إحياء ليلة النصف من شعبان من نوافل البر

سماحة مولانا الإمام المجدد حجة الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم - قدس الله سِرَّكُمْ, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع – مع هلال شهر شعبان ينكر البعض إحياء ليلة نصفه، والاجتماع وقت صلاة المغرب وقراءة يس والأدعية، وصيام يوم نصف شعبان، وزيارة القبور فى صبيحة ليلة النصف من شعبان، فنرجو من سماحتكم أن تكشف لنا عن أحكام هذه الأمور، حتى ننتفع بهذا الخير الكثير....

فأجابه الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم

 

إحياء ليلة النصف من شعبان من نوافل البر

€ سماحة مولانا الإمام المجدد حجة الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم - قدس الله سِرَّكُمْ, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع – مع هلال شهر شعبان ينكر البعض إحياء ليلة نصفه، والاجتماع وقت صلاة المغرب وقراءة يس والأدعية، وصيام يوم نصف شعبان، وزيارة القبور فى صبيحة ليلة النصف من شعبان، فنرجو من سماحتكم أن تكشف لنا عن أحكام هذه الأمور، حتى ننتفع بهذا الخير الكثير..

فأجاب سماحته قائلاً:

يا بنى: أجمع المسلمون جميعًا أن الله خصَّ بفضله أفرادًا من عباده الصالحين، وأمكنةً خاصةً وأزمنةً خاصةً، فجعل فى الأسبوع يومًا وهو يوم الجمعة، وفى السنة شهرًا للصيام وأربعة أشهر حرم، وخص ليلة الإسراء بحبيبه، فلا حرج على فضله أن يخص ليلة النصف من شعبان فى كل عام بفضيلة استجابة الدعاء وقبول التوبة ممن يتوب والعفو عن كثير من المذنبين، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. لا يمنع هذا الفضل العظيم إنكار من أنكر فقد ذكر فضلها الإمام أبو طالب المكى - وهو من أئمة السلف الصالح الصادقين فى الفضل والرواية فى كتابه (قوت القلوب) - أن ليلة النصف من شعبان كان يعتنى بها أصحاب رسول الله o ويجتمعون لصلاة النوافل جماعة، إحياءً لها والتماسًا لخيرها؛ فقد ورد أنَّ فيها ترفع الأعمال وتقدر الأرزاق والآجال, وقد ورد فيها الدعاء المأثور الذى يلتمس فيه الداعى خفىَّ اللطف فى قدر الله، ولله تعالى فيها نظرات إلى خلقه: )يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ( (الرعد: 39), كما أورد الإمام أبو طالب المكى أن السلف الصالح 4 كانوا يحيون ليلة النصف من شعبان. وكانوا يصلون فيها مائة ركعة يأملون فيها الخير([1]).

وقد ورد فى إحيائها أحاديث، وإن كان سندها لم يبلغ درجة الصحاح فيكون على شرط البخارى أو مسلم إلا أنها فى فضائل الأعمال والأخذ بها حسن. والأحاديث الواردة فى الفضائل الأَوْلَى للمسلم أن يُسَلِّمَ بها من غير تدقيق فى سندها لأنها ليست أحكامًا شرعية، ولأن أحاديث الفضائل كان يخص بها رسول الله o أفرادًا من أهل الصُّفَّةِ الذين أقبلوا على الله بالكُلِّيَّةِ، وهم الذين أمر الله حبيبه o أن يُصَبِّرَ نفسَه معهم.

وإنكار من أنكر على أحاديث الفضائل لأنها لم تثبت عنده بسند يقبله هو بحسب مرتبته, كسند الإمام البخارى ومسلم (رضى الله عنهما)، وهذان الإمامان جمعا ما يتعلق بالأحكام التى يجب أن يلزم بها كل مسلمٍ وينفِّذُها الخليفة وعُمَّالُه، وأمَّا الأحاديث المتعلقة بتزكية النفس وطهارة القلوب ومعاملة علاَّم الغيوب وعلوم الإيمان والإيقان والإحسان: فحملها رجالٌ فرُّوا من الكونَيْنِ إلى الله تعالى ولزموا الصفة إيثارًا للعلم والعمل لله على غيرهما, أو حفظًا لأنفاس رسول الله o فى الليل والنهار.

