الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت 23

لست هنا بصدد الحديث عن الصفات والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الداعية المسلم على وجه التفصيل، بل كل خلق أمر به القرآن الكريم، أو دعت إليه السنة النبوية المطهرة وتعارف الناس على حسنه فمطلوب من الداعية أن يتخلق به، وهو ينعكس بطبيعة الحال على دعوته، التي تصبح أرجى قبولاً، وأبعد تأثيرًا في المدعوين...

الدكتور أحمد محمد الشرنوبي الأستاذ بجامعة الأزهر

الدعوة إلـى الله تعالى من خلال الشبكة الدولية الإنترنـت (23)

بقية: المبحث الثاني: القائم بالدعوة إلى الله تعالى في الشبكة الدولية

المطلب الثانى: مقومات الداعية في الشبكة الدولية

بقية: ثانيًا: حسن الخلق:

هكذا كانت رحمة النبي J وشفقته بالناس، وهكذا كان لينه ورفقه وسماحته وسعة صدره، يقول الشيخ الغزالي: "لقد أراد الله أن يمتن على العالم برجل يمسح آلامه، ويخفف أحزانه، ويرثى لخطاياه، ويستميت في هدايته، ويأخذ يناصر الضعيف، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها، ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانًا سليم الفطرة، لا يضرى ولا يطغى فأرسل محمدًا J، وسكب في قلبه من العلم والحلم، وفي خلقه من الإيناس والبر، وفي طبعه من السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والندى، ما جعله أزكى عباد الله رحمة، وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدرًا"([1]).

والداعية في الشبكة الدولية بحاجة إلى هذه الأخلاق يتعامل بها مع مدعويه، فيكون صادقًا في دعوتهم، حريصًا على هدايتهم، رفيقًا بهم، مشفقًا عليهم، ينظر إليهم نظر الطبيب إلى مرضاه، فيكون منه التلطف معهم، والرحمة بهم لعلمه بدائهم وخطورته، وإن وجد منهم عزوفًا عن الدواء، أو إعراضًا عن تناوله لصعوبته أو مرارته مثلاً، لم يتركهم وشأنهم بحجة أنهم المعرضون المفرطون، بل يحتال بكل السبل الممكنة والوسائل المناسبة لتوصيل الدواء إليهم بحب كبير وود ظاهر، فدعوته لهم قائمة على الحب والود، الحب لله تعالى فهو يريد له U ألا يُعصى في الأرض، والحب لرسوله J فهو يريد لسنته أن تُتَّبع، والحب للإسلام فهو يريد له أن يظهر وأن ينتشر، والحب للمدعو فهو يريد له ألا يكون عرضة لعذاب الله تعالى أو وقودًا لنار جهنم، والحب للمسلمين فهو يريد لمجتمعهم أن يسود ويقوى بإضافة إخوان جدد إليه، وإذا غُلِّفت الدعوة إلى الله تعالى بهذا الحب اكتنفتها كل الصفات الطيبة والأخلاق الحميدة من قبل الداعية، من ود ورفق ولين وصدق وصبر وتواضع وأمانة وإخلاص وحلم ورحمة..الخ، وحين تقوم الدعوة إلى الله على هذا النحو وبهذه الأخلاق فإنها تنجح وتُؤَثِّر، وتأتي بنتائج عظيمة.

ثالثًا: سعة العلم:

العلم بالنسبة للداعية هو الزاد الذي به يكون قادرًا على الحركة والانطلاق ومن خلاله يملك أدوات الإقناع والإبداع، وفي إطاره يسير هاديًا ومرشدًا ومعلمًا، يدل الناس على الحق، ويبصرهم طريق الصدق، ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فسعة العلم أمر في غاية الأهمية بالنسبة لتكوين الداعية، وهو يحتاج إلى العلم في أمرين:

الأول: في عبادته لله تعالى، حتى تكون العبادة صحيحة مقربة إلى الله تعالى، موصِّلة إلى مرضاته، وقد أوجب الله تعالى العلم قبل القول والعمل فقال تعالى: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ( (محمد: 19) وقد بوب الإمام البخاري لهذه الآية بقوله: (باب العلم قبل القول والعمل)([2])، وذلك أن الله أمر نبيه J بالعلم أولاً في قوله: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ( ثم أعقبه بالعمل في قوله تعالى: )وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ( فدل على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، قال ابن حجر: [قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل]([3]).

وقال الحسن 0: [العامل على غير علم كالسالك على غير طريق]([4])، وقال عمر بن عبد العزيز 0: [من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح]([5])، وقال ابن تيمية: ولا يكون عمله صالحًا إن لم يكن بعلم وفقه.. فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان ضلالاً واتباعًا للهوي([6]).

الثاني: في دعوته إلى الله تعالى، إذ الدعوة إلى الله تعالى ينبغي أن تقوم على علم كامل ومعرفة محيطة بموضوعها ومناهجها وأساليبها ومقوماتها وأولوياتها إلى غير ذلك من الأمور التي تقوم عليها الدعوة، وإلا كانت تخبطًا وخلطًا من شأنه أن يضل أكثر مما يهدي، ويفسد أكثر مما يصلح، وما أكثر ما يسيء الجاهل إلى دعوته من حيث لا يشعر، قال تعالى: )قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَوَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ( (الزمر: 9).

 



([1]) خلق المسلم، الشيخ محمد الغزالي ص209، دار القلم – دمشق، ط.21، 1425ﻫ - 2004م.

([2]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: العلم، باب: العلم قبل القول والعمل.

([3]) فتح الباري لابن حجر 1/160، ط. المكتبة السلفية.

([4]) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/545، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، ط.1، دار ابن الجوزي، 1414ﻫ - 1994م.

([5]) مجموع فتاوى ابن تيمية 6/339.

([6]) المرجع السابق 6/339.

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 15:41
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة بعد المائة يوم الجمعة 11 جماد ثان 1438هـ الموافق 10 مارس 2017م، والرابعة بعد المائة يوم الجمعة 3 رجب 1438هـ الموافق 31 مارس 2017م.

والاحتفال بمولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها يوم الخميس 24 جماد ثان 1438هـ الموافق 23 مارس 2017م بمشيخة الطريقة العزمية.