ولي الله وصفاته ووظيفته (2)

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- يقول الله تعالى: )أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(، فنرجو من سماحتكم بيان معنى الولي وأنواعه، وصفاته الظاهرة والباطنة، ووظيفته، حتى يحسن اقتداؤنا به...

فأجابه الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم

 

ولي الله وصفاته ووظيفته (2)

€ سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- يقول الله تعالى: )أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(، فنرجو من سماحتكم بيان معنى الولي وأنواعه، وصفاته الظاهرة والباطنة، ووظيفته، حتى يحسن اقتداؤنا به.

فأجاب سماحته قائلاً:

وظيفة أولياء الله تعالى

يابني: وظيفتهم معالجة النفوس الجامحة إلى الغواية، وتزكيتها من أدران الأخلاق الفاسدة، مما ألم بها من فساد الوهم، أو اختلال الخيال، أو الهبوط إلى أفق البهيمية لعدم تناسب الأعضاء، أو الإخلاد إلى الأرض بسبب ما اكتسبته النفوس من المجتمع الذي نشأت بينه، فتراهم دائمًا يميلون إلى أهل المعاصي، ويألفون أهل الأخلاق التي ليست على الوسط، بما وهب الله تعالى لهم من الحكمة والعلم بأمراض النفوس، ولذلك فقد قال سيدنا عيسى عليه السلام عندما أنكر عليه اليهود صحبة الأشرار له: (إِنَّمَا أَنَا طَبِيبٌ وَإِنَّمَا يَمِيلُ ٱلطَّبِيبُ إِلَى ٱلْمَرْضَىٰ) وكذلك العلماء بالله تعالى هم أطباء النفوس.

ومن وظائفهم أنهم يبينون للنفوس سبيل الله تعالى؛ لأنهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة، فهم النور الذي تستبين به محجة المنافع وطرق المواصلات لنيل الخيرات من زراعة وتجارة وإمارة وغير ذلك.

فكذلك أهل المعرفة بالله شموس تنبعث منها الأنوار التي تستبين بها طرق الله تعالى، ويظهر بها الصراط المستقيم. وهم أنفع للمجتمع من شمس النهار المشرقة ضحوة؛ لأن الشمس تبين طرق الأرض وهم يبينون طرق الله تعالى الموصلة إلى الخير الحقيقي والسعادة الدائمة.

وشتان بين الشمس التي توصل إلى القصود التي نهايتها الموت، وبين شمس توصل إلى المقصد الأعظم الذي هو رضوان الله تعالى والفوز بجواره في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

ولما كانت هذه الوظيفة هي أعظم وأجل وأنفع الوظائف للمجتمع كان لهؤلاء القوم في القلوب محبة وهيبة، ويخضع لهم ذو جلال ويهابهم السلطان، ويحبهم المؤمنون. ويتوسل بهم العامة، كل ذلك لما جملهم الله تعالى به من الأخلاق الجميلة والرحمة والرأفة ولين الجانب، ولما أطلق به ألسنتهم من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأن النفوس لها ميل إلى القوة التي فوق الأسباب، وقد فطرت على التقرب إلى الله تعالى بأهل التقوى، فترى جميع النفوس تحب المتقين وخصوصًا الميالين للعزلة عن الناس المتهترين بذكر الله تعالى، الزاهدين فيما في أيدي الناس من أهل الصفا والإقبال على الله بالكلية، ولا يعترض عليَّ معترض فيقول: إن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم عاداهم أهل الكفر بالله تعالى، فأجيبه أن رسل الله صلوات الله عليهم تحدوا الناس بدين الله تعالى وأقاموا الحجة على الخلق بما جاءوا به من عند الله تعالى، وعرضوا أنفسهم على العالم وبينوا للناس عاقبة ما هم عليه من الضلال والكفر بالله تعالى، فكان ذلك موجبًا لمعاداتهم - أما أهل الصفا من أولياء الله تعالى فإنهم لم يكلفوا بالتحدي، ولم يطالبوا بدعوة الناس إلى الحق لفرارهم من الخلق، وإقبالهم على العبادة والتنسك، ولكن الناس يألفونهم ويتقربون إليهم، لا فرق بين المسلم والكافر لا لطلب العلم فقط بل لأغراض أخرى- يعتقدون أن الله تعالى ييسرها لهم ببركتهم وباجتماع الناس عليهم، يشرح الله صدورهم لما يسمعونه من العلوم التي تزكي النفوس إلى الاستقامة أو إلى الإسلام، وكم أسلم مشرك على أيديهم، وكم استقام عاص واهتدى فاسق، ولا عجب فإن الله تعالى يلقي محبة منه على من اجتباهم من عباده بقدر ما يوفقهم له من القربات، ومن إقبالهم بظاهرهم وباطنهم على الله تعالى، فإذا منحهم الله تعالى لسان البيان والحكمة وبلغ أحدهم من المقامات ما صار به وارثًا لرسول الله o كان من التمكين بحال به يحبه أهل الإيمان والتقوى، وكان ممن قدر الله لهم السعادة، فيبغضه أهل النفاق والكفر - فيكون لهم قسط وافر من سر الأنبياء وسيرهم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم، وهم خلفاء رسول الله o، وأمناء الله تعالى على شريعته، والعلماء الربانيون، والراسخون في العلم، وهم النور المشرق لمناهج القرآن وأحوال رسول الله o، يكشف الله تعالى لهم غوامض أسرار القرآن، ويمنحهم الحكمة والبيان، ويلهمهم الصواب في القول والعمل والحكم، ويمدهم بروحانية رسول الله o، وهم الذين اشتاق إليهم رسول الله o في الحديث الطويل، واشتاق إليهم سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في حديث كميل في قوله: (وَا شَوْقَاهُ إِلَيْهِمْ)، وهم الذين أثنى الله عليهم وأخبر أنهم أولو الأمر من المسلمين بقوله: )وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ( (النساء: 83).

