الإمام عليٌّ.. في ذكرى رحيل الصديق وتولِّي الفاروق!!

+ أوصى الصديق أن يخلفه الفاروق بأمر من سيدنا رسول J.

+ لما كان الإمام عليٌّ A قد عرف من رسول الله أمورًا ستحدث من بعده قام بتثبيت الفاروق في الخلافة.

+ قال الإمام عليٌّ في رثاء الصديق: فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين حرزًا وعزًّا وكهفًا، وللمؤمنين فئة وحصنًا وغيثًا.

 

+ وقف الإمام عليٌّ A موقف الناصح الأمين للخلفاء، شعورًا منه بالمسؤولية الكبرى، فهو الأمين على سلامة الرسالة والأمة.

 الشريف عبد الحليم العزمى الحسينى

الأمين العام والمتحدث الرسمى للاتحاد العالمى للطرق الصوفية 

 

الإمام عليٌّ.. في ذكرى رحيل الصديق وتولِّي الفاروق!!

كانت العَلاَقَةُ طَّيِّبَةً بينَ الإِمَامِ عَلِىٍّ وسَيِّدِنَا أبى بَكْرٍ 5، حيثُ كانَ الإِمَامُ عَلِىٌّ A عَيْبَةَ نُصْحٍ لسَيِّدِنَا أبى بَكْرٍ 0، مُرَجِّحًا لِمَا فيهِ مَصْلَحَةٌ للإِسْلاَمِ والمُسْلِمِينَ على أىِّ شَىْءٍ آَخَرَ.. ولم تَطُلْ أَيَّامُ أَبِى بَكْرٍ فقد أَلَمَّتْ به الأَمْرَاضُ فى جُمَادَى الآَخِرَةِ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ من الهِجْرَةِ.

ذَكَرَ اليَعْقُوبِىُّ فى تَارِيخِهِ: لمَّا اشْتَدَّتْ به العِلَّةُ عَهِدَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فأَمَرَ عُثْمَانَ أن يَكْتُبَ عَهْدَهُ، وكتب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذا ما عَهِدَ أبو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ إلى المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، فإِنِّى أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللهَ؛ أمَّا بَعْدُ فَإِنِّى قدِ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فاسْمَعُوا وأَطِيعُوا، وإِنِّى مَا أَلَوْتُكْم نُصْحًا. والسَّلاَمُ([1]).

وذَكَرَ الطَّبَرِىُّ فى تَارِيخِهِ، وابنُ الأَثِيرِ فى الكَامِلِ([2]) عن مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الحَارِثِ: دَعَا أبو بَكْرٍ عُثْمَانَ خَالِيًا، أى: مُنْفَرِدًا، فقالَ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذا ما عَهِدَ أبو بَكْرِ بنُ أبى قُحَافَةَ إلى المُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدُ.

قال: ثُمَّ أُغْمِىَ عَلَيْهِ، فذَهَبَ عَنْهُ، فكَتَبَ عُثْمَانُ، أمَّا بَعْدُ؛ فإِنِّى قدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، ولم آَلُكُمْ خَيْرًا مِنْهُ. ثُمَّ أَفَاقَ أبو بَكْرٍ فقالَ: اقْرَأْ عَلَىَّ، فقَرَأَ عَلَيْهِ، فكَبَّرَ أبو بَكْرِ وقالَ: أَرَاكَ خِفْتَ أن يَخْتَلِفَ النَّاسُ إنِ افْتُلِتَتْ نَفْسِى فى غَشْيَتِى! قال: نَعَمْ. قال: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا عنِ الإسلام وأَهْلِهِ! وأَقَرَّهَا أبو بَكْرٍ من هذا المَوْضِعِ([3]).

