Strict Standards: mktime(): You should be using the time() function instead in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/vvisit_counter.php on line 32

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/helper/vvisit_counter.php on line 28

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/helper/vvisit_counter.php on line 120

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/helper/vvisit_counter.php on line 123

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/vvisit_counter.php on line 46

Strict Standards: Only variables should be assigned by reference in /home/islamwat/public_html/plugins/system/vvisit_counter/vvisit_counter.php on line 106
العدد الأخير - مجلة الإسلام وطن - مجلة الإسلام وطن http://islamwattan.org Thu, 27 Apr 2017 16:47:56 +0000 Joomla! - Open Source Content Management ar-aa موضوعات الغلاف http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/93-2013-12-21-20-15-53.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/93-2013-12-21-20-15-53.html موضوعات الغلاف
- وصية الإمام علي عليه السلام لكميل بن زياد - التقليد في المشاهد الروحانية كفر للإمام أبي العزائم - تنبؤ سيدنا رسول الله (ص) بخوارج عصرنا

وصية الإمام علي عليه السلام لكميل بن زياد:

فضل العلم وأقسام العلماء

قَالَ كُمْيَلُ بنَ زِيَادٍ: أخَذَ بِيَدِي أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عليه السلام فَأخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، أي: تَنَفَّسَ تَنَفُّسًا مَمْدُودًا طَوِيلاً، ثُمَّ قَالَ:

[يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ؛ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أوْعَاهَا فَاحْفَظْ، عَنِّي مَا أقُولُ لَكَ.

النَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.

يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ؛ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ. وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ.

يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، هَلَكَ خُزَّانُ الأمْوَالِ وَهُمْ أحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ؛ أعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ. هَا إِنَّ هَا هُنَا لَعِلْمًا جَمًّا - وَأشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ - لَوْ أصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً!.

 بَلَى أُصِيبُ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِرًا بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أوْلِيَائِهِ، أوْ مُنْقَادًا لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أحْنَائِهِ؛ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لأوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ. ألا لا ذَا وَ لا ذَاكَ، أوْ مَنْهُومًا بِاللَّذَّةِ سَلِسَ الْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ، أوْ مُغْرَمًا بِالْجَمْعِ وَالاِدِّخَارِ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهًا بِهِمَا الأنْعَامُ السَّائِمَةُ، كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ. اللَّهُمَّ بَلَى؛ لا تَخْلُو الأرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِرًا مَشْهُورًا، وَإِمَّا خَائِفًا مَغْمُورًا؛ لِئَلا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ.

وَكَمْ ذَا وَأيْنَ أُولَئِكَ، أُولَئِكَ - وَاللهِ - الأقَلُّونَ عَدَدًا، وَالأعْظَمُونَ عِنْدَ اللهِ قَدْرًا، يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أشْبَاهِهِمْ. هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رَوْحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأنِسُوا بِمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأبْدَانٍ أرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الأعْلَى؛ أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهِ آهِ شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِهِمْ!

انْصَرِفْ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ].

 

================

التقليد في المشاهد الروحانية كفر

للإمام أبي العزائم

إياك يا أخى أن تقلد غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما رأيته يا أخى من بعض الرجال الذين أكرمهم الله فى كل عصر بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فاعتقد أنه فضل من الله خاص بمن تفضل الله به عليه، وأن العبد الصالح الذى اقتطعه الله إليه فأفناه عن نفسه وحسه، حتى سلب القوة التى بها التكليف، ليس إمامًا للمتقين ولا قدوة للسالكين، ولكنها مشاهد روحانية قد تمزق غلاف القلب، فأكرم من رأيتهم بهذا الحال، وسل الله لك ولهم الكمال، ولا تقلدهم فإن تقليدهم كفر.

وقد عمَّت المصيبة حتى صار بعض السالكين يقلدون من غلبت محبته حتى محقت مكانته البشرية فى نظره هو، وحجبت حقيقته الآدمية، فصار لا يميز بين تعسة وشرف، وفقر وغنى، حتى استوى فى نظره المؤلم والملذذ لاستغراقه فى شهود الملكوت، وتقليد هذا مع التمييز والإدراك اتباع لخطوات الشيطان، وبعد عن موارد الإحسان، ومخالفة لسنة النبى المختار صلى الله عليه وآله وسلم.

التشبه بالمرشد الكامل:

فعليك يا أخى- منحنى الله وإياك المسارعة إلى مغفرة من الله ورضوان- أن تبذل ما فى وسعك فى البحث عن الرجل الدال على الله الموصل إلى حظيرة القدس، المبين لسبل الله، الممد من روحانية رسول الله، العارف الربانى، الإنسان الكامل فى ظاهره وباطنه، الذى هو محل نظر الله من خلق الله، فإذا ظفرت به فاحرص على التشبه به بقدر استطاعتك، وتجسس يا أخى بكل ما فى وسعك عنه فى سر وعلانية، وتحسس عنه يا أخى فى جلوته وخلوته، ونافس يا أخى فى أن تكون صورة كاملة له، فإن منَّ الله عليك بعظيم فضله، وسقاك طهوره المقدس فى الوادى المقدس فى مقام تكون معه ويكون سبحانه معك، فجاهد نفسك أكبر المجاهدة فى ذات الله لتكون أنت حقيقة الرجل، حتى تفنى فيه فناء تكون أنت هو، ولديها يا أخى تكون كوكبًا مضيئًا فى سبيل الدلالة، ونورًا مشرقًا فى سبيل الهداية. وقبل أن تصل إلى هذا المقام فاجعل كل همتك فى مجاهدة نفسك، فإنها والله يا أخى أعدى عدوك وأكبر خصومك.

 فإذا تخلقت بأخلاق الله وتشبهت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاهدها كل المجاهدة على شكر نعمى الله التى لا تحصى، وأكثر من السجود فى جوف الليل، ومن المسارعة إلى نفع إخوتك المؤمنين بنفسك ومالك وجاهك إن استطعت وأعانك الله، أو بفضلها على قدر استطاعتك.. أعاننى الله وإياك يا أخى بروح منه.

أحوال المريد السالك بعد التشبه:

 

ومتى تخلقت بأخلاق الله وتجملت بالتشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنت مع الله وكان الله معك، فجبر كسر قلبك، وجعله بيتًا معمورًا به سبحانه، فتشرق أنواره القدسية من منافذ هيكل ذاتك الإنسانى، فيجعل الله لك يا أخى نورًا فى لسانك، وفى عينيك، وفى أذنيك، وفى يديك، وفى رجليك، وفى أنفك، وفى بطنك، وفى فرجك، ثم يجعلك كلك نورًا، فتكون كما قال الله تعالى: ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)) (البقرة: 115)، وكما قال سبحانه تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ))... إلى أن قال: ((نُّورٌ عَلَى نُورٍ)) (النور: 35)، فيواجه النور الإلهى الحقى النور العبدى الحقى كما قال تعالى: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) (القيامة: 22-23)، وفى هذا المقام تقوم قيامة العبد المؤمن وهو حىٌّ يمشى فى الناس كما قال تعالى: ((أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)) (الأنعام: 122)، وكيف لا والعبد تخلق بأخلاق ربه، وتجمل بجمال التشبه بحبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وآله وسلم.. هذا العبد واللهِ هو الشمس التى تضيء ملكوت الله الأعلى، والنور الذى تستمد منه الملائكة الكرام، وصورة الرحمن وآية البيان. فسارع يا أخى إلى تلك المقامات العلية، ولا تحجبك عنها حظوظ نفسك الدنية وزينة تلك الدار الفانية، فإنها هى الحجب الظلمانية، عصمنى الله وإياك يا أخى من الناس، وأعاذنى وإياك من الوسواس الخناس، وفتح لى ولك أبواب فضله العظيم، وأعاذنى وإياك بوجهه الكريم من موجب النقم.. إنه مجيب الدعاء.

 

=========================

تنبؤ سيدنا رسول الله (ص) بخوارج عصرنا

فعن أبى سعيد الخدرى (1) قال: بيّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم قسمًا- قال ابن عباس: كانت غنائم هوازن يوم حنين- إذ جاءه رجل من تميم (2) مقلَّص الثياب ذو شيماء، بين عينيه أثر السجود فقال: اعدل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل؟ قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل)، ثم قال: (يوشك أن يأتى قوم مثل هذا يحسنون القيل ويسيئون الفعل هم شرار الخَلْقِ والخليقة)، ثم وصف صلى الله عليه وآله وسلم صلتهم بالقرآن فقال: (يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه فى شىء، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يحسبونه لهم وهو عليهم)، ثم كشف صلى الله عليه وآله وسلم النقاب عن عبادتهم المغشوشة فقال: (ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشىء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشىء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء)، ثم أزاح النبى صلى الله عليه وآله وسلم عن أهدافهم فقال: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، ثم أعطانا النبى صلى الله عليه وآله وسلم وصفًا مجسمًا لسيماهم فقال: (محلقين رؤوسهم وشواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم)، ثم ذكر النبى صلى الله عليه وآله وسلم علامتهم المميزة فقال: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، ثم طالبنا صلى الله عليه وآله وسلم إذا لقيناهم أن نقاتلهم فقال: (فمن لقيهم فليقاتلهم، فمن قتلهم فله أفضل الأجر، ومن قتلوه فله الشهادة)، وقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).

----------------------

(1) تم تجميع فقرات الموضوع من: البخارى فى كتاب بدء الخلق وعلامات النبوة، والنسائى فى خصائصه ص43، 44.. ومسلم فى صحيحه فى كتاب الزكاة باب التحذير من زينة الدنيا، و فى باب ذكر الخوارج وصفاتهم، وأحمد فى مسنده ج1 ص78، 88، 91.. وابن ماجة فى صحيحه باب ذكر الخوارج، والحاكم فى المستدرك ج2 ص145.. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم،  والخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد  ج1 ص159، وأبو نعيم فى الحلية ج4 ص186، والمتقى الهندى فى كنز العمال ج1 ص93.

(2) ذو الخويصرة التميمى وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج.

 

 

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 20:05:04 +0000
حكومة العالم الخفية في خدمة الصهيونية (4) http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/92-mawlaana.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/92-mawlaana.html حكومة العالم الخفية في خدمة الصهيونية (4)
بيَّنَّا فيما مضي كيف تأسست دولة فرسان مالطا وأبرز أعضائها ورئيسها وعلاقتها بالدول العربية، وتحدثنا عن علاقتها بالماسونية، وعرَّفنا المتنورين وأهدافهم، وبدأنا الحديث عن حكومة العالم الخفية، وعرَّفنا منظمة بيلدربيرغ،…

 

حكومة العالم الخفية في خدمة الصهيونية (4)

بيَّنَّا فيما مضي كيف تأسست دولة فرسان مالطا وأبرز أعضائها ورئيسها وعلاقتها بالدول العربية، وتحدثنا عن علاقتها بالماسونية، وعرَّفنا المتنورين وأهدافهم، وبدأنا الحديث عن حكومة العالم الخفية، وعرَّفنا منظمة بيلدربيرغ، وفي هذا اللقاء نعرض عددًا من مؤتمراتها.

مؤتمر النمسا:

انعقد اللقاء الثالث والستون لمنظمة بيلدربيرغ، التي توصف بحكومة العالم الخفية، بمشاركة 140 شخصية من 22 بلدًا، في الفترة 11-14 يونيو 2015م في منطقة تيلفس النمساوية.

وحسب الصحف الرسمية فقد كانت العناوين الرئيسية التي بحثها المؤتمر هي: الذكاء الاصطناعي، الأمن الشبكي، مخاطر الأسلحة الكيميائية، القضايا الاقتصادية الراهنة، الإستراتيجية الأوربية، العولمة، اليونان، إيران، الشرق الأوسط، حلف شمال الأطلسي، روسيا.

هذه عناوين قضايا مطروحة علنًا في منتديات عالمية أخرى معروفة، فَلِمَ السِّرِّيَّة المطلقة التي تحاط بها في "بيلدربيرغ"؟ ولم حظر أي وجود إعلامي، وعدم نشر حصيلة ختامية أو توصيات أو ما شابه ذلك مما يستهدف كسب التأييد عادة؟، وكيف يمكن التوفيق بين "السرية" وبين نفقات الإجراءات الأمنية الضخمة على حساب دافعي الضرائب في البلد المضيف، كما أظهر سؤال نيابي في فيينا (يوم 8/6/2015م) احتجاجًا على تلك النفقات؟.

