وقفة مع الذات لكي تكون شخصية مؤثرة (4)

لقد بنى الله سبحانه وتعالى الكون كله على نظام دقيق مذهل لا مكان فيه للفوضى والاضطراب قال سبحانه: )وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(، وقال سبحانه: )سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(....

الدكتور جمال أمين

وقفة مع الذات لكي تكون شخصية مؤثرة (4)

تنظيم الحياة شرط إنجاحها (1/2)

لقد بنى الله سبحانه وتعالى الكون كله على نظام دقيق مذهل لا مكان فيه للفوضى والاضطراب قال سبحانه: )وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(، وقال سبحانه: )سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(.

وفي ضمن هذه الأحكام ولحكمة باهرة أعطى سبحانه الإنسان قدرًا من الحرية والاختيار ابتلاء وامتحانًا، وخلال هذا القدر من الحرية يستطيع الإنسان أن ينظم حياته أو أن يبقيها فوضى مضطربة، ودواعي التنظيم لحياة الإنسان تحيط به في كل ذرة من هذا الكون في تقلب الليل والنهار، واختلاف الفصول والأحوال، ونضوج الثمار وتوالد الحيوان، فالنظام هو سمة وعنوان الكون كله من الذرة إلى المجرة.

يقول الإمام أبو العزائم 0:

تنادي كل جارحة وعضو

وأزهـار وأنوار الجنان

وأفلاك تدور على انتظام

وأنهار بها حلي الغواني

وأشجار تسبـح ناطقات

لمن عرف الحقيقة بالبيان

جمال لا يشابهـه جمال

وحسن ليس يحصيه جنان

وجاء شرع الله مرسخًا لهذه الحقيقة الكونية في تعاليمه وأحكامه في العبادات والمعاملات.

فإذا لم يستجب الإنسان لكل هذه الدواعي والمؤثرات، وينظم ما بقى من حياته مما أعطى حق الاختيار فيه، فهو الاضطراب والصراع مع جميع المخلوقات من حوله، وهو الضنك والتعب والتعاسة في حياته، وهو الإخفاق وقلة الإنتاج وضآلة العطاء في أعماله، ثم النهاية أن يصاب الفوضوي بالإحباط واليأس والتوتر والقلق، حين يرى الناس قد قطعوا شوطًا بعيدًا في الحياة وهو ما زال يراوح في مكانه، والنتيجة النهائية لذلك كله ضياع الوقت الذي هو إهدار الحياة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ويمكننا أن نعرف التنظيم تعريفًا مبسطًا سهلاً فنقول: إنه استخدام الوسائل الممكنة لتحقيق الأهداف المنشودة من خلال خطة محكمة.

وهذا يستدعي الإلمام بالأمور الآتية:

1- حجم الوسائل المطلوبة.

2- معرفة أهمية كل وسيلة.

3- معرفة وتحديد مكان كل وسيلة من العمل.

4- ضبط الوقت الذي يحتاج فيه إلى كل وسيلة.

وقبل ذلك كله صياغة الأهداف بعناية، وليكن جميع ذلك من خلال خطة واضحة المعالم.

بعض أسباب الفوضى وعدم التنظيم للحياة

1- التهاون في استغلال الوقت وتضييعه في التوافه من الأمور، وما أصيب العاقل بمثل مصيبة ضياع الأوقات؛ لأن اللحظة التي تمر لن تعود أبدًا، وكما ورد في الأثر: أنه ما من يوم ينشق فجره إلا ومناد ينادي: يا ابن ادم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، لا أعود لك إلى يوم القيامة فتزود مني بخير، فالعاقل يدرك أن الزمن هو أنفاسه التي تتردد، وأن الدقيقة إذا مضت وانقضت فهي نقص من حياته، كما قال الشاعر:

دقات قلب المرء قاتلة له

إن الحياة دقائـق وثوان

ولذلك ينطلق العاقل في حياته مستثمرًا لكل لحظة منها أجدى وأفضل استثمار لعلمه أن الله سيسأله عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه.

أما أهل الفوضى والبطالة فليس في حياتهم أرخص من الأوقات يقضونها في اللهو والتوافه، لا يعتنون بها ولا يفكرون بها، ولا يفكرون في استغلالها بل يتنادون لقتلها، وما علم المساكين أنهم يقتلون أنفسهم، وكما قيل: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وما فاز وسبق فرد أو أمة على غيره إلا بإدراكه لقيمة الوقت ومبادرته للاستفادة منه بكل ما يستطيع.

وما أعظم ما قاله أحد السلف لآخر حين دعاه إلى بعض ما تضيع به الأوقات فقال له: أوقف الشمس حتى أستجيب لك.

والنفس إذا تعودت الحرص على الأوقات واستغلالها فيما ينفع ويفيد دفعها ذلك إلى تنظيم جميع أمور الحياة التي ظرفها الزمان، ولتكن حكمتك (الوقت هو الحياة فلا تضيعها وساعد غيرك على الاستفادة منها).

2- عدم التفريق بين الأهم والأقل أهمية؛ إذ إن بعض الناس يشتغل بالكماليات  والثانويات أو المندوبات والمباحث، ويستنفد وقته فيها، ويهدر ويفرط في الضروريات والكليات والفرائض والواجبات، فهو كمن بذل جهده واستفرغ وسعه وبذل ماله في اختيار ألوان منزله وقصر تقصيرًا كبيرًا في قواعد وأعمدة وجدران ذلك المنزل، فآل به إلى أن انهدم المنزل على من فيه، ولم ينفعه تزويق الألوان ولا بهارج الأصباغ.

وهكذا حياة بعض الناس تجري وراء المظاهر الفارغة، والمراءات الكاذبة والمناسبات والمجاملات، وإذا فتشت في حياتهم لتبحث فيها عن علم محقق أو عمل زاكٍ مبارك أعوزك ذلك، وهؤلاء وإن عاشوا فترة من الحياة في غرور لكنهم يستيقظون إذا انصرفت عنهم الحياة ونسيهم الناس، أو حل بهم الأجل وانتقلوا للدار الآخرة، حينئذ يدرك الإنسان أن الزبد يذهب جفاء ، ولا يمكث إلا ما ينفع الناس، وأن من المقاتل التي يرمي بها الباطل أهل الجد والنشاط هو صرفهم في صغائر الحياة، فتتكاثر عليهم الصغار وتتراكم في الانتظار الكبار، فلا يكون إلا الفوضى والاضطراب.

 

واعلم أن صغار الأمور رجالها في الحياة كثير والزحام عليها شديد، أما معالي الأمور وعظائمها فطريقها شبه خال من السالكين فيممه إن كنت ذا همة وعزيمة.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 16:25
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.