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِىُّ فى كِتَابِ (المُخْتَصَرِ من كِتَابِ المُوَافَقَةِ)([4]): لمَّا ثَقُلَ أبو بَكْرٍ 0 فى مَرَضِهِ الذى مَاتَ فِيهِ، يَغْفِرُ اللهُ لَهُ كُلَّ ذَنْبٍ وجَزَاهُ عن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَيْرَ الجَزَاءِ، أَرْسَلَ إلى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ فجَمَعَ مِنْهُمْ عِشْرِينَ رَجُلاً، عَشْرَةً من المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ منهم عُمَرُ ابنُ الخَطَّابِ، وعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وعَلِىُّ بنُ أَبِى طَالِبٍ، وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ، والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ، وغَيْرُهُمْ من المُهَاجِرِينَ. ومن الأَنْصَارِ سَعْدُ بنُ مَالِكٍ، وخُزَيْمَةُ بنُ ثَابِتٍ، وأبو طَلْحَةَ، وأبو أَيُّوبٍ، وسَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، وجَمَاعَةٌ من خِيَارِهِمْ.

فلَمَّا اجْتَمَعُوا دَخَلُوا على أبى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وهو مُسَجًّى بعَبَاءَةٍ مُتَوَطِّئٌ بأُخْرَى، وعندَ رَأْسِهِ تَوْرٌ (إِنَاءٌ) بِرَامٍ فيهِ ثَمَرَاتٌ، وكِسَرٌ من شَعِيرٍ، فلَمَّا أَخَذَ القَوْمُ مَجَالِسَهُمْ، قال أبو بَكْرٍ: أَقْعِدُونِى وسَنَّدُونِى فأَقْعَدُوهُ، وقد ذَهَبَ لَحْمُهُ، ولم يَبْقَ عَلَيْهِ إلاَّ جِلْدُهُ وعَظْمُهُ، وكَثُرَ شَعْرُ رَأْسِهِ وبَدَنِهِ، ونَحِلَ جِسْمُهُ، فبَكَى المُسْلِمُونَ لِمَا رَأَوْا، فقالَ لهم: مَا يُبْكِيكُمْ يَرْحَمُكُمُ اللهُ؟ فقالوا: مِِمَّا نَرَى من نُحُولِ جِسْمِكَ وكَثْرَةِ شعَرْكِ،َ وتَغَيُّرِ حَالِكَ، فقال لهم: من كَانَ خَائِفًا أن يُقْذَفَ بِهِ فى نَارِ جَهَنَّمَ، عَذَابُهَا طَوِيلٌ، وذُلُّهَا ذَلِيلٌ، وشِعَارُ أَهْلِهَا الوَيْلَ والعَوِيلَ، فهَذَا له قَلِيلٌ. ومن كان رَاجِيًا أن يَصِلَ بِعَوْنِ اللهِ ورَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ وعَفْوِهِ وتَجَاوُزِهِ إلى الجَنَّةِ التى من دَخَلَهَا فقد ظَفِرَ بالنَّعِيمِ، وطَهُرَ من الآَفَاتِ، وسَلِمَ من العَاهَاتِ، وسَرَّهُ اللهُ، وفَرِحَ وابْتَهَجَ، فلن يَضُرَّهُ مَا تَرَوْنَ شَيْئًا.

وصية الصديق قبل الرحيل

ثُمَّ مَالَ مَيْلَةً كَادَ أن يَسْقُطَ لِحِينِهِ، فوَثَبَ الإِمَامُ عَلِىُّ بنُ أبى طَالِبٍ فأَسْنَدَهُ إلى صَدْرِهِ، فقال له: يَا أَبَا الحَسَنِ جَزَاكَ اللهُ على مَا فَعَلْتَ خَيْرَ الجَزَاءِ، فإن كُنْتَ مُسْنِدِى فإلى جِدَارِ بَيْتِى. فأَسْنَدَهُ إلى الجِدَارِ وجَعَلَ العَبَاءَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَائِطِ.

فلَمَّا أُسْنِدَ قَابَلَ وُجُوهَ القَوْمِ وثَبَتَ فى النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، فأَنْعَمَ ذلك سَاعَةً ثُمَّ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا حتى بَكَى لبُكَائِهِ جَمِيعُ القَوْمِ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وصَاحَ النِّسَاءُ وأَكْثَرْنَ البُكَاءَ من وَرَاءِ السِّتْرِ.