مخاض أوروبي:

"صاحب الفكرة هو البولندي ريتينجر الذي أسس بعد الحرب العالمية الثانية "الحركة الأوربية"، فحصلت على دعم من المخابرات الأميركية ومن اللجنة الأميركية من أجل أوربا موحدة، واستقال عام 1952م من الحركة، ليؤسس "المنظمة" التي عرفت لاحقًا باسم بيلدربيرغ".

في عام 1954م نشأت المنظمة أو "مؤتمر بيلدربيرغ" كما سمَّت نفسها لاحقًا، وتزامن تأسيسها سرًّا (انكشف بعد عشرة أعوام تقريبًا) مع تأسيس تجمعات مشابهة علنًا، مثل منتدى ميونيخ للشؤون الأمنية - لشؤون الأسلحة سابقًا- ومنتدى دافوس أو المؤتمر الاقتصادي العالمي.

القاسم المشترك هو عقد لقاءات دورية غير رسمية لنخب مختارة من أصحاب النفوذ للتأثير على صناعة القرار عالميًّا.. في حين أن تجمعات أخرى تحاط أنشطتها بالسرية، مثل "مجلس العلاقات الخارجية" في نيويورك، وما يسمى دار تشاثام (Chatham)  في لندن. والقاعدة الأساسية هنا هي: "من حق المشاركين استخدام ما يحصلون عليه من معلومات، شريطة عدم بيان ارتباطها بشخص أو مواصفاته، ممن أدلى بها في اللقاءات".

هذا عنصر واحد للسرية التي تحيط بمنظمة بيلدربيرغ، ويعرضها لحملات نقد شديدة، منها: وصمها بحكومة العالم الخفية، وكانت لقاءاتها نصف سنوية، وأصبحت سنوية منذ عام 2009م. وتقول عن نفسها إن لقاءاتها مجرد "لقاءات سنوية لمدة ثلاثة أيام صبغته تعميق الحوار بين أوربا وأميركا الشمالية".. ولهذا تقتصر الدعوة على شخصيات من دول حلف شمال الأطلسي، من أصحاب الاطلاع على معلومات من "العيار الثقيل"، أو من "صناع القرار" السياسي والعسكري والاقتصادي والفكري والإعلامي.

وتعود مركزية "العلاقات الأطلسية" إلى النشأة الأولى للمنظمة عقب تأسيس الحلف مع بداية الحرب الباردة، بعد مخاض عسير، خاضته الرغبة الأوربية في دعم العلاقات بين جانبي الأطلسي على خلفية خروج الدول الأوربية للتو من سلسلة حروب متوالية منذ قرون، وتنعكس هذه الولادة الأوربية في انعقاد المؤتمرات بنسبة "الثلث" في أميركا الشمالية، والثلثين في الدول الأوربية الأطلسية، ومنها تركيا (عامي 1959 و1975م).

صاحب الفكرة "جوزيف ريتينجر" البولندي، وأصبح لاحقًا أول سكرتير للاتحاد الأوربي، فحمل لقب "الأب الروحي للاتحاد"، وكان في شبابه قسيسًا كاثوليكيًّا ومن الطبقة الأرستقراطية، وكون في المنفى - أثناء الحرب العالمية الثانية- شبكة علاقات مكثفة مع كبار المسؤولين، مثل تشرشل ودالاس، واتهم أثناء الحرب بأنه "جاسوس الفاتيكان" بعد اقتراحه على رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك كليمنصو تشكيل دولة ملكية أوربية بإدارة اليسوعيين.

وقد بذل ريتينجر جهودًا كبيرة لعب فيها رئيس المخابرات المركزية الأميركية بيديل سميث دورًا رئيسيًّا، حتى تمت الموافقة على المشاركة الأميركية والكندية والتوافق على شخصيات ألمانية، فتبنى الأمير الهولندي بيرنهارد الدعوة إلى المؤتمر الأول في فندق "بيلدربيرغ" ببلدة أوستربيك الهولندية عام 1954م.

غابت آنذاك مشاركة شخصيات من بعض دول الحلف، ولكن شهد عام 1989م قفزة رئيسية في المشاركة مع نهاية الحرب الباردة وتجدد التنبؤات أو المخاوف من انتهاء وجود الحلف نفسه بسبب "انتهاء مهمته" واقعيًّا.

مجرد حوار أطلسي؟:

هذه الصورة "الرسمية" عن نشأة المنظمة اهتزت مع غياب ما يؤكد الحفاظ على الدوافع الأولى لصاحب المبادرة، وتضاعفت الشكوك بسبب سرية تعاطي المنظمة مع صناعة القرار عالميًّا. وفي المقابل يصعب الجزم بشأن التكهنات حولها، إذ تعتمد على مؤشرات عامة، ولا توجد دراسات موضوعية قاطعة.

ومن المؤشرات في اتجاه حكومة خفية:

1- المشاركة من جانب كبار المسؤولين حاليًّا أو سابقًا، من مؤسسات مالية كبرى وشركات عالمية ومنظمات دولية، مثل دويتشه بنك (آشلايتنر) والمصرف المالي العالمي (فولفنزون) واتحاد شركات إيرباص (إندرس) والاتحاد الأوربي (باروسو) وشركات لاتسارد (كينيث) ومايكروسوفت (موندي) ومنتدى دافوس (شفاب)، ومن قادة حلف شمال الأطلسي (كلاس وكارينغتون).. وغيرهم.

2- لا ريب في تأثير "التوجه السياسي" على تكوين الأجهزة، فعند النظر مثلاً في من ينتسب إلى تركيا -وهي عضو في الحلف- لا نجد أحدًا ممن تصدروا المشهد السياسي والاقتصادي من حزب العدالة والتنمية عبر السلطة المنتخبة، ولكن نجد شخصيات من حزب الشعب الجمهوري ومن قطاعات إعلامية وجامعية أقرب إليه (سيلين سايك بوكي، وزولي أوزال، وموراي ميرت وغيرهم).

3- غموض كيفية اختيار المسؤولين، وكيفية إدارة الشؤون المالية والتنظيمية، وكيفية توزيع الصلاحيات والمهام.

4- غياب المتابعة الإعلامية، فبعض الحضور من كبار أصحاب المال في القطاع الإعلامي، يتعهدون بالحفاظ على السرية، ولم يخرقوا تعهداتهم عبر عدة عقود، وحتى جدول أعمال المؤتمر لا يعلن للإعلام إلا بعد انتهائه، في شكل عناوين دون تفصيل، ولا يتلقى المشاركون في مؤتمرات سابقة (كما ذكر الأمين العام الأسبق للأطلسي كلاس في مقابلة إذاعية) سوى تقرير عن محتويات النقاش دون أسماء، علاوة على نص تفسيري منذ عام 1963م.

5- غياب "دستور" أو "نظام داخلي" معلن.. إنما تظهر الهيكلية التنظيمية في أربعة مستويات:

أ- الرئاسة (حاليًا الناطق باسم اتحاد شركات آكسا الفرنسية ووزير المالية الأسبق هنري دي كاستريس)، وتعمل مع الرئاسة سكرتارية ضخمة نصف أفرادها من المتفرغين.

ب- اللجنة الاستشارية"، أبرز من فيها عضو الشرف "ديفد روكيفلر" أشهر أصحاب النفوذ المالي والمصرفي عالميًّا، وعضو الشرف وزير الخارجية الأميركي الأسبق اليهودي هنري كيسينجر، ويتولى على الأرجح تحديد قائمة المشاركين في كل مؤتمر دوري على حدة، وتوجه الدعوة رسميًّا باسم رئيس المنظمة وعضوي الشرف.

ج- اللجنة التوجيهية"، وتشمل الرئاسة واللجنة الاستشارية وأعضاء آخرين، وتتولى إدارة المنظمة ولقاءاتها، وتعتبر هي "السلطة العليا" حسبما ورد في نشرة أرسلتها سكرتارية المنظمة إلى الكاتب ماركوس كلوكنر، صاحب كتاب "نخب السيطرة وحلقات النخب" الصادر عام 2007م.

د- الأعضاء الآخرون.. وهؤلاء لا تذكر أسماؤهم ولا عددهم، والأرجح أنه يتراوح بين المئات والآلاف.

ممارسة الحكم الخفي:

يمكن العودة بوصم المنظمة أنها حكومة العالم الخفية إلى ما أصبح معروفًا عن مؤتمرها الأول، وشمل تحديد الموقف من "الاتحاد السوفياتي والشيوعية"، ومستقبل "المستعمرات الأوربية"، وحركة "الاندماج الأوربي"، ومناقشة تشكيل "مجموعة الدفاع الأوربية" (منظمة عسكرية فقدت مفعولها لاحقًا في ظل حلف شمال الأطلسي).

أما الأسلوب فيمكن استقراؤه عبر ما طرحه ريتينجر نفسه من "شروط المشاركة": أن يكون المدعو من "الشخصيات ذات النفوذ، التي تحظى بالاحترام عمومًا، ولديها ما يكفي من المعرفة بالمجتمعات ومن الخبرة العملية، والقادرة على استخدام نفوذها في الدوائر الوطنية والعالمية لتحقيق أهداف المنظمة"، بالإضافة إلى "مستوى عال من الصراحة وعدم تمثيل اقتناعات وطنية أو أحكام مسبقة، والمشاركة في تبني القيم الأخلاقية والثقافية الغربية".

ومن المؤشرات الأقوى دلالة على هذا الصعيد، ما ذكره العضو السابق في اللجنة التوجيهية، جورج ماك جي، لمؤلف كتاب عن سيرة حياة الأمير بيرنهارد: "بإمكاني القول إن معاهدة روما التي أدت إلى تأسيس الرابطة الأوربية المشتركة، ولدت في هذه المؤتمرات".. وهي الرابطة التي أصبحت معروفة في هذه الأثناء باسم الاتحاد الأوربي.

ومن المؤشرات أيضًا أن المشاركين في المؤتمر يتلقون في ختامه "تحليلاً لمحتواه"، مع التأكيد أن عليهم العمل لتحقيق ما فيه من إستراتيجيات سياسية واقتصادية وغيرها، في مواطنهم.. وليس هذا أمرًا بسيطًا بمعيار "وزن" المشاركين وقدراتهم. ومثال على ذلك رؤساء المنظمة، وكانوا على التوالي: الأمير بيرنهارد الهولندي، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق دوغلاس هيوم، والرئيس الألماني الأسبق فالتر شيل، ورئيس مصرف ووربورغ البارون إيريك رول، والأمين العام الأسبق للحلف بيتر كارينغتون، وأحد أبرز رجال السياسة والمال في بلجيكا إيتيينه ديفجنون.

على هذه الخلفية يرفض المحرر الإعلامي ماركوس كينابيل - وهو من مؤسسي "الإعلام البديل"- غياب التوجيه السياسي في نشأة منظمة بيلدربيرغ، ويستشهد بقول الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت ": لا توجد مصادفة من وراء حدث سياسي، فعندما يقع يمكن الجزم بأنه وقع هكذا وفق ما خطط له".

ويربط كينابل - ككثير من الناقدين سواه - بين مشاركة شخصيات بعينها في مؤتمرات بيلدربيرغ للمرة الأولى غالبًا، واستلامها مناصب حساسة بعد ذلك بفترة وجيزة كالرئيس الحالي للاتحاد الأوربي فان رومبوي عام 2009م، ورئاسة تسوليك للمصرف المالي العالمي عام 2007م، وكذلك كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي باروسو وتريخيه وبرودي.. ويمكن تعداد المزيد ممن استلموا مناصب عليا عسكرية وسياسية ومالية بعد فترات وجيزة من حضور مؤتمرات بيلدربيرغ للمرة الأولى.

ولكن ربط التوقيت الزمني يكفي للتكهنات وترجيحها، ولا يكفي دليلاً على أن المنظمة "حكومة خفية"، على الأقل حسب التصورات السائدة عن كلمة "حكومة".

ومن رافضي التكهنات تيري ميسان، من موقع فولتيير الفرنسي، فيورد ما يراه "حججًا موضوعية" لنقض ما يعتبره وليد "فكر المؤامرة" أنها منظمة "تصنع الملوك"، ويقول إنها مجرد "لوب" يدعم حلف شمال الأطلسي وموقعه المهيمن عالميًّا.

