تعريف الصوم ومعناه وفرائضه وسننه

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم نود التكرم ببيان تعريف الصيام ومعناه وفرائضه وسننه وأركانه وما يفطر وما لا يفطر...

فأجابه الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم

 

تعريف الصوم ومعناه وفرائضه وسننه

€ سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم نود التكرم ببيان تعريف الصيام ومعناه وفرائضه وسننه وأركانه وما يفطر وما لا يفطر.

فأجاب سماحته قائلاً:

تعريف الصيام

يا بنى: الصيام هو الفريضة التى هى ترك فى الحقيقة, وهو العمل الروحانى الذى يصير الإنسان فيه كالملائكة الروحانيين؛ لأن الإنسان يترك فيه ضروريات الحياة الجسمانية ولوازم النفس الحيوانية.

والصوم رمز يشير إلى أن الإنسان (حيوان وملك) فهو بقوته الحيوانية يعمل أعمال البهائم. وبقوته الملكية يعرف الله ويعبده، ويتشبه بسكان ملكوته الأعلى، فيترك لوازم قواه الحيوانية بالصوم ليتذكر قوته الملكية وليطهر نفسه من كثافة التوسع فى الأعمال الحيوانية، فإن النفس يقوى طمعها وميلها إلى الحرص والأمل والحماقة والخيانة وبغض بنى قومها كلما توسعت فى كل ما يقوى الجانب الحيوانى منها، ويكون بذلك بعيدًا عن رتبة الإنسان، قريبًا من الأنعام لتشبهه بها, فإذا قلل من ضروريات حياته الحيوانية وتشبه بحياته الملكية من الصوم والتفقه كان أشبه بالملائكة منه بالحيوان، وكان الصيام تزكية لنفسه وشفاءً لها من أمراضها وصفاءً لجوهرها، حتى تتكمل بكمالها الحقيقى، الذى تكون به فى مقعد صدق عند مليك مقتدر تخدمها الملائكة.

فالصوم عبادة من حيث إنه فرض فرضه الله، وشفاء من حيث إنه يرد للنفس صحتها، وتزكية من حيث إنه جلاء للنفس من التطرف عن الحالة الوسطى التى هى الفضيلة، وبه تتجمل النفس بالرحمة والصلة والبر والإحسان والتواضع، فيكون الصائم عبدًا عاملاً لله بتركه ما نهاه الله عنه من الأكل والشرب وملامسة النساء، مما أباحه الله له فى غير رمضان، وبذلك يكون متجملاً بجمال الروحانيين، ومتخلقًا بأخلاق الله من الرحمة والعطف والإحسان والود والشفقة, ويكون مجاهدًا نفسه فى ذات الله لحبسها عن شهواتها فيكون له - بإطاعة الأمر- النعيم المقيم ويحظى بالتشبه بالروحانيين فى مشاهدة ملكوت الله، وبالتخلق بأخلاق الله - بنعيم النظر إلى وجهه الكريم سبحانه.

فما أيسر ما ترك، وما أعظم ما نال!!

من معانى الصيام

الصيام: جهاد الجسم، وسياحة العقل، ومشاهدة الروح، ومن صام بتلك الحقائق فقد نفذ من أقطار السموات والأرض بسلطان الحق، ومن صام صيام أهل العادة فترك الأكل والشرب وملامسة النساء، ولم يجاهد جسمه، ولم يسح بعقله، ولم يشهد بروحه، فليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ولا من قيامه إلا العناء والسهر.

والصيام: التجرد من الإنسانية بعد التجرد من الحيوانية وكيف لا يكون كذلك وأنه تعالى يقول: )إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً( (مريم: 26)؛ لأن الصيام خروج عن مرتبة الإنسانية، للاتحاد بالمكانة الملكوتية، فالصائم لا يتكلم مع الإنسان مع أنه مجانسه ومشاكله، وقال سبحانه: )قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً( (مريم: 10)، فنفت الآية الأولى كلام الأناسى ولم تنف الكلام مع الملائكة، وفى الآية الثانية نفت كلام الأناسى وأثبتت الكلام مع الملائكة، وذلك لأن الحقائق الحيوانية أمسكت عما تقتضيه المجانسة، مجاهدة لتفوز بالمشاهدة، رزقنا الله الصيام الذى به نجانس العالم الأعلى.. إنه مجيب الدعاء رب العالمين.

والصيام: تجريد مما يناسب الإنسانية، وتخلية عما يناسب الملكية، واتصال بعالم اللاهوت([1]) فى صورة الناسوت([2]) وهو العجب العجاب.

والصيام: ترك ما تحب، مسارعة إلى ما يحب سبحانه، وخروج من سور الحيطة([3]) والتحديد, وباعث الشهوة([4]) والتجديد, بل ولوازم الحياة الإنسانية تشبهًا بأخلاق رب البرية.

فرائض الصوم عند آل العزائم

دوام رعاية القلب: لأن الصوم واجب لله تعالى وأنه يتقرب إلى الله تعالى به، لا رغبة فى جنته ولا خوفًا من ناره؛ لأنه بالصيام ترك شهوته وملاذه التى هى كالجنة. ومن ارتفعت همته فترك الجنة فهمته متعلقة بالله تعالى. ثم كمال الإخلاص فى العمل بحيث يشهد معونة الله له فى الصوم وتوفيقه معتقدًا بالصوم سقوط ما فرض الله عليه طاعة لأمره.

