أسرار القرآن

أسرار القرآن.. تفسير بعض أيات من سورة يونس

 

للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم  

قال تعالى: )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ *( (يونس: 104 – 107).

هذه الآيات ختام للسورة بالنداء العام، في الدعوة إلى عقيدة الإسلام أجملت أمرًا ونهيًا وخبرًا في خاتمتها كما فصلت في جملتها، قال تعالى:

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي

أي: إن كنتم في شك من صحة ديني الذي دعوتكم إليه، أو من ثباتي واستقامتي عليه، وترجون تحويلي عنه.

فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ

أي: فلا أعبد في وقت من الأوقات، ولا حال من الأحوال، أحدًا من الذين تعبدون غير الله، من ملك أو بشر أو كوكب أو شجر أو حجر، مما اتخذتم من الأصنام والأوثان.

وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ

أي: يقبضكم إليه بالموت ثم يبعثكم فيحاسبكم ويجزيكم، ولا يفعل أحد غيره هذا ولا يقدر عليه، وإنما قال: )إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي(، وشرطه يدل على الشك في شكهم وهو J لا يشك فيه؛ لأنه نزل دينه منزلة ما لا ينبغي أن يشكوا فيه لشدة ظهوره، وتألق نوره، كما بيَّنَّا مثله في تفسير: )وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ( وما بعدها، ووصف الله بتوفيهم دون غيره من صفاته وأفعاله، لتذكير كل منهم بما لا يشك فيه من عاقبة أمره، وأنه سيكون كما وعده في الدنيا والآخرة.

وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ

أي: الذين وعدهم الله بالنجاة من عذابه، وينصرهم على أعدائهم وأعدائه، واستخلافهم في أرضه، وإنه لإيجاز بليغ.

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا

أي: أمرت بأن أكون من المؤمنين، وبأن أقيم وجهي للدين القيم الذي لا عوج فيه حالة كونه حنيفًا، أي: مائلاً عن غيره من الشرك والباطل، ولكن اختير هنا صيغة الطلب وفيما قبله الخبر، ذلك بأن الخبر هو المناسب لعلاقة هذا الأمر بالماضي، وهو أن يكون من جماعة المؤمنين الموعودين بما تقدم من سنة الله في النبيين، والطلب هو المناسب لعلاقته هو وما عطف عليه من النهي بالحال والاستقبال؛ من دعوة هذا الدين الموجهة إلى أهل مكة وسائر الناس - ولا فرق بينهما في الإعراب كما حققه سيبويه وغيره – وإقامة الوجه للدين هنا وفي سورة الروم عبارة عن التوجه فيه إلى الله تعالى وحده في الدعاء وغيره بدون التفات إلى غيره، والمراد به توجه القلب. وفي معناه: )إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا( (الأنعام: 79)، ومثله إسلام الوجه لله في سورة البقرة وآل عمران والنساء، وإسلامه في سورة لقمان، وكذا توجيه الوجه الحسي إلى القبلة في آياتها وهو الأصل في اللغة، والمراد به وجهة الإنسان، فمن توجه قلبه في عبادة من العبادات - ولا سيما مخ العبادة وروحها وهو الدعاء – إلى غير الله - معتقدًا أن الغير إلهًا - فهو عابد له مشرك بالله، وأكده بالنهي عن ضده معطوفًا عليه فقال:

وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ

أي: أصحاب الديانات الوثنية الباطلة.

9ثم بيَّن بالإشارة إلى سببه عند المشركين والنهي عن مثله معطوفًا عليه فقال:

وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ

أي: ولا تدع غيره تعالى – دعاء عبادة، وهو ما فيه معنى القربة والجري على غير المعتاد في طلب الناس بعضهم من بعض – لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل الاشتراك بواسطة الشفعاء ما لا ينفعك إن دعوته لا بنفسه ولا بواسطته، ولا يضرك إن تركت دعاءه، وإن دعوت غيره.

فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ

أي: فإن فعلت هذا بأن دعوت غيره فإنك أيها الفاعل في هذه الحال من طغامة الظالمين لأنفسهم الظلم الأكبر، وهو الشرك الذي فسر به النبي J قوله تعالى: )إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ( (لقمان: 13).

وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ

أي: كمرض يصيبك بمخالفة سنة حفظ الصحة، أو نقص من الأموال والثمرات بأسبابه لك فيه عبرة، أو ظلم يقع عليك من الحكام المستبدين، أو غيرهم من الأعداء المعتدين، )فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ(؛ لأنه تعالى جعل لكل شيء سببًا يعرفه خلقه بتجاربهم.

وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ

أي: يهبه بتسخير أسبابه لك، وبغير سبب ولا سعي منك.

فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ

أي: فلا أحد ولا شيء يرد فضله الذي تتعلق به إرادته، فما شاء كان حتمًا، فلا ترج الخير والنفع إلا من فضله، ولا تخف رد ما يريده لك من أحد غيره.

يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ

يصيب بالخير من يشاء من عباده بكسب وبغير كسب، وبسبب مما قدره في السنن العامة وبغير سبب، ففضله تعالى على عباده بعموم رحمته، بخلاف الضر فإنه لا يقع إلا بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو العامة في نظام الخلق، فالأول معلوم كالأمراض التي تعرض بترك أسباب الصحة والوقاية جهلاً أو تقصيرًا، وفساد العمران وسقوط الدول الذي يقع بترك العدل وكثرة الفسق والظلم، والثاني كالضرر الذي يعرض من كثرة الأمطار، وطغيان البحار والأنهار، وزلازل الأرض، وصواعق السماء.

وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ

أي: ولولا مغفرته الواسعة ورحمته العامة لأهلك جميع الناس بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة.

قال تعالى: )وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ( (الشورى: 30)، وقال U: )وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ( (فاطر: 45).

قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاوَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُوَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ( (يونس: 108 – 109).

هذا النداء خاتمة البلاغ للناس كافة، بمقتضى بعثة الرسول العامة، وهو إجمال لما فصل في هذه السورة وسائر السور المباركة.

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ

أي: قل أيها الرسول مخاطبًا لجميع البشر، من حضر منهم فسمع هذه الدعوة منك، ومن ستبلغه عنك، قد جاءكم الحق المبين لحقيقة الدين من ربكم؛ بوحيه إلى رجل منكم، وهو الذي افتتحت هذه السورة به، وقد كان هذا الحق مجهولاً خفيًّا عنكم، بما جهل بعضكم من دعوة الرسل الأقدمين، وما حرَّف بعضكم وجهل وبدَّل وتأوَّل من كتب الأنبياء المتأخرين، وفصَّله لكم هذا الكتاب العربي المبين.

فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ

أي: فمن اهتدى بما جاء به هذا الرسول في هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإنما فائدة اهتدائه لنفسه؛ لأنه ينال به السعادة في دنياه ودينه، دون عمل غيره، ولا فدائه لا تأثيره.

وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا

أي: ومن ضل عن هذا الحق بإعراضه عن آياته في هذا القرآن، وحججه فيه بآياته في الأنفس والآفاق، فإنما وبال ضلاله على نفسه؛ بما يفوته من فوائد الاهتداء في الدنيا، وما يصيبه من العذاب على كفره وجرائمه في الآخرة.

وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ

أي: وما أنا بموكل من عند الله بأموركم، ولا مسيطر عليكم فأكرهكم على الإيمان، وأمنعكم بقوتي من الكفر والعصيان، وليس عليَّ هداكم، ولا أملك نفعكم ولا ضركم، وإنما أنا بشير لمن اهتدى، ونذير لمن ضل وغوى، وقد أعذر من أنذر.

وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ

أي: في هذا القرآن علمًا وعملاً وتعليمًا.

وَاصْبِرْ

كما صبر أولو العزم من الرسل على ما يصيبهم من الأذى في ذات الله، والجهاد به في سبيل الله.

حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ

أي: بينك وبين المكذبين، وينجز لك ما وعدك.

وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ

أي: كل من يقع منهم حكم ; لأنه لا يحكم إلا بالحق، وغيره قد يحكم بالباطل لجهله الحق أو لمخالفته له باتباع الهوى. وقد امتثل J أمر ربه، وصبر حتى حكم الله بينه وبين قومه، وأنجز وعده له ولمن اتبعه من المؤمنين، فاستخلفهم في الأرض وجعلهم الأئمة الوارثين، مدة إقامتهم لهذا الدين، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًّا عن قومه، وجعلنا من المهتدين بما جاء به من كتاب ربه، وسنته المبينة له، علمًا وعملاً، وإرشادًا وتعليمًا، وصلى الله عليه وعلى آله وصحابته وورثته ومن اتبعه وسلِّم تسليمًا.

 

   انتهى تفسير سورة يونس.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 16:35
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.