ثُمَّ أَفَاقَ أبو بَكْرٍ من بُكَائِهِ، وأَوْمَأَ إلى نَاحِيَةِ النِّسَاءِ فسَكَتْنَ، وهَدَأَ النَّاسُ سَاعَةً، ثُمَّ قال: يا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ قدِ انْكَشَفَ القِنَاعُ، وذَهَبَ الخِدَاعُ، وجَاءَ من الأَمْرِ مَا لَيْسَ لَهُ دِفَاعٌ، جَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقِّ، فإِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ولَسْتُ أَجِدُ عَنْهَا مَحِيدًا، ولا من دُونِهَا مَوْئِلاً، جاءَ الحَقُّ وما كُنْتُ أُوعَدُ، وإنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً، وأَكْثَرَهُمْ بَطَرًا لنَفْسِهِ، وشَرَّهُمْ فى القِيمَةِ حَالاً، وأَخَفَّهُمْ مِيزَانًا لرَجُلٌ بَاعَ آَخِرَتَهُ بدُنْيَا غَيْرِهِ، وخَادَعَ رَبَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وحِينَ قُرْبِهِ إِلَيْهِ، وأَسْأَلُ اللهَ مُنْقَلَبًا كَرِيمًا، وما كُنْتُ أَقْرَبَ إلى الآَخِرَةِ مِنِّى فى وَقْتِى هذا، وأَنَا أَسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ خَيْرَ مُسْتَوْدَعٍ، وإِنِّى قدِ اسْتَخَرْتُ اللهَ فى لَيْلَتِى هذه أن يُوَفِّقَنِى للذى يُرْضِيهِ، رَجُلٍ أُوَلِّيهِ هذا الأَمْرَ بَعْدِى، وأُعْلِمُكُمْ أَنِّى رَقَدَتُ فى آَخِرِ لَيْلَتِى هذه رَقْدَةً، وأُخْبِرُكُمْ خَبَرًا أنا فيهِ غَيْرُ كَاذِبٍ، وكفى بى إِثْمًا أن أَكُونَ كَاذِبًا، وأَعُوذُ باللهِ رَبِّى أن أَكُونَ كَاذِبًا ولا مُتَزَيِّدًا، فقالوا: صَدَقْتَ يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ o.

قال: أُخْبِرُكُمْ أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ o عليه ثَوْبَانِ أَبْيَضَانَ قد جُمِعَتْ أَرْدَانُهُمَا، أى: مُقَدَّمُ كُمِّ القَمِيصِ، ثُمَّ اخْضَارَّا ومَارَا نُورًا يَتَلأْلأُ كَادَ أن يَخْتَطِفَ الأَبْصَارَ، وإذا مَعَهُ رَجُلاَنِ قدِ اكْتَنَفَاهُ، أى: أَحَاطَا بِهِ، أَحَدُهُمَا عن يَمِينِهِ والآَخَرُ عن شِمَالِهِ، قد أُلْبِسَا رِيشًا يَلْتَفُّ بالنُّورِ السَّاطِعِ وَلَهُمَا ارْتِفَاعٌ لم أَرَ كَهُمَا رَجُلَيْنِ قَطُّ، فسَلَّمَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ o وصَافَحَنِى ووَضَعَ يَدَهُ على قَلْبِى وكُنْتُ أَجِدُ عِرْزَانًا، أى: انْقِبَاضًا.

قال أبو بَكْرٍ: فسَكَنَ عَنِّى ذلكَ، وكأَنِّى أَجِدُ السَّاعَةَ بَرْدَ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لى: يا أَبَا بَكْرٍ طَالَ الشَّوْقُ إِلَيْكَ، فهل أنتَ مُشْتَاقٌ إلينا؟. قال: فبَكَيْتُ فى نَوْمَتِى تلكَ حتى أَخْبَرَنِى أَهْلِى ببُكَائِى، وقلتُ: وَاشَوْقَاهُ إليكَ يا رَسُولَ اللهِ، فقالَ o: عن لُبْثٍ يَسِيرٍ، يكونُ الْتِقَاؤُنَا يا أبا بَكْرٍ، إنَّ الله قَدَّمَ إليكَ الخِيَرَةَ فى أَمْرِكَ، وجَمَعَ لكَ التَّوْفِيقَ ما مَضَى للَّذِى اخْتَلَجَ فى صَدْرِكَ، فإِنَّهُ من تَوْفِيقِ اللهِ لَكَ.