الأحاديث الواردة فى فضائل هذه الليلة:

والأَوْلَى أنْ نُحْيِىَ تلك الليلة, وأنْ نحسنَ الظنَّ بحملة الحديث ورواته ونطمعَ أنْ ننالَ الخَيْرَ الذى ورد عن السيدة عائشة 1 قالت: قال رسول الله o: (يَنْزِلُ اللهُ تَعَالَى لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ بَنِى كَلْبٍ)([2]). وقال o: (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلاَّ الْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ وَمُدْمِنِ الْخَمْرِ وَعَاقِّ وَالِدَيْهِ وَالْمُصِرِّ عَلَى الزِّنَا)([3]) وقال o: (مَنْ صَلَّى فِى هَذِهِ اللَّيْلَةِ مَائَةَ رَكْعَةٍ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَائَةَ مَلَكٍ، ثَلاَثِينَ يُبَشِّرُونَهُ بِالْجَنَّةِ، وَثَلاَثِينَ يُؤَمِّنُونَهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَثَلاَثِينَ يَدْفَعُونَ عَنْهُ آفَاتِ الدُّنْيَا، وَعَشْرَةً يَدْفَعُونَ عَنْهُ مَكَائِدَ الشَّيْطَانِ)([4]).

روى ابن ماجة عن علىِّ بن أبى طالب (كرَّم الله وجهه) عن النبى o أنه قال: (إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلاَ مِنْ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلاَ مِنْ مُقْبِلٍ فَأُعَافِيَهُ؟ أَلاَ مِنْ كَذَا أَلاَ مِنْ كَذَا حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)([5]).

وعن عائشة 1 قالت: قَامَ رَسُولُ اللهِ o مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُهُ قَدْ قُبِضَ. فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُمْتُ حَتَّى حَرَّكْتُ إِصْبَعَهُ فَتَحَرَّكَ، فَرَجَعْتُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِى سُجُودِهِ: أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَفَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ أَوْ يَا حُمَيْرَاءَ، أَظَنَنْتِ أَنَّ النَّبِىَّ o قَدْ خَاسَ بِكِ؟) قُلْتُ: لاَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنَّنِى ظَنَنْتُ أَنَّكَ قُبِضْتَ لِطُولِ سُجُودِكَ. فَقَالَ: أَتَدْرِينَ أَىُّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟ قَالَتْ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (هَذِهِ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، إِنَّ اللهَ يَطَّلِعُ عَلَى عِبَادِهِ فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ وَيَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ وَيُؤَخِّرُ أَهْلَ الْحِقْدِ كَمَا هُمْ)([6]).

كما رُوِىَ عن ابن ماجة فى صحيحه عن أبى موسى الأشعرى 0 عن رسول الله o أنه قال: (إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيَطَّلِعُ فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ مُشْرِكٌ وَمُشَاحِنٌ)([7]).

وآل العزائم يحيون تلك الليلة اقتداءً بعمل السَّلف الصالح بإجماع الأمة فى مشارق الأرض ومغاربها على إحيائها، ولم يشذ منهم إلا أهل الإنكار الذين تثقل عليهم الأعمال الفاضلة.

حكم الاجتماع وقت صلاة المغرب وقراءة )يس( والأدعية:

أما اجتماع الناس فى ليلة النصف من شعبان فى المساجد وقت صلاة المغرب، وما يقومون به من الصلاة وقراءة (يۤس) والأدعية، فبدعة محدثة لا بأس بها، لأنَّ الدعاء سنَّة، والاجتماع للصلاة والدُّعاء مشروعٌ عند المقتضيات كالاستسقاء والخسوف والكسوف. فإذا اعتقد الناس أنَّ الليلة المباركة هى ليلة النصف من شعبان كما بيَّن ذلك بعض المفسرين، فالاجتماع حسنٌ مرغوبٌ فيه. وعلى قول من يقول إنَّ الليلة هى ليلة القَدْرِ، فالاجتماع فى هذه الليلة يكون لذكر الله.

حكم صيام يوم نصف شعبان:

وصيام يوم النصف من شعبان لغير معتاده، إن قُصِدَ به التقرب إلى الله تعالى، أو التَّشبُّه ببعض الصالحين، فهو مباحٌ، وإن نوى به السنَّة فهو مكروه. اللهم إلا إذا ثبت بطريق صحيح أنَّ رسول الله o صامه. وللمسلم الخيار فى صيام أى يوم إلا يوم الشك ويوم العيدين.

حكم زيارة القبور فى صبيحة ليلة النصف من شعبان:

أما زيارة القبور فى صبيحة ليلة النصف من شعبان، فلا أعلمُه من السنَّة، إلا أنَّ الذى أعلمُه أنَّ رسول الله o كان يزور بقيع الغرقد حيث قبور الصحابة ليلاً منفردًا، ونهارًا فى بعض أصحابه، و كان يقف ويسلِّم ويدعو لهم. فزيارة القبور فى صبيحة نصف شعبان بعينها بدعة حسنة، وكونهم يخرجون مجتمعين سنَّة لأنَّ رسول الله o فَعَلَهُ، ورفْعُ الأصوات عند التوجه لزيارة القبور بدعة لا أعلمُ أنَّها حسنة.