والسؤال المطروح: أليست النتيجة واحدة، سواء وصف هذا التجمع الضخم من إمكانات النفوذ واستخدامها بأنه "لوب"، أو وصف بأنه "حكومة العالم الخفية"؟([1]).

مؤتمر ألمانيا:

في سرية تامة، واصل العشرات من أبرز رجال الساسة والاستخبارات وصناع القرار في العالم، جلساتهم في الاجتماع الرابع والستون لمنظمة «بيلدربيرغ»، التي توصف بحكومة العالم الخفية.

وشارك في المؤتمر قرابة 140 شخصية من سياسيين ورؤساء استخبارات ورؤساء شركات وبنوك عالمية كبرى، وهي الشخصيات الغربية الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في العالم، حيث انطلق في مدينة دريسدن بألمانيا.

ويعتبر المؤتمر، لقاء عالميًّا سنويًّا، يتم الإعلان عنه، إلا أن أجندته تبقى سرية. 

ويمكن الكشف عن الموضوعات التي تبحث في هذه الاجتماعات، ولكن من دون الإشارة إلى آراء الحاضرين، كما لا تسجل محاضر بشأن ما يدور في هذه الاجتماعات، ولا تتخذ فيها القرارات، وعمليات تصويت ولا يصدر عنها أي بيان.

وتهتم مجموعة «بيلدربيرغ» بجميع القضايا العالمية، وسيناقش المجتمعون في هذه السنة، بحسب ما هو معلن، مشكلة المهاجرين، والانتخابات الأمريكية، وكلفة الطاقة ومواردها، وأمن الانترنت، وكذلك موضوعات متعلقة بالصين وروسيا والشرق الأوسط.

ولم يصدر عن المؤتمر خلال جلساته الماضية، أي بيانات عنه أو عن الموضوعات التي تتم مناقشتها، كما يمنع دخول الصحافيين، في ظل تكهنات حول أن هذا المؤتمر هو من يحدد السياسات العالمية وتوجهها.

وتحولت مدينة دريسدن الألمانية، هذه الأيام إلى مدينة مغلقة يحرسها المئات من رجال الشرطة، وتم إحاطة فندق «تاشينبيرغ باليه» الفاخر المجاور لمبنى الأوبرا بسياج حديدي، ومنع تنظيم أي تظاهرة، وكذلك التجمعات الكبيرة، كما مُنحت الشرطة صلاحية تفتيش أي شخص يكون موضع ريبة. 

مشاركون:

وبحسب الصور التي تم التقاطها خلسة، من أمام الفندق الذي يعقد فيه المؤتمر، ونشرها الناشط «ماجد التريباني» على صفحته بموقع «تويتر»، فقد وصل «هنري كاسنجر» السياسي الأمريكي البارز، و«جيمس جونسون» أحد أعضاء مجلس إدارة بنك «جولدمن ساكس»، و«بن فان بيوردن» الرئيس التنفيذي لشركة «شل» أكبر شركات النفط عالميًّا، و«ثومس ايندرس» الرئيس التنفيذي لشركة «ايرباص»، والملياردير السويدي «جاكوب والبيرق» أحد أعضاء مجلس إدارة شركة «كوكاكولا»، و«روبرت دادلي» رئيس مجلس إدارة «بي بي» النفطية، والملياردير «كلاس كلينفيلد» المستثمر الأكبر في شركات «مورغان ستانلي» و«الكوا ودفوس». 

كما حضر إلى المؤتمر، رؤساء استخبارات دول أوربية وأمريكية، بالإضافة إلى مؤثرين في الشأن العالم العالمي، ورؤساء شركات متعددة الجنسيات، وعابرة للقارات.

وأفادت صحف هولندية، أن ملك هولندا «وليم ألكسندر»، من ضمن المشاركين في هذا الاجتماع، فضلاً عن مديرة صندوق النقد الدولي «كريستين لاغارد».

كما يشارك في هذا الاجتماع رئيس اتحاد الصناعات الألمانية «أولريخ غريللو»، وكذلك ثلاثة وزراء، هم وزير المالية «فولغانغ شويبله»، والدفاع «أورسولا فون دير لاين»، والداخلية «توماس دي ميزيير»، بحسب «روسيا اليوم».

وشهدت الجلسة الأولى التي عقدت، في فندق «تاشينبيرغ باليه»، تظاهرات احتجاج، ولاسيما أن المنظمة تثير حساسية اليمين واليسار على حد سواء.

خلاصة المقال:

هل هي حكومة العالم الخفية؟.

كانت لقاءات المنظمة نصف سنوية، وأصبحت سنوية منذ عام 2009م، وتقول المنظمة عن نفسها إن لقاءاتها مجرد «لقاءات سنوية لمدة ثلاثة أيام صبغته تعميق الحوار بين أوربا وأميركا الشمالية»، ولهذا تقتصر الدعوة على شخصيات من دول حلف شمال الأطلسي، من أصحاب الإطلاع على معلومات من «العيار الثقيل» أو من «صناع القرار» السياسي والعسكري والاقتصادي والفكري والإعلامي.

وتعود مركزية «العلاقات الأطلسية» إلى النشأة الأولى للمنظمة عقب تأسيس الحلف مع بداية الحرب الباردة، بعد مخاض عسير، خاضته الرغبة الأوربية في دعم العلاقات بين جانبي الأطلسي على خلفية خروج الدول الأوربية للتو من سلسلة حروب متوالية منذ قرون، وتنعكس هذه الولادة الأوربية في انعقاد المؤتمرات بنسبة «الثلث» في أميركا الشمالية، والثلثين في الدول الأوربية الأطلسية، ومنها تركيا (عامي 1959 و1975م).

ويمكن العودة بوصم المنظمة أنها حكومة العالم الخفية إلى ما أصبح معروفًا عن مؤتمرها الأول، وشمل تحديد الموقف من «الاتحاد السوفياتي والشيوعية»، ومستقبل «المستعمرات الأوربية»، وحركة «الاندماج الأوربي»، ومناقشة تشكيل «مجموعة الدفاع الأوربية» (منظمة عسكرية فقدت مفعولها لاحقًا في ظل حلف شمال الأطلسي).

أما الأسلوب فيمكن استقراؤه عبر ما طرحه « جوزيف ريتينجر» صاحب فكرة اللقاءات نفسه من «شروط المشاركة»، أن يكون المدعو من «الشخصيات ذات النفوذ، التي تحظى بالاحترام عمومًا، ولديها ما يكفي من المعرفة بالمجتمعات ومن الخبرة العملية، والقادرة على استخدام نفوذها في الدوائر الوطنية والعالمية لتحقيق أهداف المنظمة»، بالإضافة إلى «مستوى عال من الصراحة وعدم تمثيل اقتناعات وطنية أو أحكام مسبقة، والمشاركة في تبني القيم الأخلاقية والثقافية الغربية».

ومن المؤشرات الأقوى دلالة على هذا الصعيد، ما ذكره العضو السابق في اللجنة التوجيهية، «جورج ماك جي»، لمؤلف كتاب عن سيرة حياة الأمير «بيرنهارد»، حين قال: «بإمكاني القول إن معاهدة روما التي أدت إلى تأسيس الرابطة الأوربية المشتركة، ولدت في هذه المؤتمرات»، وهي الرابطة التي أصبحت معروفة في هذه الأثناء باسم الاتحاد الأوربي.

ومن المؤشرات أيضًا أن المشاركين في المؤتمر يتلقون في ختامه «تحليلاً لمحتواه»، مع التأكيد أن عليهم العمل لتحقيق ما فيه من إستراتيجيات سياسية واقتصادية وغيرها، في مواطنهم، وهو أمر ليس بسيطًا بمعيار «وزن» المشاركين وقدراتهم([2]).

 



([1]) موقع الجزيرة نت، 21/ 6 / 2015م.

([2]) موقع الخليج الجديد، إسلام الراجحي، 11/ 6 / 2016م.

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:59:25 +0000
أسرار القرآن http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/91-asrar.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/91-asrar.html أسرار القرآن
أسرار القرآن.. تفسير بعض أيات من سورة الأنبياء للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم

قال تعالى: )وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ( (الأنبياء: 87).

وَذَا النُّونِ

النون هو الحوت، وصاحبه هو سيدنا يونس بن متى A، وملخص قصته: أن الله تعالى بعثه إلى أهل (نينوى) من أرض الموصل، وكانوا مائة ألف بل يزيدون على ذلك كما جاء في القرآن في سورة الصافات: )وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ( (الصافات: 147)، فدعاهم إلى الله U فكذبوه وتمردوا، فلما طال عليه عنادهم أوعدهم بنزول العذاب بهم بعد ثلاث، ثم خرج من بينهم مغاضبًا لهم. فلما تحققوا من أنه لا محالة من العذاب ينزل بهم، لخروج يونس من بينهم، وظهور الأمارات التي أخبر بها، ندموا على ما فعلوا وتابوا إلى الله وأنابوا وآمنوا، فلم ينزل بهم العذاب كما أوعدهم يونس، وأمدَّ الله لهم في الحياة، كما ذكر في سورة يونس: )فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ( (يونس: 98)، أي: ما آمنت قرية من القرى التي أهلكناها بذنوبهم إلا قوم يونس.

ولما خرج يونس من بين قومه وهو مغاضب لهم وكاره، ركب سفينة، فلما أقلعت وتوسطت اللُّجَّة اضطربت وماجت بمن فيها حتى كادت تغرق، فظن أهلها جريًا على عادتهم أن بعض الركب عاص لله تعالى فاقترعوا ليعرفوه، فوقعت القرعة على يونس، فأعادوها ثانية وثالثة فوقعت عليه، فألقوه في البحر، فالتقمه حوت من الحيتان الكبيرة، وفي ذلك يقول القرآن في سورة الصافات: )وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ( (الصافات: 139 – 142)، ومعنى: )فَسَاهَمَ(: دخل معهم في الاقتراع، ومعنى: )مِنَ المُدْحَضِينَ(: من المغلوبين، ومعنى: )مُلِيمٌ(: أتى بما يلام عليه.

وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطن الحوت على أقوال خيرها قول الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، والمراد أنه لم يمكث في بطنه مدة يهلك فيها، وربما كانت المدة ساعة أو بعض ساعة، وقول التوراة أنه لبث في بطنه ثلاثة أيام.

 وقد أخبر الله Y أنه أنجى يونس فأخرجه من بطن الحوت؛ لأنه كان من المسبحين، فكان يقول: )لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ( ولولا ذلك لهلك كما قال تعالى: )فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ( (الصافات: 143 - 144)، أي أنه لولا تسبيحه لكان بطن الحوت قبرًا له، وقد شاء الله أن يخرج يونس من بطن الحوت حيًّا، فنبذه الحوت في العراء وهو المكان القفر الذي لا يغطيه شجر أو بناء، فكان يونس ضعيفًا كالفرخ الذي لا ريش عليه، وقد أنبت الله عليه شجرة من اليقطين وهو القرع، وجعلها معروشة ليحصل له ظلها، ولا حرج على قدرة الله وفضله، وما يعقل آيات الله إلا العالمون.

 وقوله تعالى:

إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً

معناه أنه A خرج وهو غضبان من قومه، وليس المراد أنه خرج مغاضبًا لربه؛ لأن سيدنا يونس نبي من أنبياء الله، والأنبياء معصومون من مثل هذا، ولا يليق بهم ولا بمنزلتهم، وإذا صح أن عبد الله بن مسعود وابن جبير والحسن البصري والشعبي وأمثالهم قالوا أنه خرج مغاضبًا لربه، كان معناه أنه خرج مغاضبًا قومه لأجل ربه ولأجل دينه، وهذا التعليل هو اللائق بأمثال هؤلاء الأئمة الأعلام.

فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ

معناه: أنه A ظن أن الله لا يضيق عليه فيحتم عليه المقام بينهم ويلزمه عدم الخروج من بينهم، فهو نظير قوله تعالى: )اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُوَيَقْدِرُ( (الزمر: 52) أي: يبسط الرزق لمن يشاء ويضيقه على من يشاء، وقوله: )وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ( (الظلاق: 7): أي من ضُيِّق عليه في رزقه، وقوله: )وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ( (الفجر: 16)، أي: إذا ما ابتلى الله عبدًا فضيق عليه رزقه، ومفهوم هذا أن سيدنا يونس A ظن أنه بخير، إن شاء أقام بين قومه وإن شاء خرج، هذا هو المعنى اللائق لهذا النبي A، وهو الذي يقول فيه رسول الله J: (لا تفضلوني على يونس بن متى)([1]).

