ولي الله وصفاته ووظيفته (1)

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- يقول الله تعالى: )أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(، فنرجو من سماحتكم بيان معنى الولي وأنواعه، وصفاته الظاهرة والباطنة، ووظيفته، حتى يحسن اقتداؤنا به...

فأجابه الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم

 

ولي الله وصفاته ووظيفته (1)

€ سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- يقول الله تعالى: )أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(، فنرجو من سماحتكم بيان معنى الولي وأنواعه، وصفاته الظاهرة والباطنة، ووظيفته، حتى يحسن اقتداؤنا به.

فأجاب سماحته قائلاً:

أولياء الله تعالى نوعان

يا بنى: أولياء الله تعالى: هم الذين أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وهم الراسخون في العلم الذين آمنوا بكل الكتاب، وسلَّموا لله متشابهه وعملوا بمحكمه، وأقبلوا على الله تعالى بقلوبهم ملتفتين عن الدنيا بالكلية وعن الآخرة، ولولا أن الله تعالى رغبهم لما رغبوا فيها. وهم نوعان:

 النوع الأول: نوع تولاهم الله فجذبهم إليه به Y، وملأ قلوبهم علمًا به وخشيةً منه، وهم أصفياء الله السابحة قلوبهم في ملكوت الله تعالى، تراهم على الأرض مع الناس، وقلوبهم في الرفيق الأعلى، انكسرت قلوبهـم من خشية الله فصـمتوا إقبالاً على الله بالقلوب والجوارح، غابوا عن الكون الأدنى بالكون الأعلى، وعن الكون الأعلى بالعلي العظيم. صغرت الدنيا في قلوبهم فنظروا إليها بعين ملؤها البغض فيها والزهد في زينتها. سقاهم ربهم شرابًا طهورًا فغابوا عن أنفسهم بعد معرفتها غيبة ذكرتهم بنشأتهم الأولى والأخرى، فكانوا إذا لحظوا أنفسهم لحظوا عدمًا وطينًا أو ماءً مهينًا، وشهدوا النعمة للمنعم، والفضل للمتفضل، والوجود بالله، والحياة بالحي، والقيام بالقيوم، فكان الحق Y معالم بين أعينهم، لايغيبون إذا غاب الناس، ولا يحجبون إذا حجب الناس، وهم أولياء الله حقًّا، وأصفياؤه صدقًا، وهم ورثة رسله، وأبدال أنبيائه، والصديقون من عباده 4.

النوع الثاني: قوم اجتباهم الله تعالى ووفقهم لتحصيل العلم النافع والعمل المقرب إلى الله تعالى، فتولوا ربهم كما أمرهم بتوفيقه ومعرفته، فهم بين خوف مقام الرب Y ورجاء فضله العظـيم، وهم الذين قال الله تعالى في حقهـم: )وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ( (المائدة: 56)، وشتان بين المقامين - انظر بعين بصيرتك إلى رجل خرج ليقتبس نـارًا فزج به في نور القدس، وواجهه سبحانه بالوجه العلي، واصطفي لكلام رب العالمين، واصطنعه الله لنفسه وأكرمه برسالته - ذلك فضل الله يؤتيه ممن يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وكذلك يكون أولياء الله من الصديقين ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه، كانوا مجوسًا فأصبحوا هم صفوة الله من خلقه، وخيرتهم من عباده، أولئك هم أصحاب رسول الله o - ذلك فضـل الله يؤتيه من يشاء - وشتان بين من جذبته العناية بسابق الحسنى فتأدب لله بقدر معرفته به، وخشى الله بقدر علمه به، وبين عابد كادح يسهر ليله ويكدح نهاره ليرى منامًا، أو يلحظ مشهدًا، أو تحصل له كرامة، أو ينال شهرة، وإن كان على خير. لكن أولياء الله المخلصين شغلهم الله تعالى بذكره عمن سواه، وبحبه عن غيره، وبالشوق إليه عن الدنيا والآخرة، فلا الملك وما فيه يلفت أبدانهم، ولا الملكوت وما فيه يشغل قلوبهم.

انظر إلى ثناء الله عليهم ومدحه لهم بقولـه: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ( (الكهف: 28).

- هؤلاء هم الذين منحهم الله تعالى تأويل كلامه سبحانه وكلام رسوله o، حتى زال البين من البين، فشهدوا الحق جليًّا في كلامه، وشهدوا أنفسهم بحقيقتها في كلامه I فسارعوا إلى المقام الذي يحبه الله منهم ويرضى به عنهم، والتفتوا بكليتهم عما سواه Y.

- أولئك الذين اصطفاهم الله لحضرته العلية. والعطية عندهم كالبلية فيشهدون المبلي في الخير والشر، ويفرون بالنعمة والنقمة إلى الله.

- فسوط النقمة يردهم إلى الله، وروض النعمة يجذبهم إلى الله تعالى، فهم فارون إلى الله تعالى في الحالين ومقبلون عليه في المشهدين.

