة وكذلك الأمور والمسائل ” قطعية الدلالة ” سواء كان دليلها من القرآن الكريم قطعى الثبوت أو من السنة المطهرة ظنية الثبوت.. هي أمور ملزمة  للسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وغير مسموح لهما مخالفتها، وإلا  لتم الطعن على القانون أو القرار الإدارى أمام المحكمة الدستورية العليا؛ وتنفيذًا للمادة الثانية من الدستور المصرى  سيحكم ببطلان القانون أو القرار لمخالفتهما للثابت والمتفق عليه الشريعة الإسلامية.

وهكذا فالأمور والمسائل المتفق عليها؛ حتى لو كان مصدرها ظني الثبوت مثل كثير من الأحاديث النبوية فهى ملزمة للمشرع وللحاكم طالما هى قطعية الدلالة ومتفق عليها .

إن المحكمة الدستورية العليا بمصر لم تنكر السنة كمصدر ثان للتشريع بعد القرآن الكريم ولكنها خزعبلات جماعات الإسلام السياسى التى لا تحسن فهم ما تقرأ، أو تفهمه ولكن لأهداف مغرضة تدلس على المحكمة؛ لأن تفسير المحكمة الدستورية العليا – درة القضاء المصرى – واضح وناصع ويكتب بماء الذهب.. وهو الصحيح؛ فإن القانون ملزم للعامة ولا يجوز إلزام الناس إلا بالمتفق عليه من الأمور الدينية، أما الأمور الخلافية فلا يجوز إلزام الناس بها قانونًا وكل مكلف يختار ما يناسبه منها خصوصًا فى مسائل العبادات، حيث إن الأمور الخلافية غير ملزمة إلا لأصحابها؛ لأنك لو ألزمت العامة بالمسائل الخلافية الإجتهادية، فبأى رأى خلافى تلزمها إذن؟!

والتيار الذى ينتقد تفسير المحكمة الدستورية العليا لكلمة ” مبادئ ” يريد فى حقيقة الأمر أن يلزم الشعب بآراء اجتهادية تاريخية يعتنقها، لم يلزمنا الله سبحانه وتعالى بها؛ بدعوى أنهم حصلوا على الأغلبية فى الانتخابات البرلمانية!!

رغم أن الشعب عندما يختار نوابه فإنه يختار أغلبية سياسية وليس أغلبية فقهية أو مذهبية!!!

فمثلًا:

لو نجح حزب النور السلفى فى الانتخابات البرلمانية وحصل على الأغلبية، فهل من حقه تغيير القوانين المصرية واختيار آراء ابن تيمية وإدخال مصر في النفق السلفي؟!

رغم أن الناخبين لم يدر فى خلدهم تغيير هوية مصر؛ لأنهم انتخبوا نواب تشريع ورقابة ولم ينتخبوا فقهاء.

– الفرق بين حكم الله وحكم المجتهد:

هل يجوز لجماعات الإسلام السياسى فرض اختياراتهم المذهبية والفقهية على الشعوب تحت دعوى أن هذا هو حكم الله؟!

لن نجتهد من عندياتنا للرد على هذا السؤال ونترك الصحابى الجليل بريدة بن الحصيب الأسلمى 0 يرد عليهم؛ فقد ورد بصحيح مسلم حديث رواه هذا الصحابى الجليل عن النبى J جاء فيه:

” وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدرى أتصيب فيهم حكم الله أم لا ” رواه مسلم.

والمعنى واضح جلى وهو أنه ليس من حق الصحابى الإدعاء بأن اجتهاده وحكمه هو حكم الله ورسوله.. فما بالنا بقادة جماعات الإسلام السياسى!!

وهذا عمر بن الخطاب 0 – وهو من هو – عندما كتب كاتبه حكمًا حكم به عمر فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال له عمر 0: لا تقل هكذا ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب([1]).

فأين هذا مما يدعيه قادة الإسلام السياسى ليل نهار من أن آراءهم واختياراتهم هى حكم الله وشرع الله، ويبدعون ويفسقون ويكفرون من يخالفهم ولو كان شيخ الأزهر ومفتى الديار المصرية!!.

([1]) رواه البيهقى فى السنن الكبرى ج10 ص 116 وقال ابن حجر فى التلخيص ج4 ص 195 ” إسناده صحيح”.

عن الاسلام وطن

شاهد أيضاً

الإنسان خليفة الله في الأرض (11)

عرضنا فيما مضى الحكمة من إيجاد الخلق، وتحدثنا عن أطوارِ الإنسان قبل وبعد إبرازه في …