ولا يصح بل ولا يحل أن يقول أحد أن يونس ظن أن الله لا يقدر عليه؛ لأن من يظن ذلك لا يكون مؤمنًا فكيف يكون نبيًّا؟ ولا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين فكيف ينسب إلى نبي من الأنبياء يقول الله تعالى في شأنه: )فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ(.

أما نهي الله نبيه سيدنا محمد J عن أن يكون كيونس بقوله: )فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ( (القلم: 48)، فإنما هو نهى عن مغاضبته قومه، وأمر له بالصبر على أذاهم والمطاولة لهم، وليس في هذا إنقاص من قدر سيدنا يونس A.

فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

اختلف في تعريف الظلمات فقيل: هي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الحكم المأخوذ من العرف، والذي قضى عليه له أنه دون ركاب السفينة بعيد من الله، وهو النبي المكرم الداعي والهادي إلى الله، وأفاض آخرون في شرح الظلمات، فجعلوها تشمل أساليب النفس الشريرة ووسائل تدمير الإصلاح وكبت المصلحين، والتنكر لأنعم الله وتعطيل الدعوة إلى الله، وبها يأخذ الإنسان وصف القرآن الكريم )إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً( (الأحزاب: 72)، وباستشراها يُستهدف عالم البشر للفناء الشامل، حتى بعد أن تأخذ الأرض زخرفها وتكتمل زينتها )حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (يونس: 24)، ولندع مهمة الإحاطة بمعنى الظلمات الشامل لله الذي يعلم بكل ما كان وبكل ما يكون.

وقوله تعالى: )فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ( هو في معنى: قال وهو في الظلمات. وقد أفهمت الآيات الكريمة أن تسبيح يونس ودعاءه ربه بقوله: )لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ( كان من أسباب تفريج كربه وخلاصه من غمه، وهذا هو مضمون قوله تعالى: )فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ( وقوله: )لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ( وصف يونس ربه بكمال الربوبية وأعلن أنه لا رب مدبر في ملكه سواه، وكل ما يحدث إنما هو بإرادته وأمره وكلها تغمرها حكمة الحكيم الخبير، ليس لمخلوق ولو نبيًّا أن يدرك ما سرها إلا ما شاء أن يتفضل به عليه رب العلم والإنعام والفضل العظيم. ووصف نفسه بالظلم والقصور في أداء حق الربوبية، وسبحان الله فكل ما خلق الله لن يحصوا ثناء على الله، ومثله في ذلك مثل سيدنا نوح في دوام الاستغفار، ومثل سيدنا يوسف في: )وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ( (يوسف: 53)، وأحب من ربه أن يخلصه مما هو فيه من الغم، فإن كان الله يحب له دوام تلك الحال فنعما كل أمر يرضي الله، ولسانه لا يفتر عن التسبيح فنجاه الله، وكذلك ترعى عناية الله كل المؤمنين.

 



([1]) تفسير القرطبي 11/333 تفسير سورة الأنبياء، وتفسير الرازي 22/179 تفسير سورة الأنبياء.

 
]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:54:23 +0000
صفات السالك وما يجب عليه (5) http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/90-ahmed.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/90-ahmed.html صفات السالك وما يجب عليه (5)
مهما ترفع مقام السالك؛ وطهرت نفسه وزكت؛ وتجملت أخلاقه؛ وتخلى عن سفاسف الأمور الأخلاقية؛ فإن لرتبته الإنسانية ونفسه الحيوانية حدًّا محدودًا، ومقامًا معلومًا، لا يمكن أن تتعداه بسهولة؛ ولا تتخطاه…

 

صفات السالك وما يجب عليه (5)

الجهاد الأكبر:

مهما ترفع مقام السالك؛ وطهرت نفسه وزكت؛ وتجملت أخلاقه؛ وتخلى عن سفاسف الأمور الأخلاقية؛ فإن لرتبته الإنسانية ونفسه الحيوانية حدًّا محدودًا، ومقامًا معلومًا، لا يمكن أن تتعداه بسهولة؛ ولا تتخطاه منقادة مريدة إلا بمجاهدة، ولا يقوم بها إلا من سبقت لهم العناية، ولا يصبر عليها إلا من اصطفوا للقدس الأعلى.

فإن صور الكائنات إذا قابلت مرآة النفس الحيوانية التي أهملت عن مجاهدتها ودوام قهرها تزينت لها، فقبلتها للنسبة بينهما، وانقادت لمقتضاها من علو وغرور، أو طمع أو أمل أو هوى، فإذا توالت على النفس تلك الصور بدون مسارعة إلى تزكيها، ومحو تلك الصور منها بمواجهتها للخيال لترتسم فيها المعاني القائمة بالملكوت، والأنوار المرسومة في الخيال من عالم الجبروت، فإن النفس بإهمال المجاهدة تأنس بملاذها الحسية، وتبذل لذلك ما يمكنها من تدبير وفكر وهم وعزم، حتى تحجب لطائف القلب ومرآة الخيال عن مواجهة القدس الأعلى، ومشاهدة الملكوت الأعلى.

وهذا الجهاد أكبر في الحقيقة من لقاء الأعداء، لأن الإنسان إذا لقي عدوه احتاط منه، فإذا قتل بسيفه قتل شهيدًا، وأما تلك المعاني المهلكة التي تقوم بالنفس فتدفعها إلى الهلاك الأبدي؛ تلوح للنفس على أنها لذة ومحبوبة ونافعة، وبها السعادة والخير؛ لأن الحظ والهوى جمَّل المهلكات في عين النفس، فيقع الإنسان في مقتضيات ذلك بدون احتياط وبدون ندم بعد وقوعه ولا توبة منه، لخفاء ذلك عليه، ولسكره بالتلذذ، والفرح بالأعمال التي هي نيل وإدراك لما يلائم، فإذا كانت تلك البواعث موجبة مقاومة الروح لتمنع النفس عن تلك الأعمال - مع مكنتها من العمل وتلذذها به - كيف يكون الحرب بينهم؟، اللهم سلِّم سلِّم.

هذا هو الجهاد الأكبر، الذي من غفل عنه في صغيرة من الأمور أو حقير من الشئون بدون يقظة له ومسارعة في مجاهدة نفسه؛ ربما أدى إلى هلاك وضياع للأخلاق الطاهرة، وفساد للعقيدة الحقة.

 فعلى السالك المريد الوصول لحضرة الله تعالى أن يكون يقظًا لهمات نفسه، وللمة الشيطان التي يلم بها على قلبه، ويسارع إلى محو أسبابها، وزوال مقتضياتها، مجاهدًا نفسه، صابرًا على ذلك حتى يتمكن من الخلاص من رعونات نفسه، ووسوسة شيطانه، وفساد آماله، وقبيح أطماعه.

لأن الإنسان مهما بلغ من مراتب القرب؛ لم يكن حفظه كحفظ الملَك - لأن دواعي الآدمية؛ ومقتضيات الإنسانية؛ وبواعث الحيوانية؛ تجعله يلقي نفسه في مهاوي الحظوظ ومهالك الأطماع - حتى يكون يقظ القلب، حاضر الفكر، مستحضرًا أيام الله تعالى وعظمة ذاته، فيفوز بأن يكون في حفظ العناية من مخاوف النفوس، والله سبحانه وتعالى يحفظنا مما يسخطه، ويمنحنا رضاه وعفوه وعافيته، آمين.

جهاد الحس:

الحس قد يقوى سلطانه على السالك حال المجاهدة فيوقعه في السيئات، فإذا تذكر، أسرع إلى التوبة، قال الله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ( (الأعراف: 201)، وقال تعالى: )إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ  سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاَ كَرِيمًا( (النساء: 31)، وقال J: (التائبُ مِنَ الذنبِ كَمَن لاَ ذَنبَ لَه) "ابن ماجة".

وكل سالك لا يسلم من السيئات، ولو بنسيان ذكر الله تعالى، أو اشتغاله بالنوافل وترك الواجبات التي يقتضيها الوقت.

قال داود A: (البار يسقطُ سبعَ مراتٍ في اليوم)، ومعنى ذلك - والله أعلم - أن الأعضاء السبع لا بد لكل عضو منها من السقوط في كل يوم ولو مرة، ولو بترك القيام بشكر الله على سوابغ الآلاء المتوالية على كل عضو من أعضائه في كل نفَس، بل وعلى كل شعرة وعظم وعرق، فإن عرقًا صغيرًا لو تنبه لجعل الحياة مُرَّة بما يناله الإنسان من أصغر عرق في جسمه، وفي الجسم مئات من العروق ساكنة، لو ضرب منها عرق لتمنى الإنسان موته، وهو يغفل عن النعم المحيطة به وفي نفسه، قال تعالى: )وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا( (إبراهيم: 34).

فإذا كان البار يسقط سبع مرات في اليوم، فكيف بالفاجر؟!، ومن هذا نفهم قوله J: (لَن يدخلَ الجنةَ أحدُكم بعملِه)، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟، قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني اللهُ برحمتِه) "البخاري ومسلم".

ومعنى ذلك أن الأعمال الصالحة فعل الله في العبد، وهي أجل نعمة من نعم الله علينا، يعجز الإنسان عن شكرها، ومن غفل عن تلك الملاحظة فهو تارك للشكر على النعم الغزيرة، وقد قرر الله تعالى الخطاب ليعلم فضله على الناس بالعفو والمغفرة والتوبة، أسأل الله I أن يمنحني وأهلي وأولادي وإخواني العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن يعيننا على شكره وذكره، إنه مجيب الدعاء.

رابعًا: الرياضة

الشهوة قوية الراس شديدة المراس، ليس لها ميزان ولا قياس، إنما يكبح جماحها حبس الحواس، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرياضة القوية والمجاهدة القسرية، وأهل التربية الروحانية السماوية جعلوا الرياضة للهيكل الآدمي سر ترقيه، والمحبة باب وصوله، والتخوشن معراج نعيمه.

الرياضة العامة:

لمَّا كان الإنسان ذلك النوع الوسط المخصوص بنظر الحق I؛ المخلوق له سبحانه؛ ولأجله خلق العوالم كلها وسخرها؛ فطره سبحانه وتعالى على صورة المستقل المختار بما أخفاه سبحانه من سر القدر؛ ثم فطره سبحانه وتعالى على صفات اقتضتها مكانته وصورته؛ ثم تفضل فأعلمه على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه ما به سعادة في هذه الدار بين عالمه والعوالم الكونية؛ وفي الدار الآخرة بين عوالم الملكوت الأعلى؛ فكشف الرسل صلوات الله عليهم وسلامه بالقول والعمل والحال ما يحبه الله تعالى من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة؛ ولما كانت تلك الصفات المفطور عليها من حيث أنه في صورة المختار تمنعه عن قبول الحق والانقياد له أو عن الانقياد له بعد قبوله؛ سنت الشريعة أنواع التكاليف، ورغبت في النوافل وقربات الخير، ذكرى للقلوب، ورياضة للنفوس.

ولما كانت النفوس الإنسانية مجبولة - لاحتياجها الذاتي - على حب الجزاء؛ جعل الحق سبحانه وتعالى لها جزاء على مجاهدتها وقصورها عن فعل ما أمر به، ولما كانت تلك النفوس منها ما لا يقبل الخير؛ ولا ينبعث  إليه؛ ولا يراقب خالقًا؛ ولا يشكر منعمًا؛ حدت الشريعة حدودًا زاجرة للنفوس عن أن تتعدى تلك النواميس، كل حد منها بقدر ما ينشأ عن هذا التعدي من المضار النوعية، والمفاسد العمرانية، من تعنيف، أو توبيخ، أو جَلد، أو قطع، أو قتل.