ويتجنب الأكل والشرب والجماع إقبالاً على الله تعالى ورغبةً فى نيل القبول منه سبحانه وهذه فرائض الصيام عند آل العزائم.

وهذا الصائم يباهى الله به ملائكته وهو السائح فى ملكوت الله تعالى المذكور فى قوله: )وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ( (البقرة: 45)، يعنى بالصوم, ومن وفقه الله لتلك الفرائض لا يسهو عن صيامه نفسًا.

سنن الصوم

من سنن الصوم تعجيل الفطر وتأخير السحور، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ)([5])، ومن سننه السحور لقوله عليه الصلاة والسلام: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِى السُّحُورِ بَرَكَةً)([6]).

ومن السنة أن يقول الصائم عند فطره: (اللَّهُمَّ إِنِّى لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) وقال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ تَعَالَى حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)([7]).

أركان الصوم

الركن الأول- النية:

عن السيدة حفصة رضى الله عنها: (مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ)([8]).

والنية يجب أن تكون قبل الفجر, وقولنا قبل الفجر صادق من أول الليل إلى قبل طلوع الفجر, والصوم إما فريضة أو نافلة, فصوم الفرض لا يصح إلا بتبييت النية إجماعًا. أما فى صوم النافلة فعند الشافعية تجوز النية بعد طلوع الفجر لما روى أن النبى J نوى الصيام ضحوة بعد أن سأل عن طعام فلم يجد, وشدد قوم لعدم ثبوت هذا الحديث بطريق مقبول فأوجبوا تبييت الأعمال بالنيات. ومن ثبت عنده رمضان فنوى صيام الشهر فقد نوى, ومن قام للسحور فقد نوى لأن محل النية القلب, وأهل العزائم يشددون فى مراقبة النية فى كل أنفاسهم حتى لا يغفلوا عن الصيام فيقع فى غفلة تؤدى إلى توسعة فى مباح أو وقوع فى معصية.

ومحل النية القلب, ويكفى أن ينوى الإنسان صيام رمضان من أول ليلة كما ذكرنا والقيام للسحور فيه، والمناسب أن يستحضر الصائم أنه يصوم طاعة لأمر الله وتقربًا إليه سبحانه ابتغاء نيل فضله I.

الركن الثانى- الإمساك:

الإمساك عن شهوتى البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فلا ينوى رفض الصيام فى النهار، وهنا يجب عليه أن يراعى بقدر استطاعته المحافظة على جوارحه من الوقوع فى مكروه أو محرم، فإن الله أمرنا فى رمضان بترك المباحات لنعلم وجوب ترك المكروهات ومن باب أولى المحرمات التى نظن أنها لا تفطر، وهى فى الحقيقة تفطر، وقد أخبرنا الله تعالى بقوله: )أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً( (الحجرات: 12), أن الغيبة تفطر الصائم.

وكثير من أهل الغفلة يتركون ما أباحه الله لهم، ويقعون فيما حرمه الله عليهم من الحماقة والغيبة والنميمة والكذب والغش والخيانة والحسد.. وغير ذلك, لعدم مراقبتهم لأحكام الله, وعدم خوفهم عقاب الله تعالى.

ما يفطر وما لا يفطر:

الذى يفطر معلوم، أما الذى لا يفطر: القىء قهرًا، وقبلة الرجل امرأته أو نومه معها فى فراش واحد، إذا كان متمكنًا لا يخشى على نفسه حصول ما يفطر، أما إذا كان شابًّا أو عاجزًا عن ملك نفسه، فالأولى ترك ذلك. قال : (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَىْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ)([9]) وقال J: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ، الْحِجَامَةُ وَالْقَىْءُ وَالاحْتِلاَمُ)([10]) وإنما كرهت الحجامة للصائم خوفًا عليه من الضعف.

 



([1]) الروح.

(2) الجسم.

([3]) الكون.

([4]) الدوافع الحيوانية (الغرائز).

([5]) صحيح البخارى 2/692 باب تعجيل الإفطار ح1856.

([6]) سنن ابن ماجة 1/540 باب ما جاء فى السحور ح1692.

([7]) صحيح البخارى 2/673 ح1804.

([8]) سنن الترمذى 3/108 باب لا صيام لمن لم يعزم من الليل ح730.

([9]) سنن الترمذى 3/98 باب فيما استقاء عمدًا ح720.

([10]) سنن الترمذى 3/97 باب الصائم يذرعه القئ ح719.

Rate this item
(1 Vote)
  • Last modified on الأحد, 12 حزيران/يونيو 2016 15:50
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الرابعة والتسعون يوم الجمعة 5 رمضان1437هـ الموافق 10 يونيه 2016م، والليلة الخامسة والتسعون يوم الجمعة 10 شوال 1437هـ الموافق 15 يوليه 2016م.

وسيقام الاحتفال بمولد الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما وغزوة بدر الكبرى يوم الثلاثاء 16 رمضان 1437هـ الموافق 21 يونيه 2016م.