- هذا أبو بكر الصديق 0 كان على كرسي الخلافة عن رسول الله، وعلى بساط الخلافة عن ربه Y، ومع ذلك فلم يتغير حاله الذي كان عليه مع رسول الله o في الغار، فإنه 0 وهو في الغار كان مع رسول الله o ومع الله فحصل له الأنس والأمن من مضار الدنيا. وكان 0 وهو على كرسي الخلافة مع رسول الله ومع الله فحصلت له الخشية والرهبة من الله تعالى مع الأمن من مضار الدنيا.

صفات أولياء الله تعالى

أولاً: الصفات الظاهرة

* التقرب إلى الله تعالى بما فرضه عليهم، والمسارعة إليه I بنوافل البر وحسن معاملة الناس، كل بحسب منزلته حتى يكونوا قد قاموا بحق الوراثة. ومن ادعى هذا المقام وترك نافلة أو سنة أو فريضة مع الاستطاعة فليس منهم؛ لأن الله تعالى يقول عنهم: )وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا( (آل عمران: 7)، والإيمان هو التصديق. ومن صدق بالوعد والوعيد والأمر والنهي كيف يخالف الله سبحانه؟!.

* التجافي عن التوسعة في ملاذ الدنيا وشهوات البهيمية حتى لا ينال منها إلا ما لا بد له منه فيكونون أشبه بالملائكة منهم بالأناسي، ومن الناس من هم أشبه بالبهائم منهم بالإنسان؛ لأنهم شغلوا بالمأكل والمشرب والمنكح حتى صارت بطونهم كأنها قبور للحيوانـات. ومن لم يزهد في الدنيا فليس ممن أثنى الله تعالى عليه.

* السعي بين الناس بالإصلاح، وإزالة ما في النفوس من الجفاء.

* أنهم يحـكمون بالحق وبه يعدلون. فهم الشهداء لله ولو على أنفسهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، يغضبون لله ويرضون لله تعالى.

* أنهم يحبون القبور والأماكن الخربة للاعتبار والتذكير، ويجالسون الفقراء وأصحاب العاهات ليشهدوا نعمة الله عليهم بالسلامة، وليدوم شكرهم لله تعالى، ويتباعدون عن أهل الثراء والمتكبرين في الأرض خوفًا من الفتنة.

* أنهم ينزلون الكبير منزلة الوالد، والمساوي منزلة الأخ، والصغير منزلة الابن، فيعطون لكل نوع حقوقه الواجبة عليهم له معاملة لله تعالى ولو لم يقم أحد بالواجب لهم؛ لأنهم إنما يعاملون الله تعالى، أعمالهم بالقرآن والسنة، وأحوالهم بالقرآن والسنة، والأنوار تسبق ألفاظهم عند البيان، والأسرار تلوح من قلوبهم قبل التعبير، والحقائق تتجلى للسامع قبل التصوير، ذلك لما جملهم الله به من الخشية منه، والعلم به سبحانه.

ثانيًا: الصفات الباطنة

أما صفاتهم الباطنة فالخشية من الله تعالى لما عمرت به قلوبهم من العلم به سبحانه، والرحمة بجـميع الخلق من نبات وحيوان وإنسان، والشـوق الشديد إلى الله تعالى لما انكشف لهم من آيات جماله العلي، والرهبة منه سبحانه لما تجلى لهم من جلاله وعزته وعظمته، والحب الخالص في الله تعالى ولله تعالى، والخوف من مقامه Y، وكيف لا، وقد صاغ الله نفوسهم من أصفى جواهر النفوس. زكى الله نفوسهم فتجلت لهم الحقائق جلية، والأسرار علنية، وواجهها الله بوجهه الكريم فكان وجهه Y ظاهرًا حيثما ولوا وجوههم.

ولهم صفات ظاهرة وباطنة نطوي بساطها لأن العقول لا تسعها، وكيف تسع العقول صفات قوم أحبهم الله، ورضي عنهم، وأقسم بهم، وتكلم على لسانهم، وأثنى عليهم ومدحهم، وأقامهم عمالاً له سبحانه، وأشهدهم مشاهد سجد العقل على أعتابها، واستجاب لهم وصار معهم وعندهم؟!. قال تعالى: ) إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ( (النحل: 128)، وفي الحديث القدسي: (أَنَا عِنْدَ ٱلْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي) [روي في البداية للغزالي]. وقوم الله معهم وعندهم كيف تبين العبارة حالهم، أو تكشف الإشارة أسرارهم؟!. هذا لا يمكن أن يكون، ولكنها أنوار تقتبس من مشكاة الأنوار المحمدية، وأسرار تواجه بها النفوس الزكية قال تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا( (الشمس)، وقال تعالى: )فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (السجدة: 17).

 

البقية العدد القادم

Rate this item
(1 Vote)
  • Last modified on الإثنين, 11 تموز/يوليو 2016 13:42
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت  الخامسة والتسعون يوم الجمعة 10 شوال 1437هـ الموافق 15 يوليه 2016م، والسادسة والتسعون يوم الجمعة 2 ذو القعدة 1437هـ الموافق 5 أغسطس 2016م.