وهذه هي الحدود التي يحد بها الذي فسدت أخلاقه، حتى إذا تعدى الفساد من الأرض والخلق إلى فساد في العقيدة بجحود الحق - الفساد الذي هو النهاية الكبرى في كفران النعم وإنكار المنعم - كان حده للمجاهر المعتدي القتل خشية من هلاك بعض أفراد النوع بتقليده، وحده للضعيف المسكين الإذلال بالرق أو الجزية حتى لا تقلده النفوس ولا ترغب في مكانته، وبذلك تضعف قوة التقليد والمفاخرة بعقيدته، وربما دعاه ذلك إلى التسليم فأسلم وسلم.

فكانت الجزية كحد من الحدود الزاجرة للنفوس المتطرفة، التي وصفت الحق بما لا ينبغي أن يوصف به، خشية أن يتعدى ضررها إلى غيرها، فكانت الجزية من الرياضة النافعة للفريقين: أهل الحق فيرون العزة لمن تمسك به، وأهل الباطل ليفروا من ذلك الحال وفساد العقيدة إلى الحق الذي به العز.

هذه الرياضات التي أسس عليها الدين، وعلى التمسك بها عامة المسلمين.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:48:44 +0000
تنزيه الله عن المكان والجهة (1) http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/89-mofti.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/89-mofti.html تنزيه الله عن المكان والجهة (1)
أما معرفة حقيقته والوقوف على كنهه فهو من أول المحالات، فإنه ليس بيننا وبينه مشاكلة ولا مناسبة، فكيف يمكن أن تحيط به العقول، وهى لا تحيط إلا بما شاركها فى…

 

تنزيه الله عن المكان والجهة (1)

ورد إلينا سؤال من الأستاذ محمود على المدرس بمدرسة المنتزه:

قال حضرته ما ملخصه: إن الله فى السماء يعنى جهة العلو، ويدل لذلك آيات كثيرة وأحاديث عديدة، ثم ساق من الآيات مثل قوله تعالى: ]أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء[ (الملك: 16)، وقوله: ]الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[ (طه: 5)، ]إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[ (فاطر: 10)، ]يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ[، (النحل: 50)، ]بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ[ (النساء: 158).. إلى غير ذلك.

ومن الأحاديث مثل قوله J: (إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأستجيب له..) إلخ.

ونحن نقول له: ما كان ينبغى أن تذكر هذه الآيات المتشابهة (مجتمعة) وكذلك أحاديث الصفات، فإن هذا يلبس على الناس ويدع فى نفوسهم أثرًا سيئًا عندما تمتلئ من تلك الظواهر التى لم تذكر فى الكتاب والسنة إلا فى مقامات معدودة، وربما احتف بها من القرائن ما يوجب صرفها عن ظاهرها، كما فى قوله J فيمن ذكر أنهم يكونون على يمين الرحمن، معرِّفًا إيانا أنه يجب تنزيهه عما يعطيه ظاهر لفظ اليمين فقال: (وكلتا يديه يمين).

ولا يكاد يذكر فى ذلك فى مقام واحد على نحو ما تفعلون قصدًا للتأثير فى الناس والتلبيس عليهم، خصوصًا من لا علم له بما ذكره أهل البيان من الاستعارات والمجازات والكنايات، ولا ارتاض بصناعة المنطق، ولا زاول العلوم العقلية، ولا تعمق فى براهين العقائد، ولا عرف ما قاله العلماء فى ذلك، وقد قال تعالى: ]فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ (آل عمران: 7).

ولا بد أن تكون قد عرفت أن السلف فى آيات الصفات وأحاديث الصفات يفوضون بعد التنزيه، وأن الخلف يؤولون خوفًا من التشبيه، فكلهم متفقون على التنزيه، وإنما الفرق بينهما أن علماء الخلف يعينون المعنى المراد فيقولون مثلاً فى قوله تعالى: ]يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[ (الفتح: 10): المراد باليد القدرة، والسلف يفوضون بعد التنزيه، فيقولون: إننا ننزهه تعالى عن الجارحة، ولا نعين شيئًا خاصًّا من المعانى المتشابهة كما يفعل علماء الخلف([1]).

أما أولئك المتفيهقون الذين يُعَيِّنُون ويشبهون فهم مجسمون مشبهون يبرأ منهم السلف والخلف جميعًا، فهم كراميون([2]) لا سلفيون ولا خلفيون.

وليت شعرى أيثبت هؤلاء الجاهلون كل ما ورد من تلك الظواهر: فيثبتون له تعالى يدًا بمقتضى قوله: )يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ( (الفتح: 10)، أم يدين بمقتضى قوله J: (كلتا يديه يمين)، أم أيديًا عديدة بمقتضى قوله تعالى: )أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ( (يس: 71)، أو عينًا بمقتضى قوله: )وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي( (طه: 39)، أما أعينًا بمقتضى قوله: )تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا( (القمر: 14)... إلى غير ذلك، وهو كثير جدًّا ألف فيه ابن الجوزى وغيره، أو يقولون: إن الله فى السماء بمقتضى: )أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء( (الملك: 16)، أم على العرش بمقتضى قوله: )الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى( (طه: 5)، أم فى الآفاق بمقتضى قوله: ]وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ[ (البقرة: 115)، أم فى أماكننا وأحيازنا بمقتضى قوله: ]وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ[ (الحديد: 4)، أم يثبتون له أصابع بمقتضى قوله J: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن)، أم يثبتون له يمينًا فى الأرض من حجر بمقتضى قوله J: (الحجر الأسود يمين الله فى الأرض)!.

وبعد هذا فأى لون يثبتون له، وأى طول وأى عرض يصفونه به. إلخ.. إلخ..؟!.

ويرحم الله الإمام الغزالى حيث يقول: من أخذ علمه من العبارات والألفاظ ضل ضلالاً بعيدًا، ومن رجع إلى العقل استقام أمره وصلح دينه.

ولست أدرى كيف يخوضون فى هذا وهم لم يعرفوا حقيقة أرواحهم التى يحيون بها؟!، فكيف يعرضون للكلام فيمن ليس كمثله شىء: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) وقد أقام كل ذرة من ذرات الكون دليلاً على وجوده، حتى أصبحت معرفته بآثاره من أجلى الواضحات وأظهر الظاهرات، ولنقل ما قال فيلسوف الإسلام ابن سينا فى بعض مؤلفاته:

الـحـمـد لله بـقــدر الله

لا قدر وسع العبد ذى التناهى

الحمـد لله الـذى مـن أنكره

فإنمـا أنكـر مـا تصـوره

الحمـد لله الـذى بـرهانـه

أن ليـس شأن ليس فى شأنه

أما معرفة حقيقته والوقوف على كنهه فهو من أول المحالات، فإنه ليس بيننا وبينه مشاكلة ولا مناسبة، فكيف يمكن أن تحيط به العقول، وهى لا تحيط إلا بما شاركها فى نوع أو جنس أو فصل مما هو حادث مثلها! فهو بكل شىء محيط، ولا يحيطون به علمًا.

وإنما غاية ما نعلمه منه وجوده وتنزيهه عن صفات المحدثات، وقد علمنا فى أول ما علمنا تلك القضية العقلية مع برهانها الواضح فقلنا: تجب مخالفته تعالى للحوادث؛ لأنه لو ماثلها لكان حادثًا مثلها، لكن التالى باطل فبطل المقدم.

والإلهية يجب أن تكون أكبر من أن تخضع لسلطان عقل قاصر هو من صنعتها، وقد عجز عن إدراك نفسه، وعن حقيقة ما يقع تحت حسه، فيكفيه أن تدهشه تلك الآيات الباهرات وما أبدعه فى الأرض والسموات، أما ما وراء ذلك فليس من علمه ولا يليق بمرتبته ولا بمرتبة الإلهية.

قال الجاحظ فى بعض كتبه: إياك وأن تظن أن العلم بوجود الشىء يستلزم العلم بحقيقته، أو الجهل بحقيقته يستلزم الجهل بوجوده، فإنه إذا ضربك أحد فى ليل مظلم علمت وجوده لا محالة وإن لم تعرف شخصه.

تـاه الأنـام بـسـكرهـم

فلذاك صاحى القوم عـربد

تالله لا مـوسى الكلـيــ

ـم ولا المسيح ولا محمـد

كلا ولا جبـريـل وهــ

ـو إلى محل القدس يصعد

علموا ولا النفس البسيــ

ـطة لا ولا العقل المجرد

من كنه ذاتك غيـر أنــ

ـك أوحدى الذات سرمـد

من أنت يا أرسطو ومـن

أفلاط([3]) قبلك قـد تفـرد؟!

مـا أنـتـمـو إلا الفـَرَا

ش رأى السراج وقد تـوقد

فدنـا فـأحـرق نفـسـه

ولو اهتدى رشـدًا لأبعـد

وإنى لأعجب كل العجب والله ممن يجعله على العرش، فأين كان قبل أن يحدث العرش، وهل العرش غير محتاج إلى من يحمله، أم هو محتاج إلى من يحمله؟!، وكذا حامله أيضًا، حتى تصل إلى حامل غير محمول كما يقتضيه البرهان، وهل يقولون: إن الله محتاج إلى العرش، والعرش غير محتاج إليه، أم كلاهما محتاج لصاحبه، أم ماذا يقولون؟!، وهل العرش أكبر منه تعالى أم مساو له، أم هو U يزيد عليه؟!.

وليت شعرى بعد ذلك من أى العناصر هو، وكيف تركيبه إلخ...

ومتى ثبت له بعض لوازم الجسم ثبت له جميعها، وقد بالغ الإمام الرازى فى الرد على القائلين بذلك، وله فيه كتاب سماه (أساس التقديس).

وسننقل لك شيئًا مما قاله علماء المسلمين فى التنزيه، وسنبدأ بعبارة الرازى، ولكن في العدد القادم بإذن الله تعالى.

البقية في العدد القادم



([1]) قال الوزير العالم العادل يحيى بن هبيرة: تفكرت فى أخبار الصفات فرأيت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها مع قوة علمهم، فنظرت السبب فى سكوتهم فإذا هو قوة الهيبة للموصوف، ولأن تفسيرها لا يتأتى إلا بضرب الأمثال لله، وقد قال U: ]فَلاَ تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ[ (النحل: 74)، وقال الوزير أيضًا: تأويل الصفات أقرب إلى الحق من إثباتها على وجه التشبيه، فإن ذلك كفر وهذا بدعة.

([2]) أى: منسوبون لمحمد بن كرام، وهو من رؤساء المشبهة.

([3]) هو أرسط طاليس واضع المنطق، وأفلاط هو أفلاطون أحد فلاسفة اليونان وهو أستاذ أرسطو، وقد تصرف الشاعر هذا التصرف لأنهما أعجميان، وهم لا يبالون بالأسماء الأعجمية كما قالوا: عجمى فالعب به. 

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:44:00 +0000
وقفة مع الذات لكي تكون شخصية مؤثرة (5) http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/88-tawaab.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/88-tawaab.html وقفة مع الذات لكي تكون شخصية مؤثرة (5)
لقد بنى الله سبحانه وتعالى الكون كله على نظام دقيق مذهل لا مكان فيه للفوضى والاضطراب قال سبحانه: )وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(، وقال سبحانه: )سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *…

وقفة مع الذات لكي تكون شخصية مؤثرة (5)

تنظيم الحياة شرط إنجاحها (1/2)

3- سوء التوقيت في إنجاز العمل: إما بتقديمه عن وقته المناسب، أو تأخيره عنه، ولله در الصِّدِّيق حين قال في وصيته للفاروق 5: واعلم أن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وأن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل. وهذا يسمى عند العلماء المحققين واجب الوقت فهو يقدم على فرض الوقت.

والمتأمل في هذا الكون يتبين له أن الله قد جعل لكل شيء وقتًا محددًا لا يتقدم ولا يتأخر عنه: كتقلب الليل والنهار، وطلوع الشمس وغروبها، واختلاف الفصول، وإثمار الأشجار وتكاثر الحيوان، وغير ذلك.

وعلى هذا السنن الإلهي كان شرع الله المنزَّل كأوقات الصلوات والصيام والحج والزكاة وغيرها من الأعمال، وبالتالي فيجب أن ينسجم الإنسان مع هذا الكون، وأن يجري على أحكام هذا الوحي فينظم حياته ويجعل كل شيء في موضعه المناسب، ومخالفة ذلك ليست إلا أعمالاً لا فائدة منها كمن يرجو الثمرة قبل وقتها، وإلا أعمالاً قد مضى وقتها وانتهت فائدتها، وربما تعب الإنسان وكدح ولكن الفوضى في عدم ضبط الأعمال بأوقاتها أفقدته ثمرة عمله.