فقلتُ: يا رَسُولَ اللهِ إنِّى مَيِّتٌ فمن أَسْتَخْلِفُ عن أُمَّتِكَ؟ ومن أَوْلَى من الرَّعِيَّةِ؟ ومن أُقَلِّدُهُ من النَّاسِ يا رَسُولَ اللهِ؟ بأَبِى أَنْتَ وأُمِّى، فقد اسْتَخَرْتُ اللهَ، وأرجو منهُ الخِيَرَةَ إن شَاءَ اللهُ، فقال: العَامِلَ الصَّادِقَ القَوِىَّ الفَارُوقَ المُرْتَضَى فى الأرض والسَّمَاءِ، المُسَدَّدَ، المُنْقَى، المَبْرُورَ بالتَّقْوَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فهو أَوْلَى وأَحَقُّ من خَصَائِصِ الأَصْحَابِ.

وقال الرَّجُلاَنِ: وبعدُ فحُكْمُ اللهِ وقَضَاؤُهُ نَافِذٌ، فهما وَزِيرَاكَ فى الدُّنْيَا، وضَجِيعَاكَ فى الوَفَاةِ، وجَارَاكَ فى الجَنَّةِ، ثم سَلَّمَ عَلَىَّ رسولُ اللهِ، وسَلَّمَا عَلَىَّ وقالا لى: سَلِمْتَ من المَرْكُوَّةِ، وغُسِّلْتَ بمَاءِ التَّطْهِيرِ، فأنت صِدِّيقٌ فى السَّمَاءِ، وصِدِّيقٌ فى المَلاَئِكَةِ، وصِدِّيقٌ فى الأرض، وصِدِّيقٌ فى النَّاسِ.

فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! فدَاكَ أَبِى وأُمِّى مَنْ هَذَانَ الرَّجُلاَنِ، فما رَأَيْتُ مِثْلَهُمَا فى الرِّجَالِ؟. قال: هُمَا المَلَكَانِ الكرِيمَانِ على الرَّحْمَنِ - كأَنَّهُ عَنِىَ جِبْرِيلَ ومِيكَائِيلَ - ثُمَّ مَضَى.

وانْتَبَهْتُ ودُمُوعِى سَائِلَةٌ على خَدِّى ولِحْيَتِى، وأهلى حَوْلِى وعندَ رَأْسِى يَبْكُونَ لبُكَائِى، ويُنْكِرُونَ ما بى ولا يَدْرُونَ ما رَأَيْتُ، وأَعُوذُ باللهِ أن أَقُولَ إلاَّ ما رَأَيْتُ، ولا أُخْبِرُ إلاَّ مَا فَهِمْتُ، وأنا أَعْهَدُ إليكمُ اليَوْمَ عَهْدًا، أفَرَاضُونَ أنتم؟ فسَكَتَ القَوْمُ بأَجْمَعِهِمْ.

الإمام عليٌّ يثبِّت الفاروق

ولمَّا كان الإِمَامُ عَلِىٌّ A قد عَرَفَ من رسولِ اللهِ أُمُورًا سَتَحْدُثُ من بَعْدِهِ قَامَ وقالَ: ما كُنَّا لنَرْضَى إلاَّ بعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وزَادَنَا رِضًا أَنَّكَ رَضِيتَ به، فقال أبو بَكْرٍ لعَلِىٍّ خَيْرًا. ثُمَّ قالَ: إنى مُوَلٍّ عليكم عُمَرَ ابنَ الخَطَّابِ، فاسْمَعُوا له وأَطِيعُوا، واعْلَمُوا أَنَّكُمْ معهُ لن تَضِيعُوا.

وكان النَّاسُ أَجْمَعُونَ قد ظَنُّوا أنَّهُ سَيُوَلِّى أُمُورَ النَّاسِ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللهِ لدُنُوِّ نَسَبِهِ مِنْهُ، فقالوا لَهُ: أَحْسِنِ النَّظَرَ للأُمَّةِ يا خَلِيفَةَ نَبِىِّ اللهِ فإِنَّكَ مَسْئُولٌ عن ذلكَ.