ما أسْتَحْسِنُهُ للمسلمين:

من هذا أسْتَحْسِنُ للمسلمين عامةً ولإخواننا آل العزائم فى كل أنحاء البلاد، أن يجعلوا لليلة النصف من شعبان قسطًا وافرًا من الإقبال على الله والمسارعة لإحيائها، فيصومون نهارها ويقومون ليلها اقتداءً بهدى السلف الصالح ويكثرون فيها التَّبَتُّلَ والتَّضَرُّعَ والقُنُوتَ لله تعالى.

وعندى أنَّ من الخير فى هذه الليلة صلة الرحم وبِرُّ الوالدين، والإحسان إلى الجيران، والعفو عمن آذى، وطلب العفو من المظلوم، والتقرب إلى الله ببذل فضل المال إلى الفقراء، حتى يكون تَقَرَّبَ إلى الله بماله ونفسه، وبَذَلَ فى سبيل الله ما يبخل به غيره. وبذلك أُبَشِّرُهُ بأنه صار ممن يحبهم الله تعالى بدليل قوله o: (وَلاَ يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ.....).

 



([1]) انظر: قوت القلوب لأبى طالب المكى 1/86.

([2]) جاء فى تفسير الخازن 5/388, وفى عمدة القارى شرح صحيح البخارى 17/49, والترمذى فى سننه 3/117 حديث 739, وابن ماجة فى سننه 1/445 حديث 1389, وابن راهويه فى مسنده2/326 حديث 850, 3/980 حديث 1700, ومسند عبد بن حميد 1/437 حديث 1509, ومسند أحمد 6/238 حديث 26060, وكنز العمال 12/315 حديث 35181, 12/314 حديث 35179.

([3]) جاء فى تفسير السراج المنير للخطيب 1/4037 تفسير سورة الدخان.

([4]) جاء فى مفاتيح الغيب (تفسير الرازى) 14/2, وتفسير النيسابورى 6/490, وفى الكشاف للزمخشرى 6/256, وفى تفسير حقى 13/244, وتفسير السراج المنير للخطيب 1/4037, وفى تخريج الأحاديث والآثار الواقعة فى تفسير الكشاف 3/261.

([5]) جاء فى المسند الجامع 30/391, وفى الآثار المرفوعة فى الأخبار الموضوعة 1/81, وفى إحياء علوم الدين 1/394, وفى سنن ابن ماجة 1/444 حديث 1388.

([6]) جاء فى الدر المنثور للسيوطى 7/403, وفى شعب الإيمان للبيهقى 3/382 حديث 3835, وفى الترغيب والترهيب للمنذرى 2/74 1549, 3/309 حديث 4196.

([7]) جاء فى كنز العمال 3/466 حديث 7461, 7462, 3/467 حديث 7463, 7464, 7465, 12/313 حديث 35174, 35175, 12/315 حديث 35182, 35184, وفى المسند الجامع 27/169 حديث 8869, وفى تحفة الأشراف 8/222 حديث 9006, وفى مجمع الزوائد للهيثمى 8/125 حديث 12957, 8/126 حديث 12958, 12959, 12860, 12861, وفى تخريج الأحاديث الواقعة فى تفسير الكشاف للزمخشرى 3/265, وجاء أيضًا فى سنن ابن ماجة 1/445 حديث 1390, ومسند إسحق بن راهويه 3/981 حديث 1702, ومصنف ابن أبى شيبة 4/316 حديث 7923, 6/108 حديث 29859, وفى مسند الحارث (زوائد الهيثمى) 1/423 حديث 338, ومصنف عبد الرزاق 4/316 حديث 7923, ومسند الشاميين 1/128 حديث 203, 1/130 حديث 205, 4/365 حديث 3570, وصحيح ابن حبان 12/481 حديث 5665, وابن حنبل فى مسنده 2/176 حديث 6642, والطبرانى فى معجمه الأوسط 7/36 حديث 6776, والطبرانى فى معجمه الكبير 22/223 حديث 590, 22/224 حديث 593, 20/109 حديث 215.

Rate this item
(1 Vote)
  • Last modified on الإثنين, 16 أيار 2016 14:27
  • font size

ليالى أهل البيت والاحتفالات

ستقام بالقاهرة ليلة أهل البيت الثالثة والتسعون يوم الجمعة 6 شعبان 1437هـ الموافق 15 مايو 2016م، والليلة الرابعة والتسعون يوم الجمعة 5 رمضان1437هـ الموافق 10 يونيه 2016م.