4- عدم اكتمال العمل، فكثير من الناس تمضي حياتهم في أعمال ومشاريع يخطون خطواتها الأولى ثم يتركونها إلى غيرها قبل اكتمالها، وهكذا إلى غيرها، وتنقضي أيامهم في بذر لا يرى حصاده ولا تجني ثماره، وتتراكم الأعمال وتكثر الأعباء والحياة محدودة والإمكانات مثل ذلك، وإذا بالأيام تولت والإنسان يجري وراء سراب.

5- تكرار العمل الواحد أكثر من مرة ظنًّا منه أنه لم ينفذه قبل ذلك، فمثلاً الإنسان الذي يعد بحثًا علميًّا ثم يمر به حديث نبوي فيخرجه، ثم يمر به فيخرجه مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وربما أكثر من ذلك فيضيع الأوقات ويهدر الجهد ولا جديد في العمل.

فالتعود على تكرار العمل بعد الفراغ منه دون حاجة لذلك يقلل إنتاج الإنسان في الحياة، ويضيع عليه كثيرًا من الفرص التي كان يمكن أن يفعل فيها الشيء الكثير لدنياه وآخرته.

وهذا الأمر وإن كان من نتائج الفوضى في الحياة إلا أن التعود على هذا الأمر يصبح سببًا لغيره مما يتلوه من فوضى في أعمال جديدة، ولذلك كما قيل: السيئة تقود إلى مثلها، والحسنة سبب لأختها.

6- عدم ترتيب العمل عند تنفيذه وانجازه ترتيبًا منطقيًّا منظمًا، فبعض الناس ينطلقون إلى إنجاز العمل وسواء عندهم بدؤوا بالمقدمة أو الخاتمة، كمن يبني منزلاً فيبدأ بإعداد مستلزمات السقف قبل أن يبدأ في إعداد القواعد والأساسات، أو من يبدأ الإعداد لقطف الثمار قبل بذر البذور وزرع الأشجار.

نعم، الإعداد للأمور قبل مفاجأتها وضيق أوقاتها مطلوب، ولكن بعد أن تفرغ من الإعداد والعمل لما ينبغي أن يسبقها زمانًا أو عقلاً ومنطقًا، وإلا فربما قضى الإنسان كثيرًا من الأوقات، وبذل كثيرًا من الجهود والإمكانات في أعمال ربما لا ينتفع بها لعدم مجيئها في وقتها ومكانها، ويضطر لتكرارها مرة أخرى ولو تريث قليلاً ونظم عمله ورتب جهده لما خسر كل هذا من حياته وجهده ومكانته، والسبب في ذلك كله الفوضى والعشوائية الغوغائية، وقد صدق J حينما قال ولا زال قائلاً: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه).

7- تنفيذ العمل بصورة ارتجالية وعدم التخطيط له قبل إنجازه بوقت كاف.

وهذا ولا شك من أهم أسباب الفوضى في الحياة وعدم تنظيم الإنسان لحياته، إذ بالتخطيط يحدد الإنسان أهدافه من كل عمل يقوم به ووسائله لتحقيق تلك الأهداف وكيفية استغلال تلك الوسائل ومكان كل شيء من العمل.

وبدون ذلك فإنما هو الكدح والاضطراب والسير في ظلام لا تعرف نهايته وماذا سيوصل إليه بعد ذلك، ولأهمية أمر التخطيط في حياة الفرد والجماعة فسأفرد له شيئًا من الحديث وحده.

- كيف تنظم وقتك؟

إذا نجح الإنسان في تنظيم يومه نجح في تنظيم حياته، وكثير من الناس يواجهون أعباء الحياة يوميًّا بدون تنظيم ولا تخطيط لأعمالهم فيرهقون أنفسهم، ولا يبلغون أهدافهم، ومحاولة مني في مساعدتك أيها القارئ الكريم في تنظيم يومك إليك هذه الأفكار، التي أرجو أن تتحول إلى برنامج وعمل:

1- أعد قائمة بأعمالك اليومية في مساء اليوم الذي قبله أو في صباح اليوم نفسه، واحتفظ بهذه القائمة في جيبك أو على ذاكرة محمولك، وكلما أنجزت عملاً فأشر عليه بالقلم.

2- أوجز عبارات الأعمال في الورقة بما يذكرك بها فقط، أو الذاكرة بما يذكرك بها فقط.

3- قدِّر لكل عمل وقتًا كافيًا، وحدد بدايته ونهايته.

4- قسِّم الأعمال تقسيمًا جغرافيًّا بمعنى أن كل مجموعة أعمال في مكان واحد أو في أماكن متقاربة تنجز متتالية حفظًا للوقت.

5- اجعل قائمتك مرنة بحيث يمكن الحذف منها والإضافة إليها إذا استدعي الأمر ذلك.

6- اترك وقتًا في برنامجك للطوارئ التي لا تتوقعها مثل ضيف يزورك بدون موعد، أو طفل يصاب بمرض طارئ، أو سيارة تتعطل عليك في الطريق وأمثال ذلك.

7- بادر لاستغلال بعض هوامش الأعمال الطويلة لإنجاز أعمال قصيرة، مثلاً عند الانتظار في عيادة الطبيب اقرأ كتابًا، أو اكتب رسالة، أو اتصل إذا وجد هاتف لإنجاز بعض الأمور وهكذا...

8- عندما يكون وضع برنامجك اليومي اختياريًّا، نوِّع أعمالك لئلا تصاب بالملل، فاجعل جزءًا منها شخصيًّا وآخر عائليًّا وثالثًا خارج البيت ....... الخ.

9- اجعل جزءًا من برنامجك اليومي لمشاريعك الكبيرة كتطوير ذاتك وثقافتك والتفكير الهادئ لمشاريعك المستقبلية وأمثال ذلك.

 

10- حبذا لو صممت استمارة مناسبة لكتابة برنامجك اليومي عليها، ثم صوَّرت منها نسخًا ووضعتها في ملف لديك، وجعلت لكل يوم منها واحدة.

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:38:48 +0000
دور المؤسسات الدينية في مواجهة ظاهرة الإرهاب (2) http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/87-656576.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/87-656576.html دور المؤسسات الدينية في مواجهة ظاهرة الإرهاب (2)
في كل حين يحدث حادث إرهابي يستهدف أبناء الوطن من رجال الأمن أو الجيش أو المواطنين من الأبرياء، بل أصبحت العمليات الإرهابية خطرًا داهمًا يستهدف العديد من الدول العربية والغربية...…

 

دور المؤسسات الدينية في مواجهة ظاهرة الإرهاب (2)

المبحث الأول التعريف بالإرهاب وأنواعه وأسبابه ونشأته

الغلو و الانحراف:

الغلو لغة هو مجاوزة الحد والخروج عن المقصود([1]).  وهذا المعنى اللغوي للغلو،هو المعنى الوارد في الشَّرع أيضًا، فالغلو في الدين، هو: التَّشدد ومجاوزة الحد المشروع. ومن معانيه: الميل والانحراف عن الطريق المستقيم، أو أن يزيد في الدين ما ليس منه؛ بحيث يتجاوز الحد المشروع، أو يتشدد في العبادة.

والإسلام دين التوسط والاعتدال، بدليل الكتاب والسنة والإجماع. والتطرف بعيد كل البعد عن سمات الإسلام وخصائصه، فالإسلام – وهو الحق – وسط بين الإفراط والتفريط. أما الغلو والتطرف فهو تعدٍّ على ما أمر الله به ورسوله J وتجاوز عما شرع، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: 81].

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)([2]). يقول الإمام النووي رحمه الله: ” أي هلك المتعمقون المغالون، المجاوزون الحدودَ في أقوالهم وأفعالهم ”([3]).

ومن تتبع الكتاب والسنة وجد أن الغلو هو اللفظ الوارد فيهما، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ﴾ [المائدة: 77]. وجاء في قول النبي J: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»([4]).

ولهذا أرشدنا النبي J إلى العمل بقدر المستطاع، فقال عليه الصلاة والسلام: «عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ»([5]). ثم إن الغلو العملي يكون على حساب التفريط في عمل آخر، فإنه مضيعة لكثير من الحقوق الواجبة على الإنسان، ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لعبد الله بن عمرو بن العاص: «صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»([6]).

فدين الله تعالى وسط بين الجافي والغالي؛ لأن الجافي مضيع له بتقصيره فيه، والغالي مضيع له بالتجاوز عن حده.

ومعاني الانحراف في اللغة تدور حول : (الميل والعدول والتغيير)([7]).

والفعل المنحرف ليس أكثر من أنّه حالة من التصرفات السيئة التي قد تهدد الحياة نفسها "([8]).

والوسطية في اللغة مأخوذة من مادة "وسط"، بتسكين السين وفتحها، وهي تدل على عدة معان متقاربة، منها: البين، تقول:"جلست وسط القوم"، أي: بينهم، والخيار والأفـضل والأجود، فأواسط الأشياء أفضلها، وأجودها، وكذا العدل، يقال:"أعدل الـشَّيء أوسـطه"، والشَّيء بين الجيد والرديء يقال له: وسط([9]).

يقول الإمام أبو العزائم 0:

فكن بين بين تفقه الحكم إن من

                               تطرف يهوى حظه النـيران([10])

أسباب الغلو والتطرف :

1- من أهمها : قلة الفقه في الدين وعدم النضوج :

وصف الرسول J الغلاة بالجهل وحداثة السن فقال: " سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان"، وهذا هو الحال الغالب على معظم شبابنا الذين وقعوا في الأحداث الإرهابية فقد كان يغلب عليهم حداثة السن والجهل .

2- إنتشار الفكر الوهابي المتشدد، والترويج له بين الدول الإسلامية([11]).

3- ومن الأسباب استغلال حاجات الشباب المادية، فالبطالة مع قلة العلم ساهمت بطرق مباشرة وغير مباشرة في نشر الفكر الغالي والسلوك المتطرف .

4- ضعف دور الأسرة الرقابي فلا تعرف الأسرة أين يذهب أبناؤها ومع من يذهبون وماذا يزاولون.

5- السماح لانتشار كتب التكفير توزع وتنتشر, بينما الفكر الصوفى المعتدل الذى يحارب ذلك الفكر يوجد قصور فى نشره، وأقصد هنا بالفكر الصوفى أى المعتدل الذى خرج لنا أمثال: الدكتور عبد الحليم محمود، والدكتور أحمد الطيب، والدكتور أحمد عمر هاشم، والدكتور على جمعة، والشيخ الشعراوى وغيرهم.

 



([1]) انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (٤ /٣٨٧-٣٨٨)، ولسان العرب، ابن منظور (١٥ /١٣٢).

([2]) أخرجه مسلم 4/2055، رقم 2670.

([3]) شرح النووي لصحيح مسلم (16/220).

([4]) أخرجه أحمد (1/347، رقم 3248)، والنسائي (5/268، رقم 3057)، وابن ماجه (2/1008، رقم 3029)، وابن سعد (2/180)، والطبراني (18/289، رقم 742)، والحاكم (1/637، رقم 1711) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (5/127، رقم 9317).

([5]) أخرجه البخاري (5/2201، رقم 5523)، ومسلم (1/540، رقم 782).

([6]) أخرجه أحمد (2/198 رقم 6867)، والبخاري (1/387، رقم 1102)، ومسلم (2/813 رقم 1159).

([7]) محمد بن مكرم بن منظور ، لسان العرب ، مادّة (حرف) ، ج٩ ، ص٤.

([8]) محمد سلامة غباري ، الانحراف الاجتماعي ورعاية المنحرفين ودور الخدمة الاجتماعية معهم ، المكتب الجامعي الحديث ، الإسكندرية ، ١٩٩٨م ، ص١٥

([9]) انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (٦ /١٠٨)، ولسان العرب، ابن منظور (٧ /٤٢٧ – ٤٣٢).

([10]) السيد محمد ماضي أبو العزائم ، الوسيلة وما اختلف فيه من السنة والبدعة ، دار الكتاب الصوفى، القاهرة، ص21.

([11]) هى حركه مذهبية وسياسية انتسبت لمحمد بن عبد الوهاب ، ظهرت الحركة فى شبه جزيرة العرب فى القرن الـ18 وتأسست فى ظلها الدولة السعودية.