ولو كانوا مجهولين أخفياء لا يعرفهم أحد فإنهم معروفون لله، معروفون للملإ الأعلى، وكل واحد منهم شمس يضيء لأهل السماء كما تضيء الشمس لأهل الأرض، وهم العرائس ضنائن الله تعالى في أرضه، لا يوصل الله تعالى إليهم إلا من سبقت لهم الحسنى، وقدر الله لهم الوصول إليه I باتصاله بهؤلاء الأخيار، أولئك والله الأئمة الهداة، يرحم الله بهم، وينظر إلى من شاء من عباده في قلوبهم، ذرة من أعمال قلوبهم خير من أعمال الجوارح الدهر كله.

وهم الذين أكرمهم الله تعالى فكان معهم وجعلهم معه سبحانه، أرضاهم عنه ورضي عنهم، لا تفي عباراتنا بأحوالهم، ولا تكشف إشاراتنا مباديء شهودهم في وجودهم قال تعالى: )فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (السجدة: 17).

ومن صفاتهم إخفاء حالهم وستر مقاماتهم، فلا يقهرهم ولا يشغلهم مقام، ولا يغضبهم مؤلم، يغضبون لله، ويرضون لله، تراهم منقبضين على بساط المؤانسة، وخائفين وهم في حصن )أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ( (الأنعام: 82).

وفي خشية وهم على موائد إكرام الله تعالى لهـم بالاستجابة، قال o: (رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى ٱللهِ لأَبَرَّهُ) [رواه أحمد ومسلم والحاكم وأبو نعيم]. كمل والله توحيدهم شهودًا، فأفردوا مولاهم بالعزة والجلال والعظمة والكبرياء والإعطاء والمنع والضر والنفع، فذلوا للحق ولأهل الحق ذلاًّ للحق، وعزوا على الباطل وعلى أهل الباطل كراهةً لما كره الله وحبًّا لما أحب الله، ذلوا للمؤمنين كما أمر الله تعالى، وعزوا على الكافرين إعزازًا للحق، صغرت الدنيا في أعينهم عن أن تشغلهم عن الآخرة نفسًا، فكيف تشغلهم عن الله تعالى؟! إذا رءوا ذكر الله، مجالستهم تجذب النفوس إلى حضرة القدوس، ومحبتهم تحبب في الله، والقرب منهم تقريب من الله تعالى. قال o: (ٱللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ حُبُّهُ يُحَبِّبُنِي فِيكَ)([1]).

وكلام رسول o هذا يوقظ قلوب المؤمنين إلى محبة أهل المعرفة بالله تعالى، المقبلين على الله تعالى بكليتهم، وهم الحياة لأهل عصرهم، والنور لمن والاهم، والنجاة لمن اقتدى بهم 4.

 



([1]) مسند الإمام أحمد بن حنبل 36/423 ح22109.

Rate this item
(1 Vote)
  • Last modified on الثلاثاء, 09 آب/أغسطس 2016 15:30
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت  السادسة والتسعون يوم الجمعة 16 ذو القعدة 1437هـ الموافق 19 أغسطس 2016م.

كما ستقام ليلة أهل البيت السابعة والتسعون يوم الجمعة 1 ذو الحجة 1437هـ الموافق 2 سبتمبر 2016م.