التوسل والاستغاثة (10)

نظرًا لثقتنا بفضيلتكم ويقيننا بأنكم مرجع المسلمين جعلنا مولعين ببيانكم للأحكام الدينية وإفتائكم الوضاء للأمور الشرعية، فأرفع لفضيلتكم السؤال الآتى راجيًا التكرم بسرعة الإجابة عليه ولكم الشكر العظيم.

هل التوسل جائز أم غير جائز؟ وهل هذا الحديث الآتى صحيح يجوز العمل به أم لا؟ وهو (توسلوا بجاهى فإن جاهى عند الله عظيم).....

المرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف 

 

التوسل (10)

حضرة صاحب الفضل والفضيلة سيدنا ومولانا العالم العلامة الإمام مفتى الأنام ومرجع العلماء الأعلام الشيخ يوسف الدجوى من جماعة كبار علماء الأزهر الشريف حفظه الله تعالى وأدامه آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فنظرًا لثقتنا بفضيلتكم ويقيننا بأنكم مرجع المسلمين جعلنا مولعين ببيانكم للأحكام الدينية وإفتائكم الوضاء للأمور الشرعية، فأرفع لفضيلتكم السؤال الآتى راجيًا التكرم بسرعة الإجابة عليه ولكم الشكر العظيم.

هل التوسل جائز أم غير جائز؟ وهل هذا الحديث الآتى صحيح يجوز العمل به أم لا؟ وهو (توسلوا بجاهى فإن جاهى عند الله عظيم).

تفضلوا بالجواب لازلتم المنهل العذب والينبوع الفياض يُهتدى بهديكم ويُرجع إليكم.

عبد الحفيظ إبراهيم اللازقى

بيروت

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه، وبعد:

فقد جاءنا هذا السؤال من حضرة الفاضل صاحب التوقيع.

وقد كتبنا فى التوسل بعدة مجلات، أما اليوم فلا يمكننا أن نكتب فيه إلا كلمة موجزة للغاية فنقول: إن العقل والنقل متفقان على أن التوسل جائز ونافع، أما النقل فيكفى فيه الحديث الثابت عند المحدثين (حتى الشوكانى الذى هو من أئمة مانعى الوسيلة) وهو حديث عثمان بن حنيف الذى تشفع فيه ذلك الضرير بالنبى J ثم دخل عليهم قبل أن يتفرقوا وقد رُد إليه بصره.

ومانعو الوسيلة لا يخجلون ولا يتورعون من نسبة المسلمين كافة فى عصور الإسلام المختلفة إلى الشرك، ولو كان التوسل شركًا لكان عمر بن الخطاب عندما قال: اللهم إنا نتوسل إليك بالعباس.. مشركًا.

ولا أدرى كيف يتصور الإشراك والمتوسل معترف بأن الفاعل هو الله وإنما يتوسل إليه بحبيبه لمزيد قربه ورفعة منزلته، وهذا مما لا شك فيه، أو ليدعو له فإنه حىٌّ تعرض عليه أعمالنا ويستغفر لنا كما بيَّنَّا ذلك أتم البيان فى بعض ما كتبناه.

والعجب أنهم يقيسون المتوسل على عابد الوثن، ويصرحون أن قبور الأنبياء والأولياء والصالحين أصنام وطواغيت يعبدها المتوسلون ويشركونها مع الله فى العبادة.

وقد أفاض ابن القيم - وهو من أئمتهم - فى كتاب (الروح) فى عمل الأرواح حتى قال: (إن الروح الكبيرة كروح أبى بكر تهزم جيشًا بأسره)، وهل يعتقد أحد من المؤمنين أن مع الله إلهًا آخر، وكيف يكون ذلك مع إقراره بالوحدانية واعتقاده جازمًا أن الله واحد لا شريك له، وإذا كان يعتقد أن المتوسل به إنما يدعو له أو يشفع له كما يشفع لنا J يوم القيامة وكما يستغفر لنا الآن، ويرد علينا السلام - بل كما ترد الأموات كلها السلام -، فأى ضرر عليه فى ذلك.

بل نقول: لو فرضنا أنه يفعل لنا شيئًا بنفسه فإنما يريد أنه يفعله بإذن الله على سبيل التسبب بما أعطاه الله من المواهب التى ليست عندنا كما يفعل الحى ذلك بإذن الله على سبيل التسبب أيضًا.

ونحن نعتقد أن الحياة الروحية البرزخية أقوى من الحياة الروحية المادية، ولا فرق عندنا بين حياة مادية وحياة روحية وإلا فلماذا يلتجئون إلى المخلوقات فى أمورهم، فهل اعتقدوا أنهم آلهة مع الله يفعلون بغير إذنه، أليست أمور الدنيا والآخرة كلها لله وحده، أم معه آلهة أخرى فى الدنيا دون أمور الآخرة؟!!، فإن كان كل طالب من غير الله على أى وجه من الوجوه مشركًا فهم أول المشركين، وإن كان لا يكون مشركًا إلا إذا اعتقد أنه يفعل بغير إذن الله فالجميع مؤمنون بأن هذه العقيدة المكفرة ليست عند أحد من المستغيثين بالإنجليز فضلاً عن المستغيثين بأحباب الله فليختاروا لأنفسهم ما شاءوا.

والخلاصة بأن هؤلاء القوم جاهلون مجازفون بتكفير المؤمنين، والتكفير شىء عظيم لو كانوا يعلمون.

وقد أثبت الشوكانى التبرك بالآثار فى شرح نيل الأوطار، ولابن القيم - وهما من أئمتهم - فى ذلك العجب العجاب، ولكنهم ماديون بفطرتهم لا يُؤمنون بعمل الأرواح ولا حياتها على الرغم من التواتر فى ذلك كما يئس الكفار من أصحاب القبور.

ولا ننكر أن بعضهم قد قرأ شيئًا من السنة وزاول بعض كتب العلم ولكنه كان كالمريض الذى يأكل ولا يهضم، فكان الأكل ضررًا عليه أو سببًا لهلاكه، والعلم كالبحر فمن لا يحسن السباحة فلابد أن يغرق.

أما حديث (توسلوا بجاهى) المذكور فى السؤال فمتكلم فيه ولسنا فى حاجة لإثباته على أن حديث عثمان بن حنيف الذى أشرنا إليه يفيد هذا المعنى كل الإفادة، وفيه أمره J بأن يقول: (اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة) إلى آخره، فماذا بقى بعد تعليمه J وأمره بعد العمل بذلك فى حياته وبحضرته J.

ولا يفوتنا أن نقول: إن القرآن تارة يسند الأفعال إلى أسبابها والقائمين بها، وتارة يسندها إلى مسبب الأسباب الذى إليه يرجع الأمر كله I، فتارة يقول: ]اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا[ (الزمر: 42)، وتارة يقول: ]قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ[ (السجدة: 11)، ويقول: ]الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ[ (النحل: 28) إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك والله يتولى هدى الجميع بمنِّه وكرمه.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 16:29
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.