فقالَ الإِمَامُ عَلِىٌّ A: يا طَلْحَةُ فما نَسْمَعُ ولا نُطِيعُ إلا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، ثُمَّ قال: واللهِ لا يَحْمِلُ ثِقَلَهَا غيرُهُ، ولا يَسْتَقِلُّ بها مثلُهُ، ولا يَصْلُحُ بعد أبى بَكْرٍ إلاَّ هو لصِدْقِهِ، وعِفَّتِهِ، ووَرَعِهِ، وأَمَانَتِهِ، وغِلَظِهِ على المُنَافِقِينَ، وفَظَاظَتِهِ على المُذْنِبِينَ، ومَحَبَّتِهِ ورَأْفَتِهِ للمُؤْمِنِينَ، واللهِ لقد أَسْلَمَ فما نَكَثَ، وقَاتَلَ فما ضَعُفَ، وكَابَدَ فما وَلَّى، وأَنْفَقَ فما بَخِلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ وقال- بحُكْمِ مَسْئُولِيَّتِهِ عن الأُمَّةِ حَاكِمًا ومَحْكُومًا-: رَضِينَا يا خَلِيفَةَ رسولِ اللهِ بما رَضِيتَ، وشِئْنَا من الأَمْرِ بما شِئْتَ، وإنَّا نَعْلَمُ أِنَّكَ لم تَدَّخِرْ عن الأُمَّةِ خَيْرًا، ولم تُخَبِّئْ عنهمْ نَصِيحَةً، ولم تَأْلُهُمْ حُسْنَ نَظَرٍ، فجَزَاكَ اللهُ عن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلَ الجَزَاءِ، ورَزَقَكَ خَيْرَ ما أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْهِ. ونَهَضُوا فتَفَرَّقُوا([5]).

ويُمْكِنُ أن نَجْمَعَ بينَ الرِّوَايَاتِ أنَّ أبا بَكْرٍ جَمَعَهُمْ وعَرَضَ الأَمْرَ، وبعدَ المُوَافَقَةٍ أَرْسَلَ إلى عُثْمَانَ وكَتَبَ الكِتَاب.

خُطْبَةُ الإِمَامِ عَلِىٍّ بعدَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا أَبِى بَكْرٍ

ذَكَرَ الدُّكْتُورُ عَلِىٌّ الصَّلاَّبِىُّ فى كِتَابِهِ (عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ)، والزَّمَخْشَرِىُّ فى المُخْتَصَرِ من كِتَابِ المُوَافَقَةِ، والمُتَّقِى الهِنْدِىُّ فى كَنْزِ العُمَّالِ: لَمَّا حَانَ الرَّحِيلُ ونَزَلَ المَوْتُ بأبى بَكْرٍ، كان آَخِرُ ما تَكَلَّمَ به الصِّدِّيقُ فى هذه الدُّنْيَا قولَ اللهِ تعالى: )تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ( (يوسف: 101)، وارْتَجَّتِ المَدِينَةُ بالبُكَاءِ، وأَقْبَلَ عَلِىٌّ مُسْرِعًا، بَاكِيًا، مُسْتَرْجِعًا، ووَقَفَ على البَيْتِ الذى فيه أبو بَكْرٍ، وأبو بَكْرٍ مُسَجًّى فقال:

[رَحِمَكَ اللهُ يا أبا بَكْرٍ، كُنْتَ إِلْفَ رسولِ اللهِ، وأَنِيسَهُ ومُسْتَرْوَحَهُ وثِقَتَهُ، ومَوْضِعَ سِرِّهِ ومُشَاوَرتِهِ، كُنْتَ أَوَّلَ القَوْمِ إِسْلاَمًا، وأَخْلَصَهُمْ إِيمَانًا، وأَشَدَّهُمْ يَقِينًا، وأَخْوَفَهُمْ للهِ، وأَعْظَمَهَمْ غِنَاءً فى دينِ اللهِ، وأَحْوَطَهُمْ على رسولِهِ، وأَشْفَقَهُمْ على الإسلام، وأَيْمَنَهُمْ على أَصْحَابِهِ، وأَحْسَنَهُمْ صُحْبَةً، وأَكْبَرَهُمْ مَنَاقِبَ، وأَكْثَرَهُمْ سَوَابِقَ، وأَرْفَعَهُمْ دَرَجَةً، وأَقْرَبَهُمْ وَسِيلَةً، وأَشْبَهَهُمْ برَسُولِهِ هَدْيًا وسَمْتًا ورَحْمَةً وفَضْلاً، وأَشْرَفَهُمْ مَنْزِلَةً، وأَكْرَمَهُمْ عليهِ، وأَوْثَقَهُمْ عِنْدَهُ، فجَزَاكَ اللهُ عنِ الإسلام وعن رسولِهِ خَيْرًا.