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:34:32 +0000
البراهين الساطعة على وجود رأس الإمام الحسين بأرض مصر17 http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/86-elbadwi.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/86-elbadwi.html البراهين الساطعة على وجود رأس الإمام الحسين بأرض مصر17
 إن كان صحيحًا كما روى البخارى فى تاريخه: أن عبيد الله بن زياد أتى برأس الحسين بن علىٍّ فجعل فى طست، فجعل ينكت وقال فى حسنه شيئًا، فقال أنس: كان…

 

البراهين الساطعة على صحة دخول ووجود رأس

الإمام الحسين بأرض مصر 17

بقية: رد شبهة أن يزيد لم ينكت بثنايا الحسين 0 وحسن معاملته لآله

4- أما ما ذكره ابن تيمية من أن يزيد تبين حسن معاملته لآل الحسين 0 وتألمه وبكائه على قتله فذلك مردود عليه بأن:

أ- ما ورد عن ابن جرير الطبرى فى تاريخ الأمم والملوك، وكذلك ابن الأثير فى الكامل، وسير أعلام النبلاء للذهبى، والسيوطى فى تاريخ الخلفاء، وتاريخ الإسلام وطبقات الأعلام للذهبى، أنه لمَّا وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده وزاد وصله وسرَّه ما فعل، ثم لم يلبث يسيرًا حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبهم؛ فندم على قتل الحسين 0 على سبيل التظاهر أمام الناس وألقى التبعة على ابن زياد ولا شك أن بكائه وحزنه مصطنع وزائف ولو كان صادقًا فى دعواه لأمر بالقصاص من قتلة الحسين 0 ومحاكمتهم، إلا أنه على عكس من ذلك قرَّب ابن زياد إليه وأكرمه، وتغاضى عن دماء آل البيت، وعطل حدود الله تعالى وأهدر دماء مسلمين غير الحسين 0 وأطفال صغار يستوجب قاتلهم العقوبة والقصاص. فحتى إن لم يثبت أن يزيد أمر بقتل الحسين لكنه سرَّه قتله وأكرم قاتله.

وقد اعترف ابن زياد بأن يزيد أمره بقتل الحسين بعد موت يزيد، ففى الكامل فى التاريخ لابن الأثير قال ابن زياد: (أما قتلى الحسين فإنه أشار إليَّ يزيد بقتله أو قتلى، فاخترت قتله) اهـ.

كما أن هذا البكاء المصطنع ينفيه أيضًا نكته بالرأس المكرم بقضيب كان فى يده كما سبق أن أوضحنا، وكذلك تشفِّيه فى مقتل الحسين 0 أمام أولاده ويدل على ذلك نص الحوار الذى دار بينه وبين السيدة زينب وكذلك حواره مع علىِّ بن الحسين 0. ويدل عليه أيضًا أنه أمر بصلب الرأس على قصر الخلافة ثلاثة أيام وغيرهما من الأفعال التى تظهر زيفه وادعائه حسن معاملته لآل البيت، فإن كنا لا ننفى ذلك إلا أنه كان ليس بسبب حزنه على الحسين 0 وتألمه وإنما خشية من مقت الناس له ولعنهم إياه.

ب- لو صحت توبة وندم يزيد على مقتل الحسين فلا يغفر له قيامه باستباحة المدينة ثلاثة أيام في واقعة الحرة التي قتل فيها بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وقتل من حملة القرآن سبعمائة رجل، وقال ابن حزم: إن الخيول جالت فى مسجد رسول الله J وبالت وراثت بين القبر والمنبر أدام الله تشريفهما، وأكره الناس أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، وذكر فظائع كثيرة من سبى الذرية واستباحة الفروج وقتل الصحابة. يراجع فى ذلك (أخبار الوفاء للسمهودى، والقرطبى، وابن سعد فى الطبقات، والسيوطى فى تاريخ الخلفاء وغيرهم الكثير).

وقد قال رسول الله J: (من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) [رواه مسلم]. فإذا كان هذا فيمن أخاف أهل المدينة فكيف فيمن قتل الصحابة والتابعين وهتك الأعراض وسبى الذرارى واستباح الفروج، ونهبت المدينة فى عهده وافتض فيها ألف عذراء، ودنس مسجد وروضة رسول الله J فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

ولا ينال من ذلك الزعم بأن يزيد ما فعل ذلك ولكن الذى فعل هم أتباعه وجنوده حيث كان ذلك بأمر منه وعلمه، وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف فى المعاصى، وأخرج الواقدى من طرق أن عبد الله بن حنظلة ابن الغسيل، قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن يرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح أمهات الأولاد، والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة) [تاريخ الخلفاء للسيوطى، ص 166].

ج- وفى عهد يزيد رمى جنوده وقائده الكعبة بالمنجنيق وأحرق البيت لتضاف جريمة أخرى إلى جرائمه البشعة، وقد قال الذهبى: لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل – مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات – اشتد الناس عليه وخرج عليه غير واحد ولم يبارك الله فى عمره، وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير، وقاتلوه ورموه بالمنجنيق وذلك فى صفر سنة أربع وستين، واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة، وسقفها وقرنا الكبش الذى فدى الله به إسماعيل ... [تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 167، والقرمانى فى أخبار الدول ص 130، وخلاصة الوفا للسمهودى ص 52].

د- أن يزيد كان صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد بعد قتل الحسين فأقبل على ساقيه فقال:

اسقنى شربة تروى حشاشى

ثم صل فاسق مثلها ابن زياد

صاحب السر والأمانة عندى

ولتسديـد مغنمى وجهارى([1])

ويقول فيه ابن كثير فى البداية والنهاية: (كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والفصاحة والشعر والشجاعة والرأى ... ولقد كان فيه إقبال على الشهوات وترك لبعض الصلوات فى بعض الأوقات). وقال المسعودى فى [مروج الذهب ج 2 ص 75] كان عبد الله بن الزبير يسمى يزيد السكران الخمير، وذكر ابن قتيبة فى [الإمامة والسياسة فى وفاة معاوية ج 1 ص 321] أنه لما توفى معاوية (قال عتبة ابن مسعود لعبد الله بن عباس: أتبايع ليزيد وهو يشرب الخمر ويلهو بالقيان ويستهتر بالفواحش؟ قال مَهْ: فأين ما قلت لكم وكم بعده من آت ممن يشرب الخمر أو هو شر من شاربها ...).

 



([1]) مروج الذهب، للمسعودى، ج 2 ص 74، طبعة بولاق، 1304 هـ.

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:29:52 +0000
قَوَاعِدُ العِشْقِ العَشْر فِي مَدِيْحِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ 1-2 http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/85-balig.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/85-balig.html قَوَاعِدُ العِشْقِ العَشْر فِي مَدِيْحِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ 1-2
تدل اللغة العربية على الحياة العقلية من ناحية أن لغة كل أمة في كل عصر مظهر من مظاهر عقلها وتفكيرها، ولم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف من السلف…

قَوَاعِدُ العِشْقِ العَشْر فِي مَدِيْحِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ 1-2

القاعدة الأولى

تدل اللغة العربية على الحياة العقلية من ناحية أن لغة كل أمة في كل عصر مظهر من مظاهر عقلها وتفكيرها، ولم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف من السلف الصالح كاملة، إنما تخلق أو يخلق الناس في أول أمرهم ألفاظًا على قدر حاجاتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظًا جديدة، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها معها، وهكذا نرى اللغة في حياة وموت مستمرين.  وهذا ما أشار إليه " أوليري " في كتابه " العربية قبل محمد "  Arabia before Mohammed  من حيث إن الاشتقاقات والتعبيرات اللغوية فهي أيضًا تنمو وترقى تبعًا لرقي الأمة، ويقول أوليري : " ولما كان هذا أمكننا إذا أحضرنا معجم اللغة الذي تستعمله الأمة في عصر من العصور أن نعرف الأشياء المادية التي كانت تعرفها والتي لا تعرفها".

ولقد درج النحاة واللغويون القدماء على استعمال كلمة " لفظ " استعمالاً غير محدد، وهذا ما أشار إليه المفكر اللغوي الدكتور تمام حسان، حيث إن كلمة " لفظ " العربية تشير تارة إلى الكلمة، وتارة أخرى إلى الكلام، رغم الفارق البيِّن بين كليهما في الإفراد والتركيب، ولكن هذا يعكس ما للفظة العربية والواحدة على التعبير عن معانٍ وتعابير طويلة بكلمة واحدة قصيرة. وما يؤكد كلامنا هذا قول ابن مالك : " كلامنا لفظ مفيد ". وقول الجزولي : " الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع "، إذا نحا كلاهما باللفظ منحى التركيب في مقابل ما شاع من جعل اللفظ مرادفًا للكلمة على ألسنة الدارسين. وهذا يجعلنا نقر بامتلاك اللفظة الواحدة صورة ذهنية ثابتة نسبيًّا إذا عالجناها من المنظور المعجمي، وبصور ذهنية متعددة إذا خرجت هذه اللفظة من ضيق المعنى المعجمي إلى آفاق أرحب وأوسع.

القاعدة الثانية

وحينما نقترب لرصد المشهد الحضاري لألفاظ اللغة العربية نستبين أن هناك ألفاظًا تغيرت معانيها في الإسلام، حيث كان المعنى لها في الجاهلية عامًّا وخصص في الإسلام، مثل الصلاة، والزكاة، والحج، والبيع، والمزارعة، بل إن اللفظ الواحد قد تغير مدلوله في عقل السامع بانتقاله من طور البداوة إلى المشهد الحضاري، مثل لذلك لفظة الكرسي التي كانت تعني لدى البدوي المقعد الخشبي أو الحجري فقط الذي يجلس عليه المرء، ولكن بعد نزول القرآن استطاعت اللغة العربية أن تخلق لها مشهدًا حضاريًّا ليعادل هذه المعجزة اللغوية السماوية، فانتقل مدلول الكرسي من معناه الضيق ليشير مرة إلى العرش، ومرة إلى المنصب، ومرة إلى المنزلة وهكذا. والإمام جلال الدين السيوطي في كتابه المزهر يقول: " إن لفظ الجاهلية اسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة، والمنافق اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية".

القاعدة الثالثة

وأوضح علماء اللغة المتقدمون أن أهل التحقيق أشاروا إلى أن الألفاظ العربية تابعة للمعاني، كون المعاني أصلاً للألفاظ، حيث إن المعاني منها ما يكون معنى واحدًا، ثم توضع له ألفاظ كثيرة تدل عليه وتشعر به، ولو كانت المعاني تابعة للألفاظ لكان يلزم إذا كانت الألفاظ مختلفة أن تكون المعاني مختلفة أيضًا. ويؤكد قولنا هذا ما أشار إليه البلاغي العربي يحيى العلوي في كتابه الطراز، حيث يقول إن المعاني لو كانت تابعة للألفاظ للزم في كل معنى أن يكون له لفظ يدل عليه، فإن المعاني لا نهاية لها، والألفاظ متناهية، وما يكون بغير نهاية لا يكون تابعًا لما له نهاية، ويقول البلاغي يحيى العلوي ما نصه : " وإنما كانت الألفاظ متناهية؛ لأنها داخلة في الوجود، وكل ما دخله الوجود من المكونات فله نهاية لاستحالة وجود ما لانهاية له، وموضعه الكتب العقلية ".

القاعدة الرابعة

وثمة عوامل جعلت اللغة وألفاظها تخرج من كونها مجرد وسيلة اتصال ووسيط للتواصل الإنساني إلى اعتبارها مشهد من مشاهد الحضارة الإنسانية، منها عوامل تطور الوظيفة اللغوية، وتنوع الخطاب اللغوي من خطاب لا يخرج عن المراسلات الإخوانية أو الرسمية إلى خطاب إبداعي مثل الشعر والقصة والرواية، وخطاب سياسي، وعوامل وافدة مثل نظريات علوم اللغة التي أطلقت على اللفظ اللغوي مفهوم الدال وعلى ما يتضمنه اللفظ من معنى ومضمون مفهوم المدلول.

