صفات السالك وما يجب عليه (4)

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين- والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة...

السيد أحمد علاء أبو العزائم- نائب عام الطريقة العزمية

 

صفات السالك وما يجب عليه (4)

ما يجب على السالك

ثانيًا: تزكية النفس

أنواع التزكية:

1- النوع الأول: وبه تكمل تزكية النفس المشاهدة عن علم التوحيد وهو تزكية للمقربين، فإن مَن ذاق حلاوة التوحيد في الأفعال والصفات والذات؛ كان من الأفراد الكاملين، وكان في أعلى مراتب المهذبين؛ لأن اليقين الحق حفظ نفسه من هوى يعميها، وطمع يذلها، وأمل يغويها، وعمل يغرها، لمشاهدته أن الكل من الله

وبالله وإلى الله، وهذه المشاهدة مطالب بها كل مؤمن، بحيث لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان إلا بقدر كمالها.

2- النوع الثاني: وهو أرقى مراتب التهذيب لسماع القرآن الشريف بألحان العرب؛ من حسن الصوت، وسماع الحكمة المطهرة للأخلاق، وسماع الخطب والمواعظ من معتقد فيه كامل، ومن قراءة سير الرسل عليهم الصلاة والسلام، وخلفائهم وورثتهم، والعلماء بالله، حتى تنطبع تلك الحقائق في خياله، فتصدر عنها أعماله وأحواله وأطواره موزونة بميزانه، وأهم هذا النوع صحبة أهل النفوس القدسية، والمرشدين العلماء العاملين، فقد يكتفي الرجل بمجلس معهم لتزكية نفسه، ومن المعين عليها سماع الأغاني؛ خصوصًا إذا كانت في معاني التوحيد وصفات الربوبية.

3- النوع الثالث: قمع النفس بزواجر ترك المألوف، وحبسها في سجن الزهد عن كل شهواتها وحظوظها، والصبر على ذلك، والميل بها إلى الوعر والخشونة حتى تذل، وتدوم على ذلك حتى تعتاد وتألف.

 ومن هذا النوع: أن يترك بعض المباح له، ويكثر من القربات والنوافل، وأن يستعمل ثياب المهانة وأكلها وعملها، وهذا النوع

يكون كالكيّ للنفس من أدواء توقع في الكبائر.

وهذه الأنواع الثلاثة ينبغي أن يكون استعمالها على يد طبيب ماهر؛ لأن لكل منها مضار نفسانية ربما أوقعت السالك في مهاوي القطيعة بهدم الأسوار، أو بالتشبيه في مقام التنزيه، أو التنزيه في مقام التشبيه، أو الغرور بالعمل والمجاهدات المهلكات كما يستعمل المريض الدواء بدون إشارة الحكيم وبدون علمه فيكون مهلكًا له.

4- النوع الرابع: تزكية النفس على تزكيتها ليدوم أنسها بربها، ولا يكون إلا لأهل الشوق المزعج والغرام المحرق، ولهم فيه أساليب تدق على أهل المقامات.

فقد يفعل ذلك: المرشد في تمكينه، والمكاشف في شهوده، والسالك في مسلكه، والواصل في نهايته، وهم درجات عند ربهم.

فقد يخرج من التجريد إلى السبب، أو من السبب إلى التجريد، أو من نفع الخلق بالعلم إلى الفرار في الصحاري والقفار، أو من الأنس بالخلق إلى الوحشة منهم والخلوة، أو بالأعمال التي لا يعملها إلا السوقة والبطالون، يتكلفون ذلك ليدوم أنسهم بربهم وإقبالهم عليه، وهذا النوع قد يتلقى عن القلب، أو يتلقى عن الرجل.

فإذا كنت مع الإمام فقف معه بالاستسلام، وإذا لم تكن معه وخشيت على نفسك الوحشة من الله والبعد عن جماله العلي؛ ففر وتكلف ما به أنسك، ولو كان فيه نقصك، مع حسن النية والقصد، والوقوف عند الأدب حال الطلب، وترك المراء والعناد إذا قيل لك: أسأتَ أو أخطأتَ، فإنما فعلت ذلك لتسقط من العيون وتسقط من القلوب.

فإذا خرجت عن سياقها وخالفت موضوعها؛ فاعلم أنها خدعة إبليسية ورعونة نفس خبيثة، وبهذا تزن مواجيدك عند همك للتهذيب، فإن تلذذت بما ينفر عنه الناس؛ واستوحشت بما يتلذذون به؛ فاعلم أنك على قدم الصديقين.

وقد فصلنا مسألة النفس وطرق تزكيتها وأمراضها وعلاجها من قبل؛ فارجع إليه.

ثالثًا: الجهاد

المجاهدة: قال الله تعالى: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا( (العنكبوت: 69)، وقال تعالى: )التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ( (التوبة: 112)، وعنه J أنه قال: (قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: (مجاهدة العبد لهواه)، وقال J: (ليسَ الشديدُ بالصُّرَعة، وإنما الشديدُ الذي يملِكُ نفسَه عندَ الغضبِ) "البخاري ومسلم".

والمجاهدة بذل الوسع في فعل ما يرضي الله تعالى وترك ما يسخط، وبالمجاهدة تحصل رياضة النفس.

ومن زين ظاهره بالمجاهدة زين الله باطنه بالمشاهدة، ومن لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من عَرْفِ الطريقة شمة.

وقال سهل بن عبد الله: ما عُبد الله بشيء مثل مخالفة النفس والهوى، ومن جعل زمامه في يد الشرع قاده إلى النور، ومن جعل زمامه إلى الهوى قاده إلى الظلمة، وكذلك قال الله تعالى: )اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ( (البقرة: 257)، وورد في الحديث أن المعاصي إذا كثرت يختم لصاحبها بالكفر والعياذ بالله تعالى.

وممن أقيم في المجاهدة من الصحابة رضوان الله عليهم عبدة ابن هلال، وكان قد أقسم على نفسه أن لا يشهد عليه ليل بنوم ولا شمس بظل أبدًا، فأقسم عليه عمر أن لا ينهك نفسه ويرفق بها.

وقال إبراهيم بن أدهم: لا ينال الرجل رتبة الصالحين حتي يجوز ست عقبات: الأولى: يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة، الثانية: يغلق باب الراحة ويفتح باب التعب، الثالثة: يغلق باب العز ويفتح باب الذل، الرابعة: يغلق باب النوم ويفتح باب السهر، الخامسة: يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر، السادسة: يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت.

والمجاهد لنفسه في رضاء الله تعالى تعترضه المحن والشدائد، ويتعاهد بالبلايا حكمة من الله تعالى لصلاح العبد ولطفًا به في آخرته، ليعوّضه بذلك بالملك العظيم وسعادة الأبد إن صبر ورضي.

وفسر العلماء بالله تعالى المحن بستة أشياء: الأول: الأمر والنهي مع غيبوبة الثواب والعقاب، الثاني: تركب الهوى، الثالث: تطيع الشهوات، الرابع: تسليط الشيطان، الخامس: خلق المشتهيات، السادس: تحببه للكسل والراحة.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

Rate this item
(2 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 16:32
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.