كنت عنده بمَنْزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ، صَدَّقْتَ رسولَ اللهِ حين كَذَّبَهُ النَّاسُ فسَمَّاكَ اللهُ فى تَنْزِيلِه صِدِّيقًا، وقال: )وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ( (الزمر: 33)، آَسَيْتَهُ حين بَخِلُوا، وقُمْتَ معه عندَ المَكَارِهِ حين عنه قَعَدُوا، وصَحِبْتَهُ فى الشِّدَّةِ أَكْرَمَ صُحْبَةٍ، ثانىَ اثْنَيْنِ وصَاحِبُهُ فى الغَارِ، والمُنَزَّلُ عليه السَّكِينَةُ، ورَفِيقُهُ فى الهِجْرَةِ، وخَلِيفَتُهُ فى دينِ اللهِ وأُمَّتِهِ، وأَحْسَنْتَ الخِلاَفَةَ حين ارْتَدَّ النَّاسُ، وقُمْتَ بالأَمْرِ ما لم يَقُمْ به خَلِيفَةُ نَبِىٍّ، فنَهَضْتَ حينَ وَهَنَ أَصْحَابُهُ، وبَرَزْتَ حينَ اسْتَكَانُوا، وقَوِيتَ حينَ ضَعُفُوا، ولَزِمْتَ مِنْهَاجَ رَسُولِ اللهِ.

كُنْتَ خَلِيفَتَهُ حَقًّا لم تُنَازَعْ ولم تُقْدَعْ، بِرَغْمِ المُنَافِقِينَ، وكَبْتِ الكَافِرِينَ، وكُرْهِ الحَاسِدِينَ، وَِضِغْنِ الفَاسِقِينَ، وغَيْظِ البَاغِينَ، فقُمْتَ بالأَمْرِ حينَ فَشِلُوا، ونَطَقْتَ حينَ تَتَعْتَعُوا، ومَضَيْتَ بنورٍ إذْ وَقَفُوا، واتَّبَعُوكَ فهُدُوا، كُنْتَ أَخْفَضَهُمْ صَوْتًا، وأعلاهم فَوْقًا، وأقَلَّهُمْ كَلاَمًا، وأَصْوَبَهُمْ مَنْطِقًا، وأَطْوَلَهُمْ صَمْتًا، وأَبْلَغَهُمْ قَوْلاً، وأكْبْرَهم رَأْيًا، وأَشْجَعَهُمْ نَفْسًا، وأعرفَهم بالأُمُورِ، وأشرفَهم عَمَلاً، كُنْتَ واللهِ للدِّينِ يَعْسُوبًا، أَوَّلاً حينَ نَفَرَ عنهُ النَّاسُ، وآَخِرًا حينَ قَبِلُوا، كُنْتَ للمُؤْمِنِينَ أبًا رَحِيمًا حين صَارُوا عَلَيْكَ عِيَالاً، فحَمَلْتَ أَثْقَالَ ما ضَعُفُوا عنه، ورَعَيْتَ ما أَهْمَلُوا، وحَفِظْتَ ما أَضَاعُوا، لِعِلْمِكَ بما جَهِلُوا، شَمَّرْتَ إذ خَنَعُوا، وعَلَوْتَ إذ هَلَعُوا، وصَبَرْتَ إذ جَزَعُوا؛ فأَدْرَكْتَ أَوْتَارَ ما طَلَبُوا، رَاجَعُوا رُشْدَهُمْ برَأْيِكَ فَظَفِرُوا، ونالوا بكَ ما لم يَحْتَسِبُوا، كنتَ على الكَافِرِينَ عَذَابًا صَبًّا ونَهْبًا، وللمُؤْمِنِينَ رَحْمَةً وأُنْسًا وحِصْنًا، فَطِرْتَ واللهِ بعُبَابِهَا، وفُزْتَ بحَبَابِهَا، وذَهَبْتَ بفَضَائِلِهَا، وأَدْرَكْتَ سَوَابِقَهَا، لم تُفْلَلْ حُجَّتُكَ، ولم تَضْعُفْ بَصِيرَتُكَ، ولم تَجْبُنْ نَفْسُكَ، ولم يَزِغْ قَلْبُكَ، وكنتَ كالجَبَلِ لا تُحَرِّكُهُ العَوَاصِفُ، ولا تُزِيلُهُ القَوَاصِفُ، وكنتَ كما قالَ رسولُ اللهِ: (أَمَنَّ النَّاسِ) فى صُحْبَتِكَ وذاتِ يَدِكَ، وكنتَ كما قال: ضَعِيفًا فى بَدَنِكَ، قَوِيًّا فى أَمْرِ اللهِ، مُتَوَاضِعًا فى نَفْسِكَ، عَظِيمًا عندَ اللهِ، جَلِيلاً فى أَعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، كَبِيرًا فى أَنْفُسِهِمْ، لم يكن لأَحَدٍ فيكَ مَهْمَزٌ، ولا لقَائِلٍ فيكَ مَغْمَزٌ، ولا لأَحَدٍ فيكَ مَطْمَعٌ، ولا لمَخْلُوقٍ عندَكَ هَوَادَةٌ، الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ عندك قَوِىٌّ عَزِيزٌ حتى تَأْخُذَ له الحَقَّ، والقَوِىُّ العَزِيزُ عندكَ ضَعِيفٌ ذَلِيلٌ حتى تَأْخُذَ منه الحَقَّ، القَرِيبُ والبَعِيدُ عندك فى ذلكَ سَوَاءٌ.