القاعدة الخامسة

واللغة العربية التي نحرص أن يلتزم بها متحدثو الضاد نطقًا وكتابةً بصورة وظيفية أو إبداعية، هي لغة كتب لها الشهود الحضاري منذ أن نزل القرآن الكريم بها، فأعطى لها حق الحياة، ومنحها تجددًا مستدامًا لا ينقطع. ولا ينكر جاحد أن القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع الأرض قد حَقَنَ اللفظة العربية بعقار منحه النشاط الزائد، وخير دليل على نشاط المفردة العربية أن حركة التقدم العلمي المستمرة كل يوم قد صحبها تجديد البحث في النشاط اللغوي ومن خلال تقعيد مفردات لغوية جديدة تناسب هذا التقدم العلمي.

بل إن اللغة العربية ذاتها أصبحت في السنوات الأخيرة من إحدى وسائل الشحذ الحضاري، عن طريق دور الترجمة اللغوية الصائبة لكل المؤلفات العلمية، وهذا ما أشرنا إليه ونحن نتحدث عن تغير وظيفة اللغة من كونها وسيلة اتصال ووسيط تواصل إلى وسيلة ضرورية لتنمية الفكر البشري عن طريق الترجمة.

القاعدة السادسة

ولا شك أن اللغة استطاعت أن تلعب دورًا سياسيًّا بالغ الخطورة والأهمية على السواء في المشهد السياسي في الدول التي شهدت ربيع الثورات في الأعوام الماضية، فاللغة الإشارية التي كان الشباب يصر على إقحامها في تواصلهم الاجتماعي اختفت واندثرت بفعل التماس الثائرين للغة ومفرداتها النشطة للتعبير عن مطالبهم ومطامحهم، وهذا ملمح آخر جديد على الشهود الحضاري المعاصر لألفاظ اللغة العربية التي لم تكن غائبة عن الحراك السياسي.

ورغم أن اللغة العربية وبلاغتها المميزة لطبيعتها تتعرض لمحاولات تشويه مقصودة ومستمرة من قبل بعض الأشخاص الذي يطلقون على أنفسهم لفظ مبدعين، وكذلك بعض المنظمات الأجنبية التي تعمل جاهدة ليل نهار على تقويض دعائم اللغة عن طريق المناداة بدعاوى مشبوهة لغويًّا مثل: التخلي التدريجي عن الخاصية الإعرابية للغة، وعن طريق تهميش دور القواعد العروضية التي تمثل طقس الشعر وشرائطه الضابطة، وأخيرًا ضرورة الدمج بين اللغة الفصيحة واللهجات العامية تحت ظن أن الأخيرة أقرب في التواصل بين المتحدثين باللغة ذاتها.

وهذا لغط شديد وخطأ بيِّن؛ لأن الألفاظ العربية الفصيحة تمتلك قدرة هائلة بفضل اللفظ القرآني على الثراء والامتلاء اللغوي، بمعنى القدرة على التعبير التام عن جميع المشاعر والمظان والحقائق، بالإضافة إلى تمتع اللفظة العربية بالحضور عن طريق تنوع المعنى ودقة التوصيف. وتتميز اللغة العربية بمزية فريدة لا تشترك معها فيها لغات أخرى وهي مزية الانفراد اللغوي، أي أن هناك كلمات تعد نشيطة أي قابليتها للاشتقاق والنحت اللغوي من مفردة واحدة مع الحفاظ على قدر مقبول من التمايز، مثل مشتقات كلمة عَلِمَ، والتي يمكن اشتقاق ونحت عدة كلمات منها مثل: عِلم ( بكسر العين وتسكين اللام) ومعلم ومعْلم ( بفتح العين وتسكين العين) وعليم، وعلاَّم، وإعلام، وتعليم، واستعلام. وهذه الزوائد والسوابق واللواحق والدواخل التي تضاف إلى الكلمة تعد مورفيمات (أصغر وحدة لغوية ذات معنى)؛ لأن هذه الزوائد مورفيمات لها معانيها؛ ولأنها وحدات يكثر تواجدها في كلمات اللغة.

القاعدة السابعة

وعملية النحت اللغوي تلك تمنح اللفظ العربي القدرة على الشهود الحضاري، والقدرة على التكيف المقبول والمناسب لكافة المتغيرات المعاصرة، والتعبير عن حالات اجتماعية متباينة. ثمة ظاهرة أخرى تتمتع بها الألفاظ العربية لتحقق الشهود الحضاري للغة ذاتها، وهي ظاهرة الحوار بين الكلمات، وهو ما اتفق على تسميته بين المنظرين اللغويين بالسياق اللغوي، حيث إن المفردة اللغوية لا تتمتع بنوع من التمايز المستقل أو الاستعلاء اللغوي عن بقية الكلمات الواردة بنص لغوي معين، ومفاد هذا أن اللفظة الواحدة تمثل الشكل الظاهري المجرد لنص معين، وبتراص الألفاظ بصورة متناسبة ومترابطة تحت موضوع محدد تمنح للنص نفسه شكلاً باطنيًّا آخر بغير خلل.

القاعدة الثامنة

 

ملمح آخر يؤكد على الشهود الحضاري لألفاظ اللغة العربية، وهو تقسيم الكلمات العربية إلى كلمات نشيطة، وكلمات خاملة، ويقصد بالكلمات النشيطة تلك الكلمات التي تعلم ليستخدمها المرء في كلامه وكتابته، أما الكلمات الخاملة فيقصد بها تلك الكلمات التي يتوقع من الإنسان أن يفهمها إذا سمعها أو قرأها، ولكن لا يتوقع منه أن يستخدمها إذا تكلم أو كتب. ورغم هذا التقسيم إلا أنه ليس ثابتًا، فالحدود بين هذين النوعين حدود مرنة متحركة، فالكلمات الخاملة في نشاط لغوي ( خطاب لغوي ) معين قد تكون نشطة في خطاب لغوي آخر، أي أن الكلمات والألفاظ العربية في انتقال مستدام من دائرة الخمول إلى دائرة النشاط، ذلك لأن لكل حقل وميدان لغوي من ميادين المعرفة مفرداته ومواضعاته اللغوية المحددة.

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:22:30 +0000
الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت 24 http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/84-osama.html http://islamwattan.org/index.php/component/k2/item/84-osama.html الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت 24
لست هنا بصدد الحديث عن الصفات والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الداعية المسلم على وجه التفصيل، بل كل خلق أمر به القرآن الكريم، أو دعت إليه السنة النبوية المطهرة…

الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت (24)

بقية: المبحث الثاني: القائم بالدعوة إلى الله تعالى في الشبكة الدولية

المطلب الثانى: مقومات الداعية في الشبكة الدولية

بقية: ثالثًا: سعة العلم:

لقد عانت الدعوة إلى الله تعالى، ولا تزال تعاني من الجهل الشيء الكثير، فإن التردي الديني والأخلاقي الذي أصاب المسلمين مؤخرًا، وغيَّر صورة الحياة الإسلامية عن طبيعتها المشرقة التي عاشها الرعيل الأول من أبناء الأمة في عهد سيدنا محمد J وصحبه، قد ألقي بظلاله على الدعوة إلى الله تعالى، فأوجد دعاة صلتهم بربهم واهنة، ومعرفتهم بمنهجه محدودة، وعلمهم بما ينبغي أن يقوموا به من مناهج الدعوة وأساليبها وأولوياتها ضعيف قاصر، فرأينا من يقوم بالدعوة على غير علم، ويسير في طريقها على غير هدى، اختفت في ذهنه ملامح الدعوة وأصولها، واختلطت في عقله مقاصدها ومنطلقاتها، واختلت عنده موازينها وأولوياتها، واضطربت لديه أساليبها ومناهجها، فأني لمثل هذا أن يدل أو يرشد، أو يعرِّف أو ينقذ، وكيف له أن يُخرج من الظلمة، أو يبصر من العمى، أو يهدي من الضلالة، أو يعلم من الجهالة؟!.

وقد دل القرآن الكريم كما دلت السنة النبوية المطهرة على فضل العلم وأهله في دين الله تعالى، وهذا أمر ظاهر ومعروف.

فمن القرآن الكريم:

قوله تعالى: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ( (المجادلة: 11)، وقوله سبحانه: )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ( (آل عمران: 18)، وقوله U: )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ( (فاطر: 28).. إلى آخر تلك الآيات.

ومن السنة المطهرة:

قوله J: (من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)([1])، وقوله J: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة)([2]).. إلى آخر تلك الأحاديث.

والمقصود بالعلم هنا العلم الشرعي المتعلق بالإسلام وخصائصه وأسسه ومبادئه وأهدافه ومقاصده، وهذا العلم يشمل المعرفة المتصلة بكتاب الله تعالى، والسيرة النبوية وأحداثها، والسنة النبوية وعلومها، والفقه وأصوله، كما يشمل علوم العقيدة والأخلاق والتاريخ الإسلامي واللغة العربية، وكذلك النظم الإسلامية الشاملة لجوانب الحياة المختلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية.. الخ.

ويضاف إلى هذا أيضًا المعرفة المتصلة بالعلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها، وكذلك المعرفة المتصلة بالعلوم التجريبية كعلوم الطب والحيوان والنبات والفلك وغيرها، وليس المقصود المعرفة التفصيلية المتخصصة بهذه العلوم، إنما المعرفة الإجمالية التي تبصر الداعية بطبيعة تلك العلوم وأهميتها بصفة عامة.

ولا يخفى بالإضافة إلى ذلك أهمية العلم بطبيعة المدعوين المخاطبين بالدعوة، وأنهم ليسوا على طبيعة واحدة، ولكنهم متفاوتون مختلفون، لكل شخصيته واتجاهه وتكوينه الفكري والثقافي والنفسي، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة المختلفة في قوله تعالى: )وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ( (هود: 118، 119)، وهذا يقتضي بطبيعة الحال العلم بمناهج الدعوة وأساليبها وأولوياتها، فذلك أمر في غاية الأهمية في الدعوة إلى الله تعالى، وهو أمر تقتضيه حكمة الداعية في وضع الأسلوب المناسب والمنهج المناسب في الوقت والمكان المناسبين.

والداعية في الشبكة الدولية في أشد الحاجة إلى العلم الذي يمكنه من ممارسة الدعوة في أي موقف يتواجد فيه، ومع أي مدعو يتواجد معه في مواقع الشبكة الدولية، خصوصًا وأنه يواجه في تلك الشبكة أناسًا مختلفي المشارب والاتجاهات والأفكار، فكلما كان حظه من العلم وفيرًا، كانت قدرته على الدعوة والتأثير في مدعويه عظيمة، فإذا جمعته في موقف ما مناسبة مع مخالفين له في العقيدة مثلاً، لديهم شبهات معينة يحتاجون منه إلى الرد عليها، فإن لم يكن لديه علم غزير وثقافة واسعة تمكنه من تفنيد شبهاتهم والرد عليها، فإنه يسقط في نظرهم، وتبوء دعوته بالفشل في النهاية مهما اجتهد.

وإذا كان العالم يعيش اليوم ثورة علمية ومعرفية هائلة، فإن على الدعاة أن يواكبوا هذا التطور، وأن يواجهوا هذا التحدي الذي تفرضه عليهم طبيعة هذا العصر بعلم وفير، ومعرفة غزيرة، وثقافة واسعة، والحق سبحانه يقول لنبيه J: )وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً( (طه: 114)، يُعَلِّمُ الله I نبيه J أن يسأله المزيد من العلم، دون أن يكون هناك حد أعلى من يصل إليه يتوقف عنده فلا يزيد عليه، فليس للعلم سقف يتوقف عنده طالب العلم، ولذلك ورد في الحديث قول النبي J: (منهومان لا يشبعان طالب علم، وطالب دنيا)([3]).

 



([1]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، من حديث معاوية.

([2]) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم عن رسول الله J، باب من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا.. من حديث أبي هريرة 0، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

([3]) سنن الدارمي، باب في فضل العلم والعالم، ح343، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 1/78، عن ابن مسعود 0 ونسبه إلى الطبراني في الكبير، قال: وفيه أبو بكر الداهري وهو ضعيف. وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس 0 1/302، ح286، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولم أجد له علة، و(منهومان) من النَّهمة وهي: بلوغ الهمة في الشيء والشره والرغبة الشديدة.

]]>
info@islamwattan.org (الاسلام وطن) العدد الأخير Sat, 21 Dec 2013 19:12:52 +0000