أَقْرَبُ النَّاسِ إليك أَطْوَعُهُمْ للهِ وأَتْقَاهُمْ للهِ، فشَأْنُكَ الحَقُّ والصِّدْقُ والرِّفْقُ، وقَوْلُكَ حُكْمٌ وحَتْمٌ، وأَمْرُكَ حِلْمٌ وحَزْمٌ، ورَأْيُكَ عِلْمٌ وعَزْمٌ، فأَقْلَعْتَ وقد نُهِجَ السَّبِيلُ، وسُهِّلَ العَسِيرُ، وأُطْفِئَتِ النِّيرَانُ، واعْتَدَلَ بكَ الدِّينُ، وقَوِىَ الإِيمَانُ، وثَبَتَ الإسلام والمُسْلِمُونَ، وظَهَرَ أَمْرُ اللهِ ولو كَرِهَ الكَافِرُونَ، فسَبَقْتَ - واللهِ - سَبْقًا عظيمًا، وأَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَكَ إِتْعَابًا شَدِيدًا، وفُزْتَ بالخَيْرِ فَوْزًا مُبِينًا، فإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ رَاجِعُونَ، رَضِينَا عنِ الله قَضَاءَهُ، وسَلَّمْنَا لهُ أَمْرَهُ، فواللهِ لن يُصَابَ المُسْلِمُونَ بعدَ رسولِ اللهِ بمِثْلِكَ أبدًا، كنتَ للدِّينِ حِرْزًا وَعِزًّا وكَهْفًا، وللمُؤْمِنِينَ فِئَةً وحِصْنًا وغَيْثًا، وعلى المُنَافِقِينَ غِلْظَةً وكَظْمًا وغَيْظًا، فأَلْحَقَكَ اللهُ بنَبِيِّهِ، ولا حَرَمَنَا أَجْرَكَ، ولا أَضَلَّنَا بَعْدَكَ]([6]).

وسَكَتَ النَّاسُ حتى انقضى كَلاَمُهُ، ثُمَّ بَكَوْا حتى عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وقالوا: صَدَقْتَ يا خَتْنَ رسولِ اللهِ، أى: يا زَوْجَ بنتِ رَسُولِ اللهِ.

وجَاءَ فى رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الذَّهَبِىُّ فى تَارِيخِهِ: أنَّ الإِمَامَ عَلِيًّا A قال عندما دَخَلَ على أبى بَكْرٍ بعد ما سُجِّىَ: ما أَحَدٌ - واللهِ - بصَحِيفَتِهِ أَحَبُّ إلىَّ من هذا المُسَجَّى([7]).

الإِمَامُ فى عَهْدِ الأَمِيرِ

تَمَّتِ البَيْعَةُ لأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ سَيِّدِنَا عُمَرَ ابنِ الخَطَّابِ 0، وتَوَلَّى الخِلاَفَةَ بسُهُولَةٍ ويُسْرٍ دونَ مُعَارَضَةٍ تُذْكَرُ من أَقْطَابِ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ.. ودُفِنَ خَلِيفَةُ رسولِ اللهِ o سَيِّدُنَا أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ 0 بجِوَارِ رسولِ اللهِ فى حُجْرَةِ ابْنَتِهِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ 1.

ووَقَفَ الإِمَامُ عَلِىٌّ A مَوْقِفَ النَّاصِحِ الأَمِينِ للخَلِيفَةِ الجَدِيدِ شُعُورًا منه بالمَسْئُولِيَّةِ الكَبِيرَةِ، فهو الأَمِينُ على سَلاَمَةِ الرِّسَالَةِ والأُمَّةِ، وسَاهَمَ فى الحَيَاةِ العَامَّةِ ما وَسِعَهُ من جَهْدٍ، وأَدَّى ما عَلَيْهِ من تَكْلِيفٍ فى تَعْلِيمٍ وتَفْقْيهٍ وقَضَاءٍ، بصُورَةٍ أَوْسَعَ من دَوْرِهِ فى عهد سَيِّدِنَا أبى بَكْرٍ حيثُ اقْتَضَتِ الضَّرُورَةُ ذلكَ، فقد اتَّسَعَتْ رُقْعَةُ البِلاَدِ الإسلاميَّةِ، واسْتَجَدَّتْ أَحْدَاثٌ جَدِيدَةٌ طَارِئَةٌ كان يَعْجَزُ عنها النَّاسُ، ولم يَجِدُوا لها حُلُولاً إلاَّ عندَ الإِمَامِ عَلِىٍّ A، ولذا كَانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ يَحْتَرِمُ رَأْيَهُ، ويُمْضِىَ حُكْمَهُ وقَرَارَهُ، حتى رَوَى ابنُ الأَثِيرِ فى أُسْدِ الغَابَةِ، وابنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِىُّ فى تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ، وابنُ عَسَاكِرَ فى تَارِيخِ دِمَشْقَ، والمُتَّقِى الهِنْدِىُّ فى كَنْزِ العُمَّالِ، وصَاحِبُ مَوْسُوعَةِ أَعْلاَمِ الهِدَايَةِ: أنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ 0 قال أَكْثَرَ من مَرَّةٍ، وفى أَكْثَرَ من مَوْقِفٍ حَرِجٍ: [لاَ أَبْقَانِى اللهُ لمُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أبو الحَسَنِ]([8]).

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

 



([1]) ينظر: تاريخ اليعقوبى 2/154-155.

([2]) ينظر: الكامل لابن الأثير 2/79، وتاريخ الأمم والملوك للطبرى 3/429.

([3]) ينظر: موسوعة الإمام علىٍّ لمحمد الرى شهرى 2/78 ح1027.

([4]) ينظر: المختصر من كتاب الموافقة للزمخشرى ص75-85.

([5]) ينظر: تاريخ دمشق لابن عساكر 44/252- 253.

([6]) ينظر: علىُّ بن أبى طالب لعلىٍّ الصلابى 1/171-173، والمختصر من كتاب الموافقة للزمخشرى ص52-58، وكنز العمال للمتقى الهندى 12/542-545 ح35734.

([7]) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبى 3/120.

([8]) ينظر: موسوعة أعلام الهداية 2/152، وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى 7/296، وكنز العمال للمتقى الهندى 10/300 ح29509، وتاريخ دمشق لابن عساكر 42/406، وأسد الغابة لابن الأثير 4/96 بلفظ: (كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن).

Rate this item
(9 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 14:17
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.